يبدو أن أخبار المفضل مع الخلفاء والشعراء وغيرهم كانت من الكثرة بحيث تستحق أن تفرد بالتصنيف، وهذا ما يفهم من قول القفطي: " وإن أخر الله في الأجل استقصيت أخباره في مصنف مفرد أسميه: المفصل في أخبار المفضل " (١)، غير أن القفطي لم يحقق هذه الأمنية في الأرجح، وبقي على الدارس أن يتتبع ما تناثر من أخباره في المصادر؛ وقد وردت ترجمته وبعض أخباره في مصادر غير قليلة - تكشف عنها حواشي هذه الدراسة - ولكن معظم ما ورد متناقل مكرور.
وأكمل صورة لنسبه ترد على النحو الآتي: المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم بن أبي سلمى بن ربيعة بن زيان بن عامر بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد مالك بن بكر بن سعد بن ضبة (٢) . ويقف بعض المصادر دون استكمال هذا النسب، إيجازًا، لا إخلالًا متعمدًا (٣) .
وترد له في المصادر كنيتان: أبو العباس وأبو عبد الرحمن (٤)، وشذ ابن الجزري فكناه بأبي محمد (٥) - ولعل ذلك خطأ طباعي أو سهو (٦) .
_________________
(١) إنباء الرواة ٣: ٣٠٥.
(٢) تاريخ بغداد ١٣: ١٢٢ وأنساب السمعاني ٨: ٣٨٥ وإنباء الرواة ٣: ٢٩٩؛ ولا خلاف بين هذه المصادر إلا في بعض التصحيفات: فزبان في الأنباء يرد «زياد) «والسيد» قد كتب «السند.
(٣) انظر طبقات الزبيدي: ١٩٣ والفهرست: ٧٥ (وأسقط الزبيدي «عامر» كما أسقط الفهرست ما بين سالم والزبان، وتصحف هذا الأخير إلى «الريال» وورد في مصادر أخرى: الريان) .
(٤) الفهرست: ٧٥ ونزهة الإلباء: ٣٥، وبغية الوعاة ٢: ٢٩٧ والمزهر ٢: ٤٢٣.
(٥) غاية النهاية ٢: ٣٠٧.
(٦) شبيه السهو تسمية والد المفضل «أحمد» في شرح النهج ٣: ٣٠٨.
[ ٥ ]
ولا تتحدث المصادر بشيء محدد مباشر عن أبيه محمد، ولكن بعضها التفت إلى جده يعلى، فذكر أنه كان من موظفي الدولة الأموية، وأن نيله لوظيفته تم على أثر رؤيا رآها؛ فقد رأى في منامه كأن على بابه حبشية عوراء يلوح عليها سواد، فصحا مفزعًا، وفي مساء اليوم نفسه استدعاه الحجاج فولاه خراج الري وهمذان والماهين (١) . ولست أدري وجه دلالة «الحبشية العوراء التي يلوح عليها سواد» لدى عابري الرؤى، ولكن من السهل أن نتصور - بناءً على قاعدة التضاد بين الحلم والواقع - أن الفزع في الصباح تحول إلى سرور في المساء.
ولا ريب في أن المفضل كوفي: ولد في الكوفة ونشأ بها، وفيها نال ثقافته الأولى، وخلف زيادًا الأعرابي على زوجته بعد وفاة زوجها، وكفل ابنها محمدًا - الذي أصبح من بعد عالمًا يعرف بابن الأعرابي - ورباه وتعهد تثقيفه (٢) .
وكان من شيوخه الكوفيين (٣) المقرئ المشهور عاصم بن أبي النجود (٤)؛ فقد أخذ عنه القراءات والحديث (٥)، ويقول في تصوير علاقته بهذا الشيخ: كنت آتي عاصمًا فأقرأ عليه، وإذا لم آته أتاني في بيتي (٦)؛ زفي قراءته إذا خالف عاصمًا
_________________
(١) انظر انباء الرواة ٣: ٣٠٣، ٢٩٩ وقارن بتاريخ بغداد ١٣: ١٢٢ والماهان: الدينور ونهاوند، وقيل هي أيضًا مدينة بكرمان (معجم البلدان ٤: ٤٠٥) .
(٢) الفهرست: ٧٦ وتاريخ بغداد ١٣: ١٢١ وأنساب السمعاني ٨: ٣٨٥ والمعارف: ٥٤٦ وياقوت ١٩: ١٦٤ والمزهر ٢: ٤١١ وهذا يظهر الخلل في قول ابن الجزري «وقيل أن ابن الأعرابي ادركه (غاية النهاية ٢: ٣٠٧) فإن ورود «قيل» في الخبر لا يجوز، وانظر معجم الأدباء ١٨: ١٩٠ ووفيات الأعيان ٤: ٣٠٦.
(٣) في شيوخ المفضل جملة انظر: تاريخ بغداد ١٣: ١٢١ والأنساب ٨: ٣٨٥ وأبناه الرواة ٣: ٢٩٨ - ٢٩٩ وميزان الاعتدال ٤: ١٧٠ ولسان الميزان ٦: ٨١ وفي القراء منهم خاصة: غاية المهاية ٢: ٣٠٧.
(٤) توفي عاصم سنة ١٢٧ أو ١٢٨، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٥: ٣٨.
(٥) لا يروي المفضل أحاديث كثيرة، ومما رواه: «أن من الشعر حكمًا» تاريخ بغداد ١٣: ١٢٢ وأضداد ابن الأنباري ٣٤٣، عن أستاذه سماك بن حرب، وهو مضعف عند المحدثين (ميزان الاعتدال ولسان الميزان) .
(٦) انباه الرواة ٣: ٢٩٨ وغاية النهاية ٢: ٣٠٧.
[ ٦ ]
شذوذ، ومن أجل ذلك - فيما أعتقد - ذكر أبو حاتم متروك القراءة إلى جانب تضعيفه في الحديث (١) . ومن شيوخه أيضًا سماك بن حرب أبو المغيرة الكوفي، وكان فصيحًا عالمًا بالعشر وأيام الناس، وقد تردد المحدثون بين توثيقه وتضعيفه، وكانت وفاته سنة ١٢٣هـ؟ (٢) . ومنهم سليمان بن مهران المعروف بالأعمش (- ١٤٥) (٣) وإبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي المحدث (٤)، ومغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه المحدث (بين ١٣٢ - ١٣٦) (٥)، وأوب إسحاق السبيعي الكوفي عمرو بن عبد الله الذي لا يختلف العلماء على أنه كان ثقة في الحديث (بين ١٢٦ - ١٢٩) (٦) .
