قوله تعالى:) وكلُّ إنسانٍ ألزمناهُ طائرهُ في عنقهِ ونخرجُ له يومَ القيامةِ كتابًا يلقاهُ منشورًا اقرأ كتابكَ كفى بنفسكَ اليومَ عليكَ حسيبًا (، قوله: طائره يعني عمله من الخير والشر، وإنما صح تسمية العمل طائرًا لأنه يسبق عامله فكأنه يطير منه فلا يملك فيه لحوقًا وإدراكًا، ويقال على هذا: فجرٌ مستطيرٌ، وغبار مستطار، قال الخليل: هكذا كلام العرب.
وقال البعيث:
فطوتْ بهِ شجْعاء قراء جُرشعًا إذا عدَّ مجدُ العيشِ قدَّمَ بينَها
يريد فثُّ بها، وسبقت بها. ويشبه هذا قولهم: الفرُط: وهو ما سبق من عمل أو ولد يكون لك أجره. ويقال: فرط له ولد، أي يسبق إلى الجنة، وفي الدعاء: اللهم اجعله لنا فرُطا، أي أجرًا متقدمًا، وأصله: الفارط الذي يسبق القوم إلى الماء، قال لبيد:
فوردْنا قبلَ فُرَّاطِ القطا إنَّ منْ وِرديَ تغليسُ النَّهلْ
ومعنى:) ألزمناهُ طائرهُ في عنقهِ (، ألزمناه جزاء عمله الذي قدمه، فهو سابقه إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا، متقلدًا به وملازمًا له، فموضع قوله: في عنقه نصب على الحال، وهم يولعون بذكر العنق والرقبة ويكنون بها عن جملة الإنسان، هذا قولهم: أعتق فلان رقبة، في المملوك، وهذه الأمانة في عنقه، ويقولون: قلده السلطان كذا في الولاية، ورهن مقلده بكذا، كما قالوا: شغل ذمته بكذا، وقال بشر يصف غدرة حاذر:
وقُلِّدها طوقَ الحمامةِ جعفرُ
وأنشد الأصمعي قول ابن أبي ربيعة وقد كنى عن العنق:
إنَّ لي حاجةً إليكِ فقالتْ بينَ أُذنِي وعاتقي ما تريدُ
أي في عنقي، وهذا الذي ذكرناه عليه أكثر المتقدمين، وقد شرحته جهدي.
[ ٢٧ ]
وذكر بعضهم أن المراد بقوله: طائره، ما تطير الإنسان إليه أو منه من محبوب أو مكروه، قال: وهذا كما كانت العرب تذهب إليه في زجر الطير والاستدلال به على الأمور الكائنة، قال الله ﷿ حاكيًا عن قوم في مخاطبة نبيهم لما تطيروا وفي جوابه لهم:) قالوا اطَّيَّرنا بكَ وبمن معكَ قالَ طائركم عندَ اللهِ (، وعلى هذا قول المسلمين في التبرؤ من الزجر: اللهم لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك، ولا رب غيرك. فيكون المعنى: كل إنسان ألزمناه جزاء طيرته في عنقه، ويكون مجازه وبيانه على ما ذكرت، وهذا الكلام فيه ردع شديد وزجر عن مواقعة الذنوب بليغ، لأن المراد إذا علم لزوم علمه له وتيقن مواقعته عليه ارعوى عن كثير مما يهوى، وقد فسر الله تعالى ذلك وبين الحال فيه بقوله:) ونخرجُ يومَ القيامةِ كتابًا يلقاهُ منشورًا (، فقوله:) نخرج له كتابًا (، انتصب كتابًا على أنه مفعول، ودليل الآية قوله:) هذا كتابنا ينطقُ عليكم بالحقِّ (، وقوله:) يلقاهُ منشورًا (في موضع الصفة لكتاب، ودليله قوله:) وإذا الصُّحفُ نُشرتْ (، فأما قوله:) اقرأ كتابكَ (فهو على إضمار القول، كأن المراد: ونقول له اقرأ كتابك، أو: ويقال له اقرأ كتابك.
ويروى عن الحسن أنه قال: لقد أنصفك يا ابن آدم من جعلك حسيب نفسك، وإنما أعلمنا ﷻ أمر الحفظة ومن يحصي علينا أعمالنا، التقوى الرواعي في الارتداع عن المعاصي، وقوله:) كفى بنفسكَ اليومَ عليكَ حسيبًا (، إن قيل: هلا قال عليك ولك، لأن الكتاب المتوعد به لا شك اشتمل على ما له من الحسنات، وعليه من السيئات، ولأن الوعيد إذا قارنه النَّصفة وبنى عليها، كان أبلغ في الوعظ، فالجواب: أن لفظة عليك يجوز أن يتعلق بقوله: اقرأ، كأنه قال: اقرأ كتابك عليك كفى بنفسك حسيبًا، وموضع بنفسك رفع على أنه فاعل كفى، وحسيبًا انتصب على الحال أو التمييز، ولولا مجانبة التكرار لكان الأوجه أن يقال: اقرأ كتابك على نفسك، لأن الأكثر في الاستعمال في باب الأمر أن يقال: اتخذ لنفسك كذا، واجعل لنفسك كذا، لمنه كره أن يقال: اقرأ كتابك على نفسك كفى بنفسك، فهذا وجه. ويجوز أن يتعلق بقوله: كفى، كأنه قال: كفى نفسك عليك من حسيب، ويكون موضع عليك نصبًا على الحال، أي: كفى نفسك وهي عليك لا لك ومعك، ويكون المعنى مثل ما اشتمل عليه قوله في موضع آخر:) يومَ تشهدُ عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (، ويجوز أن يتعلق بقوله: حسيبًا، وهو في موضع الحال، أي: كفى نفسك مستوفيًا عليك اليوم، لأن معنى الحسيب والمستوفي والمحاسب واحد، وما أعلم أحدًا شرح هذه الآية بمثل ما ذكرنا.