روي في الخبر أن النبي ﵇ والمسلمين ﵃ يوم أُحد، لما قال أبو سفيان وحزبه: أُعْلُ هُبَل، قالوا في جوابهم: الله أعلى وأجلّ. فسأل بعضهم، فقال: كيف جاز هذا الكلام؟ وأفعل من باب التفضيل موضوعة لأن يجيء لتفضيل واحد على جماعة هو منها، ولذلك يضاف إليها، أو إلى واحد منكور ينوب منابها، تقول: هذا أفضل القوم، وزيد أفضل الرجال، والمعنى أنه واحد منهم يزيد فضله على فضلهم، وكذلك إذا تممته بمن يوجب التشارك فيما يقع التفضيل فيه، تقول: زيد أفضل من عمرو، والمعنى: يزيد فضله على فضل عمرو، ولو قلت: الإنسان أصلب من الحجارة، لم يجز لاختلاف الجنسين، وإذا كان موضوع أفعل في التفضيل على هذا، فلا يجوز أن يكون كلام النبيّ ﵇ للتفضيل لما يحصل فيه من مشاركة هُبل لله تعالى في العلُوّ والجلالة، وإن كان الله ﷿ مفضلًا في الكلام عليه، ولا يجوز أيضًا أن يكون المراد بأعلى وأجل: الله عليٌّ وجليلٌ، كما قال عبيد:
فتلكَ سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ
[ ١٥ ]
أي بواحد، لخروج الكلام من أن يكون واقعًا في مقابلة كلام الكفار ومعارضًا، وإذا امتنع الوجهان فيه، فعلى ماذا يُحمل؟ والجواب: أن النبي ﷺ لما رأى الكفار يوازنونه إذا دعاهم إلى الله ﷿، وإلى الإيمان به، أو استنصر الله تعالى عليهم، واستنجز كريم وعده فيه بذكر هُبَل، ويدَّعون في مباراته ومحاكاته أن لهم إلهًا يرجعون في المسألة إليه، ويعتمدون في الإجابة عليه، وأنهم يرجون عُلوَّهُ وقهره وإظهاره، حتَّى قالوا له: تعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة، ثم نتعاقب على ذلك، فأنزل الله ﷻ:) قلْ يا أيُّها الكافرون لا أعبدُ ما تعبدون (السورة، ووجد أبا سفيان وصحبه ركبوا في مقابلته ومحاذاة أفعاله ذلك اليوم تلك الطريقة، قال على طريقة التنزيه والتعظيم والتبرئة والتفخيم: الله أعلى وأجل، أي: تعالى عن أن يذكر معه شيء، وجل عن أن يغالبه مذكور. وهذا كما يقال: فلان أوثق من أن يواقف، وأعدل من أن يحاكم، وإذا كان كذلك سقط مشاركة هبل له في المدح، وفي هذه الطريقة قول الله ﷿:) لا يُسئلُ عمّا يفعل وهم يُسألون (، أي أفعاله في الإتقان والإصابة والجري في سبيل الحكمة بحيث لا تتعقب بالسؤال عنها، والبحث عن مواقعها، وهم يسألون لجواز السهو عليهم، وتخلل الاختلال لأفعالهم، وهذا ظاهر، ويغلب في نفسي أن الفرزدق أراد بقوله:
بيتٌ دعائمُه أعزُّ وأطولُ
هذا المعنى، أي أعز من أن يغالب، وأطول من أن يفاضل، وأنه لم يقصد: أعز من غيره، لما في الأول من التَّعلي والفخامة، فاعلمه إن شاء الله تعالى.