وقد ذكر أنه أخذ عن أبي رجاء العطاردي عمران بن ملحان؛ وهو محدث بصري، ولكن هذا مستبعد لأمرين: أولهما أن العطاردي توفي على أعلى تقدير سنة ١٠٩هـ؟؛ وثانيهما أن المفضل لم يترك الكوفة إلى البصرة إلا بعد سن كبيرة نسبيًا. ولهذا أرى الصواب في قول من قال إن المفضل لم يدرك أبا رجاء (٧)، كما سأبين بعد قليل.
مما تقدم يمكن للدارس أن يتوقف عند عدد من الحقائق منها:
أن أساتذة المفضل كانوا في الجملة كوفيين، يتفانون في ولائهم فبعضهم عثماني مثل عاصم وبعضهم يتشيع مثل الأعمش، وأنهم تميزوا - في الغالب - بالقراءة والحديث على تفاوت واسع فيما بينهم.
_________________
(١) ميزان الاعتدال ولسان الميزان وغاية النهاية.
(٢) انظر تهذيب التهذيب ٤: ٢٣٢.
(٣) مشهور بالقراءة والنحو والحديث (تهذيب التهذيب ٤: ٢٢٢) .
(٤) تهذيب التهذيب ١: ١٦٧.
(٥) تهذيب التهذيب ١٠: ٢٦٩.
(٦) تهذيب التهذيب ٨: ٦٣.
(٧) ميزان الاعتدال ولسان الميزان وغاية النهاية.
[ ٧ ]
وإذن كان جل ما أفاده المفضل من أولئك الأساتذة الكوفيين هو علمي القراءات والحديث، وهذا يلفتنا إلى ظاهرة هامة، وهي عدم تميزه بين معاصريه ومن جاء بعدهم في هذين العلمين، وقد يقال إنه في القراءة أخملته شهرة عاصم - من بعد - حتى أصبح ظلًا له، وأنه لم يكتسب توثيقًا في الحديث لميول مذهبية - ستتضح فيما يلي؛ ولكن الأهم من ذلك أنه برز في الشعر والأخبار دون أن يكون في أساتذته من هو متميز في هذين الفنين، اللهم إلا إذا استثنينا أستاذه سماك بن حرب، والأمر الجدير بالنظر هو كيف حدث هذا التحول في حياته وتحت أي تأثير. وللجواب على هذا التساؤل شقان: أولهما يتعلق بالنشأة والثاني يتصل بتحول هذين الفنين - الشعر والأخبار - مصدر رزق للمفضل عند اتصاله بالخلفاء، والحديث عن الشق الثاني سيجيء في موضعه؛ أما عن الشق الأول فلابد من أن يرتبط التوجه إلى الشعر والأخبار - منذ الصغر - بمؤثرات قوية، منها الميل الطبيعي، ومنها قوة الأستاذ الموجه ومنها أثر البيئة البيتية: وقد عبر الميل الطبيعي عن نفسه تلقائيًا حين التقت الموهبة مع الحاجة المادية؛ وأما قوة الأستاذ الموجه فلعلها أن تلفتنا إلى أثر سماك بن حرب فيه، دون سائر أساتذته، فقد كان الرجل عالمًا بالشعر وأيام الناس - وإن لم نجد في الروايات ما يؤيد ذلك الأثر - وأما أثر البيئة البيتية فربما أشار إلى أثر والده فيه. وقد قلت - فيما تقدم - إن المصادر لا تتحدث بشيء محدد مباشر عن والده، ولكنها رغم ذلك تقول الشيء الكثير استنتاجًا، ومن تصفح تاريخ الطبري عرف هذه الحقيقة (١)، فالمفضل يروي عن أبيه محمد بن يعلى أخبارًا تمتد من عام ٣٢هـ؟ إلى نهاية الدولة الأموية، أي أخبار قرن كامل، ولكن ما بقي من تلك الأخبار لا يتناول جميع الأحداث، وإنما يقتصر - حسب منقولات الطبري - على إشارات حول معركة الجمل، وهي التي شارك فيها
_________________
(١) للحكم على ذلك لابد من مراجعة فهرست الطبري؛ وتتبع الأحداث التي يرويها المفضل، وفي بعضها نقل صريح عن أبيه، وفي بعضها الآخر يسقط اسم الأب، ولكن يبدو من المرجح أن معظم تلك الروايات إنما تلقاه عن والده حتى حين لا يصرح باسمه.
[ ٨ ]
بنو ضبة بقوة إلى جانب العثمانية، ثم تتركز سائر الأخبار المروية على الأحداث المتصلة بخراسان، وهذا قد يعيد إلينا صورة الجد الذي تولى الخراج في منطقة مقاربة، ولا يستبعد أن يكون محمد والد المفضل ممن اتصل بالحياة في خراسان عن كثب، إما جنديًا وإما موظفًا. وهذه الأخبار التي تلقاها المفضل عن أبيه انتقلت إلى تلميذه المدائني الذي لقيه فيما أقدر - في الفترة البغدادية.
وإذا راجعنا أسماء أساتذة المفضل في المرحلة الكوفية، وجدنا أن عاصمًا من أقدمهم وفاة (سنة ١٢٧ أو ١٢٨) وهذه حقيقة يجب ألا تفوتنا الإفادة منها، على نحو استقرائي، بربطها مع حقيقة أخرى: وهي حاجتنا إلى الجزم بأن المفضل لم يدرك أبا رجاء العطاردي (الذي توفي سنة ١٠٩)، وقد يصبح القطع بذلك ممكنًا بعد أن نقرأ في تاريخ الطبري (١) «حدثنا؟ عن المفضل بن محمد عن عدي بن أبي عدي عن أبي رجاء العطاردي قال؟» فالمفضل إذم لا يروي عن أبي رجاء مباشرة، ولو أدركه لفعل ذلك، وإذن فمن اللاحق باليقين أنه لم يدركه لأحد سببين: إما لأنه لم يكن قد ولد بعد، وإما لأنه كان صغير السن. فإذا قلنا أنه ولد في العاسم الذي توفي فيه أبو رجاء كانت سنه عند وفاة عاصم لا تزيد عن تسعة عشر عامًا، وهي سن لا تسمح لعاصم الشيخ الجليل أن يذهب لزيارة المفضل في بيته إن لم يسارع المفضل إلى القراءة عليه؛ فإذا قدرنا مستوى مرضيًا من العمر لهذا الاحترام المتبادل بين الأستاذ وتلميذه وجدنا أن عمر المفضل حين توفي عاصم لم يكن يقل عن خمسة وعشرين عامًا إلى ثلاثين، ويكون تاريخ ميلاده على حسب هذا التقدير بين سنتي ٩٨ - ١٠٣هـ؟.
في تلك المرحلة الكوفية من حياة المفضل كان جل همه منصرفًا إلى طلب العلم؛ غير أنه بعد أن أحكم العلوم التي طلبها جلس للتدريس والقراء، فأخذ عنه عدد كبير من الطلاب في مقدمتهم ربيبه ابن الأعرابي، وعلي بن حمزة الكسائي،
_________________
(١) الطبري ١: ٣١٩٨.
[ ٩ ]
ويقص علينا حبيب بن بسطام الوراق الأزدي البصري كيف كان يتشوف إلى طلب العلم على المفضل، فغادر البصرة إلى الكوفة وهو يتخوف أن يصده المفضل لأنه بصري ولأنه أزدي، فروى عن هاتين الحقيقتين بأن قال له حين سأله عن منبته: «من أرض الهند» لأن البصرة كانت تعرف يومئذ بذلك، ولما سأله عن ولائه أجاب: لرسول الله ﷺ؛ ونرى المفضل وتلميذه الأزدي يرتادان سوق الكوفة، ويدخلان دكان رجل يبيع الخبط والنوى (١) .
ولا ندري الحافز الذي دفعه للانتقال إلى البصرة، رغبة في استيطانها لا على وجه الزيارة العابرة، فقد كان حين رحل إليها قد أتقن المعارف التي شهر بها، وخاصة رواية الشعر والأخبار (٢)، ولابد من أن تكون رحلته إليها قد تمت قبل سنة ١٤٢هـ؟، وهي السنة التي توفي فيها سليمان بن علي الهاشمي، إذ تذكر الأخبار له صلة بذلك الأمير (٣) . وعلى ما كان لدى علماء البصرة حينئذ من استخفاف بعلماء الكوفة إلى درجة امتناعهم من الأخذ عنهم، فإن المفضل كان استثناء في ميدانه الذي كان يحسنه، فقد وثقوه، وتقلبوا روايته وأخذوا عنه، وقال ابن سلام فيه: «وأعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة المفضل بن محمد الضبي الكوفي» (٤) - يعني العلم بالشعر - كما اعترف له جهم بن خلف المازني - رغم هجائه له (٥) -
_________________
(١) انباه الرواة ٣: ٣٠٠.
(٢) انباه الرواة ٣: ٣٠٤.
(٣) ولي البصرة ١٣٣ - ١٣٩ وبقي يعيش فيها حتى وفاته (راجع الوافي بالوفيات ١٥: ٤٠٦ والفوات ٢: ٧٠ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٢٨١ وتهذيب التهذيب ٤: ٢١١) غير أن بعض المصادر يذكر عيسى بن جعفر (الخصائص ٣: ٣٠٦) وبعضها يذكر جعفر بن سليمان في موضع: سليمان بن علي.
(٤) طبقات فحول الشعراء: ٢٣ وتهذيب الأزهري ١: ١٠ وانباه الرواة ٣: ٢٩٩.
(٥) ورد هجاؤه في معجم الأدباء ٧: ٢١٢ حيث يقول: انت كوفي ولا يحفظ كوفي صديقا لم يكن وجهك يا كوفي للخير خليقا
[ ١٠ ]
بالعلم في عدة فنون (١)؛ وشهد له أبو حاتم السجستاني نزيل البصرة - من بعد فقال: «كان أوثق من بالكوفة في الشعر» (٢) وهذه شهادة بتفوق بسبي، وخاصة حين كان البصريون يقارنون بين المفضل وأفادوا من علمه، وقيدوا بعض رواياته وآرائه، واعترفوا بمدى الخلف بين روايتهم وروايته: فقد كانوا مثلًا يعتقدون أن القصيدة الحائية التي يوصف فيها السحاب والمطر «دان مسف فويق الأرض هيدبه..» إنما هي لعبيد، على ذلك كانوا مجمعين فلما قدم عليهم المفضل صرفها إلى أوس بن حجر (٣)؛ وتذاكروا معه شعر الأسود بن يعفر فأخبرهم أن للأسود ثلاثين ومائة قصيدة، وهم لا يعرفون له ذلك ولا قريبًا منه (٤)، فحملوا ذلك - رغم تقديرهم له - على تجوز الكوفيين في قبول ما يحترز البصريون من قبوله.
لمثل هذه الأخبار وغيرها يمكن أن نقف على مبالغة واضحة في قول من قال: «لم يأخذ أحد من علماء البصريين عن الكوفيين إلا أبا زيد (٥») - يعني أبا زيد الأنصاري سعيد بن أوس (٢١٤)، بل إن الشواهد تدل على أن علماء آخرين أخذوا عن المفضل، وإن كان أبو زيد نفسه أكثرهم أخذًا عنه - إما في المرحلة البصرية وإما في المرحلة البغدادية اللاحقة - وكان أكثر ما أخذه عنه هو الشعر، إذ قرأ عليه دواوين كثيرة (٦)؛ وقد صرح أبو زيد في كتاب النوادر بأن ما كان في هذا الكتاب من شعر القصيد فهو سماعه من المفضل (٧) بل افتتح كتابه بقوله:
_________________
(١) انباه الرواة ٣: ٣٠٤.
(٢) مراتب النحويين: ٧١.
(٣) طبقات فحول الشعراء: ٩٢.
(٤) المصدر السابق: ١٤٨.
(٥) انباه الرواة ٢: ٣٤.
(٦) تهذيب الأزهري ١: ١٢ ومراتب النحويين ١: ٧١، وانظر عد أبي زيد من تلامذته في ياقوت ١٩: ١٦٤ وميزان الاعتدال ٤: ١٧٠ وغاية النهاية ٢: ٣٠٧.
(٧) النوادر: ١؛ وفي الصفحة التالية جاء ما ينقض هذا وهو أن أبا زيد قال: ما كان فيه من رجز فهو سماعي من المفضل، وما كان فيه من قصيد ولغات فهو سماعي من العرب. ولدى الفحص عن ذلك في تضاعف الكتاب نفسه تبين أن الشعر هو الذي يروى عن المفضل، فإذا لم يرو عنه صرخ أبو زيد بقوله: ولم أسمعه من المفضل (انظر مثلًا ص: ١٧٥) .
[ ١١ ]
" أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي وهو جاهلي:
بكرت تلومك قبل وهن في الندى بسل عليك ملامتي وعتابي " (١) ولكن المفضل - على ما ناله من منزلة لدى البصريين - لم يسلم من نقدهم له، ولنا أن نحمل بعض ذلك النقد على المنافسة بين البلدين وعلمائهما، وعلى اختلاف المنهج في الرواية، وعلى المماحكات الآنية بين المتعاصرين، ولكن لا ريب في أن بعض ما أخذوه عليه كان حقًا، فقد وجدوا لديه تخليطًا كثيرًا في شعر عدي (٢)، أي أنه لم يستطع تمييز المنحول فيه من الأصيل، (ولكن هذا نفسه هو ما أصاب خلفًا الأحمر الذي شهد له رواة عصره ونقاده بأنه كان أفرس الناس ببيت شعر)؛ وخالفوه في بعض الصيغ اللغوية إذ وجدوه مثلًا يقول: العناصي جمع عنصية، بينما ذهب الأصمعي إلى أنها جمع عنصوة (٣)، وسألوه عن معاني بعض الألفاظ فوجدوه لا يعرفها، مثل لفظة الكرادي (٤)؛ بل اتهمه أبو عبيدة بالوضع؛ فقد أنشد المفضل هذا الرجز:
أي قلوص راكب تاها طاروا عليهن فشل علاها
وأشدد بمنتي حقب حقواها ناجية وناجيًا أباها قال أبو حاتم: سألت عن هذه الأبيات أبا عبيدة فقال: انقط عليه، هذا صنعه المفضل (٥)؛ ولا يبعد أن يكون هذا من ظنون أبي عبيدة الذي كان سريعًا إلى الذم.
_________________
(١) النوادر: ٢ وانباه الرواة ٢: ٣٤.
(٢) طبقات فحول الشعراء: ١٤٠.
(٣) النوادر: ١٤٤، والعنصوة: البقية من المال؛ وأثبت في اللسان الوجهين.
(٤) النوادر: ١٤٣؛ ويبدو أنه ظل مجهولًا فلم يورد صاحب اللسان فيه شيئًا.
(٥) النوادر: ٥٨، ١٦٤.
[ ١٢ ]
وأخذت مجالس البصرة تشهد المناظرات والمحاورات بين المفضل وعلماء تلك المدينة، من ذك أن سليمان بن علي الهاشمي جمع بين المفضل والأصمعي، وأنشد المفضل في ما أنشد قول أوس بن حجر «تصمت بالماء تولبًا جذعًا» - فرواه بالذال المعجمة - والجذع هو الفتي الصغير السن من الإبل وغيرها؛ ففطن الأصمعي لخطأه وقال له: أخطأت إنما هو «تولبًا جدعًا» (١) بالدال المهملة - والجدع السيئ الغذاء، فقال المفضل: «جذعًا جذعًا» ورفع صوته، فقال الأصمعي: لو نفخت في الشبور ما نفعك، تكلم كلام النمل وأصب. فلما تمسك كل منهما برأيه وحفظه احتكما إلى غلام حافظ للشعر من بني أسد فصوب رأي الأصمعي (٢)؛ ومع أن قراءة المفضل ذات حظ غير يسير الصواب، فإن العلماء أخذوا بقول الأصمعي الذي أخذت عليه أيضًا تصحيفات كثيرة، مثله في ذلك كثير من العلماء والرواة، إذ لم يكن المفضل بدعًا في هذا الصدد، وله تصحيفات سنأتي على ذكرها من بعد.
وكان المفضل ما يزال في البصرة حين قام محمد النفس الزكية بثورته في المدينة وأرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة يدعو الناس لمشايعته. ويبدو أن ثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم قد استطاعت أن تجذب إليها كثيرًا من الفقهاء والمحدثين وأهل العلم، وأن اشتراك المفضل فيها تم فعلًا: إذ تصرح الروايات المتعاطفة مع تلك الثورة أن المفضل كان زيديًا (٣)، وأنه مثل كثير من الزيدية رأى الانخراط في صفوف الثورة، وأنه كان من أشدهم تحمسًا لها، وأنه كان موضع ثقة إبراهيم، إذ لجأ هذا إلى دار المفضل مستترًا من عيون العباسيين، وكان إذا عقد
_________________
(١) يصف امرأة فقيرة وأنها تسكت ابنها السيء الغذاء بالماء.
(٢) تروي القصة في صور مختلفة، وإن كانت متقاربة، انظر انباه الرواة ٣: ٣٠٢ - ٣٠٣ والتصحيف للعسكري: ١٣٤ والتنبيه: ٧١ (ونسب التصحيف لجعفر بن سليمان) ومجالس العلماء: ١٤ - ١٥ وتهذيب الأزهري ١: ١٠ - ١١ ونزهة الالباء: ٣٦ والمزهر: ٣٦٣ واللسان (جدع) والخصائص ٣: ٣٠٦ والحيوان ٤: ٢٥ - ٢٦.
(٣) مقاتل الطالبيين: ٣٣٨.
[ ١٣ ]
لأصحابه اجتماعًا دعاهم إلى تلك الدار نفسها (١)، وكان المفضل نفسه يخرج ليتسقط الأخبار لإبراهيم، أو ليتعهد بالزيارة ضيعة له كانت على مقربة من تلك المدينة، وكانت حماسته للثورة تدفعه إلى دعوة الناس - بشتى الوجوه والحيل - للانضمام إليها (٢) .
ولما قرر إبراهيم الخروج كان المفضل في صحبته، وهو يقص علينا خبر ذلك الخروج بقوله: «فلما خرج خرجت معه، فلما صار بالمربد - مربد سليمان ابن علي - وقف عليهم وأمنهم واستسقى ماء فأتي به فشرب، فأخرج إليه صبيان من صبيانهم فضمهم إليه وقال: هؤلاء والله منا ونحن منهم، لحمنا ودمنا، ولكن آباءهم انتزوا على أمرنا، وابتزوا حقوقنا وسفكوا دمائنا» (٣) وتمثل إبراهيم بأبيات شعرية استحسنها المفضل فسأله عن قائلها، فعلم منه أنها لضرار بن الخطاب الفهري تمثل بها علي بن الحسين ثم زيد ثم يحيى بن زيد، فتطير المفضل له من تمثله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قتل.
وتحرك إبراهيم مع جماعته إلى باخمري وهناك أتاه نعي أخيه محمد، فأجهش في البكاء، فأخذ المفضل يعزيه ويلومه على ما يظهره من الجزع، وفي كل موقف كان إبراهيم يتمثل بشعر، حتى إذا التحمت الحرب واشتدت قال للمفضل: حركني بشيء، فجاء دور المفضل - وهو الدور الطبيعي للرواية - لينشده شعرًا، فأنشده أبياتًا لعويف القوافي، وأعادها عليه مرتين، «فتمطى في ركابيه فقطعهما وحمل فغاب عني، وأتاه سهم عائر فقتله، وكان آخر عهدي به» (٤) .
_________________
(١) مقاتل الطالبيين: ٣٧٨ ويوصف المفضل بأنه «كان له غاشية على التشيع» أي إن الشيعة كانوا يغشون منزله.
(٢) المصدر السابق؛ وانظر الرواة: ٣: ٣٠٤ في ذكر ضيعته.
(٣) مقاتل الطالبيين: ٣٧٣ وشرح النهج ٣: ٣٠٨ وفي انباه الرواة ٣: ٣٠٤ أنه قال له: يا مفضل أنشدني شيئًا تصيب به ما في نفسي.
(٤) انظر المصدرين السابقين.
[ ١٤ ]
ذلك هو موجز القصة عن اشتراك المفضل في ثورة إبراهيم، وليس ثمة ما يجعلنا نتشكك فيها وإن جاءت من بعض الطرق بصيغة التمريض «ويقال إن المفضل بن محمد خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن» (١)، وقد تعارض القصة بعفو المنصور عنه، فيقال: كيف يعفو عنه وقد كان له دور هام في الأشهر القليلة من عمر تلك الثورة؟ والجواب على ذلك أن المنصور لم يحاول أن يستقصي بعد إذ قضى على رأسي الثورة، إذ كان يعلم أن الاستقصاء سينال كثيرًا من «المثقفين» في عصره، ولهذا اكتفى بالنصر الحربي، وشمل كثيرين بالعفو، ومنهم المفضل، الذي لم ينل عفوًا وحسب بل أصبح - بعد هدأة النفوس - مؤدبًا للمهدي، ومنذ هذه اللحظة تم تحول في حياته، فانتقل إلى بغداد، مع كثيرين غيره من علماء الكوفة والبصرة، وكانت هذه المرحلة البغدادية أخصب فترة من العطاء في حياته، وفيها تقرر اتجاهه نحو الشعر والأخبار، وفيها - فيما أقدر - كثر من حوله طلاب العلم والآخذون عنه مثل: الفراء والكسائي والمدائني وأحمد بن مالك القشيري وأبي كامل الجحدري ومحمد بن عمر القصبي (٢) وأبي عمرو الشيباني وعمر بن شبة.
وتستوقفنا هنا رواية تقول: «قدم بغداد في أيام الرشيد» (٣)، وهي تتعارض مع تعيينه مؤدبًا للمهدي منذ أيام المنصور، ولهذا التعارض يمكن أن نحملها على الوهم أو الخطأ، إلا أن تعني أنه غادر بغداد مدة بعد وفاة الهادي ثم قدمها من جديد أيام الرشيد.
ومهما يكن من شيء فقد عاصر المفضل خلافة المنصور والمهدي والهادي
_________________
(١) انباه الرواة ٣: ٣٠٢.
(٢) في أسماء تلامذته انظر: ميزان الاعتدال ٤: ١٧٠ ولسان الميزان ٦: ٨١ وتاريخ بغداد ١٣: ١٢١ وأنساب السمعاني ٨: ٣٨٥ وانباه الرواة ٣: ٢٩٨ - ٢٩٩ وغاية النهاية ٢: ٢٠٧، ووفيات الأعيان ١: ٢٠٢، ٣: ٤٤٠.
(٣) تاريخ بغداد: ١٣: ١٢١ وأنساب السمعاني ٨: ٣٨٥ وانباه الرواة ٣: ٢٩٨ والبلغة: ٢٦٢.
[ ١٥ ]
وجانبًا من خلافة الرشيد، وكان له مع كل واحد من هؤلاء الخلفاء علاقة، فمن المقطوع به أن المنصور هو الذي ندبه ليعلم ابنه المهدي، فكان يراه أثناء تردده إلى القصر، وكان يجالسه ويسأله عن أشياء تتصل باللغة والشعر. قال له مرة: صف لي الجواد من الخيل، فقال: يا أمير المؤمنين إذا كان الفرس طويل ثلاث قصير ثلاث رحب ثلاث صافي ثلاث، فذلك الجواد الذي لا يجارى، ثم فسر هذا القول المبهم بقوله: أما الثلاث الطوال فالأذنان والهادي والفخذ وأما القصار فالظهر والعسيب والساق، وأما الرحاب فاللبان والمنخر والجبهة، والصافية: الأديم والعين والحافر (١) .
ومر به المنصور ذات يوم والمهدي بين يديه ينشد قصيدة للمسيب بن علس مطلعها:
أرحلت من سلمى بغير متاع قبل العطاس ورعتها بوداع «فلم يزل واقفًا من حيث لا يشعر به حتى استوفا سماعها، ثم صار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له: لو عمدت إلى إشعار الشعراء المقلين واخترت لفتالك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابًا، ففعل المفضل» (٢) .
تريد هذه الرواية أن تفسر اختيار المفضل لقصائد أصبحت في مجموعها تعرف اقتراح الاختيار إلى المنصور، وأنه استثير إليه عرضًا، وحدد مجال الاختيار بأن يكون من شعر الشعراء المقلين، وإن يكون ما يختار ممثلًا لأجود ما روي لهم؛ ولكن هذا «الفضل العباسي» في جمع تلك القصائد يعارضه «فضل علوي»، إذ تذهب رواية أخرى إلى أن إبراهيم بن عبد الله ابن حسن حين كان مستترًا عند المفضل - وكان المفضل يتركه وحيدًا في البيت -
_________________
(١) أمالي الزجاجي: ٢ - ٣.
(٢) الذيل على أمالي القالي: ١٣١ - ١٣٢ وقصيدة المسيب هي المفضلية رقم: ١١.
[ ١٦ ]
طلب إلى المفضل أن يزوده بكتب يتسلى بها ويطرد ما يعتريه من ضيق صدر أثناء وحدته، فأتاه المفضل بشيء من أشعار العرب، فاختار منها قصائد - عددها سبعون - وكتبها مفردة في كتاب، فأخذها المفصل وصدر بها اختياره وزاد عليها قصائد أخرى (١) . وتحاول هذه الرواية أن تجد ما يؤيدها عن طريقين أولهما: إبراز دور إبراهيم في حفظ الجيد من الشعر والتمثل به - كما أشرت من قبل - حتى أنه نال إعجاب المفضل نفسه، وثانيهما أنها منقولة عن أبي عكرمة الضبي)؛ بل إن إقرار المفضل بدور إبراهيم يأخذ سياقًا أشد حين يتأدى على النحو الآتي: «قال العباس بن بكار الضبي، قلت للمفضل الضبي: ما أحسن اختيارك للأشعار، فلو زدتنا من اختيارك، فقال: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله بن حسن استتر عندي فكنت أطوف وأ " ود إليه بالأخبار فيأمرني ويحدثني، ثم حدث لي خروج إلى ضيعتي أيامًا فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها، فجعلت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر وأعلمهم به، فجمعته وأخرجته فقال الناس: اختيار المفضل» (٢) .
وليس من العسير أن نجعل الروايتين متكاملتين، ونقول أن لإبراهيم الفضل في «التأشير» على تلك القصائد، وأن المفضل وجد الفرصة سانحة حين كان يؤدب المهدي ليلقيها عليه، وأن أبا جعفر المنصور كان يجهل القصة، فلما سمع قصيدة المسيب واستحسنها اقترح القيام باختيار قصائد جياد يحفظها ابنه، فطابق ذلك ما كان لدى الفضل، ولا تصادم بين الروايتين إلا في إشارة المنصور إلى اعتماد شعر المقلين، إذ كيف طابق هذا ما كان إبراهيم نفسه قد فعله؟ إن مثل هذا التطابق يبدو مستغربًا. فإذا حذفنا هذه الإشارة التي تفسر طبيعة المفضليات - كما عرفت من بعد - تسنى للروايتين تكامل تام.
_________________
(١) مقاتل الطالبيين: ٣٣٨ - ٣٣٩، ٣٧٣ وشرح النهج ٣: ٣٠٨.
(٢) انباه الرواة ٣: ٣٠٤ والمزهر ٢: ٣١٩.
[ ١٧ ]
وفي أيام المهدي ظل المفضل مقربًا ممن تلميذه بالأمس، فهو يدخل على المهدي فيستنشده الشعر؛ دخل عليه ذات مرة وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال المهدي: أنشدني أربعة أبيات عليهن قبل أن تجلس، فأنشده (١):
وأشعث قد قدّ السفار قميصه يجر شواء بالعصا غير منضج (٢)
دعوت إلى ما نابني فأجابني كريم من الفتيان غير مزلج (٣)
فتى يملأ الشيزي ويروي سنانه ويضرب رأس الكمي المدجج (٤)
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ولا في بيوت القوم بالمتولج فقال المهدي: هذا، وأشار إلى عبد الله بن مالك (٥) . وقد نال من المهدي أيضًا توثيقًا عامًا، وقصة ذلك أن عددًا من العلماء كانوا مجتمعين في دار المهدي بعيساباذ فخرج الحاجب إليهم واستدعى المفضل من بينهم للمثول بين يدي الخليفة فغاب عنهم بعض الوقت ثم خرج في صحبة الحاجب، ومعهما حماد الراوية، وعلى قسمات المفضل إمارات السرور والنشاط، وفي وجه حماد إنكسار وغم، ثم خرج حسين الخادم فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، (وكان المهدي قد استحلفه بالإيمان المغلظة عن أبيات نسبها إلى زهير بن أبي سلمى فأقرّ بأنه وضعها) ووصل المفضل بخمسين ألفًا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا
_________________
(١) الشعر للشماخ، ديوانه: ٨٠.
(٢) تعقب البكري رواية «يجر شواء» وقال إن رواية الجماعة: «وجر شواءٍ»، انظر السمط: ٥٩٠ والتنبيه على أوهام أبي علي: ٨٢.
(٣) المزلج: الذي لم يتم حزمه.
(٤) الشيزي: الجفان.
(٥) نور القبس: ٢٧٢ - ٢٧٣ وأمالي القالي ١: ٢٦٢.
[ ١٨ ]
فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل (١) .
ويستدل من أسفه على الهادي وتمثله ببيتين من الشعر عند وفاته، بأنه كان على علاقة طيبة به (٢) .
وتتوثق علاقته بالرشيد، فنراه يذهب إلى مكة في صحبته، وعند منصرفهما سنح ذئب، فسأله الرشيد، ما أحسن ما قيل في الذئي فأنشده قول الراجز:
أطلاس يخفي شخصه غباره في فمه شفرته وناره فقال الرشيد: أحسن الشاعر، ولكني أحفظ ما هو أحسن من هذا فإن جئت به فذلك خاتمي، فقال المفضل: لعل أمير المؤمنين يريد:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ال؟ منايا بأخرى فهو يقظان هاجع (٣) فقال الخليفة: ما طرح هذا لسانك إلا لذهاب خاتمي، ورمى به إليه (٤) .
وتجيء هذه الرواية على نحو آخر، فلا يرد شيء عن سنوح الذئي، ولا ينشد المفضل قول الراجز، ومكان اللقاء مجلس للرشيد، لعله في بغداد، يحضره جحظة البرمكي، وتضيف الرواية تقدير قيمة الخاتم وأنها ألف وستمائة دينار، وتضيف عنصرًا هامًا إلى القصة: وذلك أن أم جعفر زوج الرشيد سمعت بما جرى للخاتم فاشترته من المفضل بالقيمة نفسها، وأعادته إلى الرشيد قائلة: «قد كنت
_________________
(١) معجم الأدباء ١٩: ١٦٥ - ١٦٦ وكان المهدي قد سأل المفضل عن قول زهير «دع ذا وعد القول في هرم» كيف يقول: «دع ذا» ولم يسبق شيء، فكان من جواب المفضل أن الرواية وردت كذلك، وأنه يعلل ذلك بأن زهيرًا كان يفكر في قول ثم اضرب عنه وقال: «دع ذا..» فلما سال حمادًا قدّم قبل البيت أربعة أبيات من صنعه ونحلها زهيرًا.
(٢) انباه الرواة ٣: ٣٠٣ والبيتان هما: خلت إلا من الذئب البلاد تحمل أهلها عنها فبادروا فكانت أمة بلغت مداها لكل زروع مزرعة حصاد (٣) في النجوم الزاهرة: ٢: ٦٩ يقظان نائم؛ والبيت لحميد بن ثور في ديوانه: ١٠٥.
(٣) نور القبس: ٢٧٤.
[ ١٩ ]
أراك تعجب به» ولكن الرشيد أعاده إلى الضبي وقال: خذه، وخذ الدنانير فما كنا نهب شيئًا فنرجع فيه (١) .
ويبدو بعض أسئلة الرشيد له نوعًا من الأحاجي، فقد استدعاه يوم خميس بكرًا، فلما عليه وجد الأمين عن يمينه والمأمون عن يساره والكسائي بين يديه باركًا يطارحهما معاني القرآن، وبعد أن سلم أمره بالجلوس وقال له: كم اسم في «سيكفيكهم الله» فقال: ثلاثة، اسم الله ﵎، واسم النبي ﷺ، واسم الكفرة، فالياء والكاف والفاء والكاف المتصلات بالسين لله ﷿ والكاف المتصلة بالهاء للنبي والهاء والميم للكفرة، فوافق ما قاله قول الكسائي أيضًا (٢) .
وامتد به هذا المجلس نفسه فسأله عن معنى قول الفرزدق:
نقل هامًا لم تنله سيوفنا بأسيافنا هام الملوك القماقم ثم عن معنى قول الفرزدق أيضًا:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع فكان من توجيه المفضل لمعنى القمرين أنهما حقًا الشمس والقمر كما قال الكسائي، ولكن الشمس ترمز إلى إبراهيم الخليل والقمر إلى النبي ﷺ، فأما النجوم الطوالع فهي أمير المؤمنين وآباؤه من الخفاء المهديين، فسر الرشيد وأجازه بعشرة آلاف درهم، ثم وضع له مريسًا وللكسائي كرسيًا، وأخذا يستمعان معه إلى الشعراء الذين دخلوا عليه في ذلك اليوم ومنهم العماني الراجز ومنصور النمري وغيرهما (٣) .
_________________
(١) تاريخ بغداد: ١٣: ١٢٢ وأنساب السمعاني ٨: ٢٣٥ وانباه الرواة ٣: ٢٩٨ والنجوم الزاهرة ٢: ٦٩ والبلغة: ٢٦٢.
(٢) نور القبس: ٢٧٢ ومجالس العلماء: ٣٥ والبصائر ٧٢: ٥٠ وغاية النهاية ٢: ٣٠٧ والمزهر ٢: ١٨٩.
(٣) تفصيل هذا في مجالس العلماء: ٣٧ - ٤١ وانظر المزهر ٢: ١٩٠.
[ ٢٠ ]
ويستدعيه الرشيد ذات يوم أيضًا رجاء الحصول لديه على شيء من «الرياضة الذهنية» ويسأله أن يلقي عليه بيتًا يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه، فيقول له المفضل: «أتعرف بيتًا أوله أعرابي في شملته، هاب من نومته، كأنما صدر عن ركب جرى في أجفانهم الوسن فركد، يستفزهم بعنجهية البدو وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق قد غذي بماء العقيق؟» فقال الرشيد: لا أعرفه، فقال المفضل: هو بيت جميل:
ألا أيها الركب النيام ألا هبوا (ثم أدركته رقة المشوق فقال)
أسائلكم هل يقتل الرجل الحب. واتخذ الرشيد عندئذ دور السائل في هذه المباراة، وقال المفضل: هل تعرف أنت الآن بيتًا أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره ابقراط في معرفته بالداء والدواء؟ فقال المفضل: قد هولت عليّ، فليت شعري بأي مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ قال: بإصغائك وإنصافك، وهو قول الحسن ابن هانئ:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء (١) فإذا قبلنا بالروايات التي تصور علاقته بكل من الهادي والرشيد، صح لدينا أن تاريخ وفاته ب؟ «١٦٨» (٢) خطأ واضح، لأن الهادي نفسه بويع سنة ١٦٩ وتولى الرشيد الخلافة في السنة التالية. وأقرب إلى الصواب قول من قال إنه توفي سنة ١٧١هـ؟ (٣) . وجاء في الطبري: «ذكر الضبي أن شيخًا من النوفليين قال: دخلنا
_________________
(١) الشعر والشعراء ١٩ - ٢٠.
(٢) ميزان الاعتدال ٤: ١٧١ ولسان الميزان ٦: ٨١ وغاية النهاية ٢: ٣٠٧ (ولم تؤرخ وفاته معظم المصادر الأخرى، وفي الفهرست ترك موضع الوفاة بياضًا) .
(٣) النجوم الزاهرة ٢: ٦٩ ولا أدري من أين نقل ذلك.
[ ٢١ ]
على عيسى بن جعفر؟» (ثم قص قصة خروج يحيى بن عبد الله، وكان ذلك سنة ١٧٥ والخبر أورده الطبري في أحداث سنة ١٧٦) (١) فإن كان الضبي هو المفضل، فإنه قد أدرك ثورة يحيى أو لعله تجاوز بداياتها بقليل.
كان المفضل طويلًا جميلًا - كذلك وصفه أبو الجواب الأعرابي حين رآه (٢) - وكان أقرب إلى الوقار قليل المزح، وإذا حاوله لم يعدم أن يتورط (٣)، صدوق اللهجة، ولا يتزيد في الرواية ويكره الانتحال ويزيد كرهًا له ابتعادًا عنه ما كان من حماد الراوية نفسه، فالمفضل يشهد أنه قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، لأنه كان عالمًا بلغات العرب وأسعارها ومذاهب الشعراء فكان يقول الشعر يشبه مذهب الرجل ويدخله في شعره (٤) ولذلك أستبعد اتهام أبي عبيدة للمفضل بالوضع. وإذا كان بعض المحدثين قد جرحه في القراءة والحديث، فذلك موقف قلما سلم منه أحد من شيوخه الكوفيين فأحرى ألا يسلم هو، ولعل لاعتناقه المذهب الزيدي دخلًا في ذلك؛ فإذا كان الميدان هو الشعر والخبر فهو موثق في روايته (٥) . ومع طول باعه في الرواية فهو لا يقول الشعر ولا يزعم لنفسه القدرة على ذلك، ولما سئل عن ذلك قال: علمي به يمنعني من قوله (٦)، وقد أدركه الحرج في أواخر أيامه من روايته لشعر الهجاء وكتبه، فأقبل يكتب المصاحف ويقفها في المساجد تكفيرًا عن ذلك (٧)؛ ويبدو أنه كان يكرر الذهاب إلى الحج،
_________________
(١) تاريخ الطبري ٣: ٦١٦ وانظطر مقدمة المفضليات تحقيق الاستاذين شاكر وهارون: ٢٥ فقد أشارا إلى نص الطبري، واستنتجا أنه توفي سنة ١٧٨.
(٢) انباه الرواة ٣: ٣٠٣.
(٣) المصدر السابق: ٣٠٠ - ٣٠١.
(٤) معجم الأدباء ١٩: ١٦٤ - ١٦٥، ١٠: ٢٦٥.
(٥) تاريخ بغداد ١٣: ١٢١ وميزان الاعتدال ٤: ١٧٠ ولسان الميزان ٦: ٨١.
(٦) انباه الرواة ٣: ٢٩٩.
(٧) المصدر السابق: ٣٠٤ والبلغة: ٢٦٣ وبغية الوعاة ٢: ٢٩٧ ومثل هذا العمل ينسب أيضًا إلى أبي عمرو الشيباني، انظر وفيات الأعيان ١: ٢٠٢.
[ ٢٢ ]
وأنه كان يقوم بذلك في دور مبكر من حياته، وكان إذا حج نزل عند الأعراب، وأغلب الظن أنه اتخذ هذا طريقه لإتقان اللغة وجمع الألفاظ والاستكثار من الأخبار والروايات، وهو يحدثنا أنه في إحدى المرات نزل على خرقاء صاحبة ذي الرمة، فوجدها امرأة طويلة حسّانةً بها فوه، فتحدث إليها، ولما سألته هل حججت أجاب «غير مرة» فداعبته لأنه يحج ولا يزورها مع إنها منسك من مناسك الحج، كما يقول ذو الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا على خرقاء واضعة اللثام (١) ولعل عطايا الخلفاء مكنته من أن يعيش فوق مستوى الكفاف، وأن يقتني ضيعة، وربما صح أن يقال إنه كان سخيًا راعيًا لحقوق الجوار، فنراه يهدي بعض جيرانه أضحية، فلا يتلقى من ذلك الجار عليها سوى التعريض اللاذع (٢) .
وقد جعلته الحياة القائمة على الرواية طلعة كثير التسآل، لا في شؤون الشعر والأخبار بل في أمور الحياة عامة (٣)، ويدل حواره مع راوية الكميت (محمد ابن سهل) على أنه لم يكن يرضى بقبول شيء دون محاكمة؛ فقد وصف الكميت الرخمة بالكياسة مخالفًا كل من وصفها بالحمق (٤)، فيعلل محمد بن سهل ذلك بأن كيسها يظهر في حفظ فراخها واختيارها المساكن التي لا تبلغها سباع الطير، فيقول المفضل: نحن لا نعرف طائرًا ألأم لؤمًا ولا أقذر طعمة ولا أظهر موقًا منها، فيرد عليه ابن سهل منكرًا حمقها، لأنها تحضن بيضها وتحمي فراخها وتحب ولدها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع (٥) . ولا ينتهي هذا الجدل - فيما يبدو - إلى اتفاق.
_________________
(١) الشعر والشعراء: ٤٤٠ - ٤٤١ والأغاني ١٧: ٣٣٨ ووفيات الأعيان ٤: ١٣.
(٢) بهجة المجالس ١: ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) من ذلك أنه يلقي أعرابيًا فيسأله: من أين معاشك (انظر بهجة المجالس ١: ١٤١) .
(٤) وذات اسمين والألوان شتى تحمق وهي كيسة الحويل.
(٥) الحيوان ٧: ١٨ والدرة الفاخرة: ١٥٣.
[ ٢٣ ]
وتتفاوت المصادر المبكرة والمتأخرة في تصوير مدى ما كان يحسنه من علوم: فهو عند أبي الطيب اللغوي مختص بالشعر ولم يكن أعلم أهل بلده في اللغة والنحو (ولكن هذا لا ينفي أن له حظًا منهمًا) بل إنه أقر - وهذا مستغرب - بأنه لا يحسن شيئًا من الغريب ولا من المعاني ولا تفسير الشعر وإنما يروي شعرًا مجردًا (١)، وهو قول تنقضه شواهد متعددة في المصادر كما ينقضه الأزهري بقوله: «الغالب عليه رواية الشعر وحفظ الغريب (٢») وهو عند الزبيدي لا يحسن معنى بيت ولا يضبطه (٣) . ونتقدم في الزمن فنجد الخطيب - وعنه ينقل السمعاني والقفطي - يعده «علامة رواية للآداب والأخبار وأيام العرب» (٤) وقريب من ذلك قول ياقوت «عالم بالأخبار والشعر والعربية» (٥) - ثم يصبح في المصادر التي جاءت بعد القرن السابع: إمامًا في اللغة والنحو، مقرئًا نحويًا موثقًا، علامة في النسب (٦)، وهكذا ينعدم التمييز بين ما كان فيه مجليًا وما كان فيه مصليًا وما كان فيه سكيت رهان، وتستوي له «الإمامة» في الجميع، ومن الملاحظ أن المصادر المتأخرة (ما عدا كتب رجال الحديث والقراءات) لم تعد تشير إلى دوره في الحديث، سلبًا وإيجابًا.
ومن الصعب أن يصدق المرء كيف يمكن لإنسان أن يروي الشعر دون أن يعرف معانيه أو تفسيره (والغريب جزء من ذلك) ثم يتفق له أن يختار ما يمكن أن يعد مجموعة جميلة من القصائد، بل يذهب في تفسيره أحيانًا إلى عمق باطني رمزي، كما فعل عندما سئل عن معنى «القمرين» في بيت الفرزدق. بل إننا لو
_________________
(١) مراتب النحويين: ٧١ وعنه المزهر ٢: ٤٠٥.
(٢) تهذيب الأزهري ١: ١٠.
(٣) طبقات النحويين: ١٩٣.
(٤) تاريخ بغداد ١٣: ١٢١ والأنساب ٨: ٣٨٥ وانباة الرواة ٣: ٢٩٨.
(٥) معجم الأدباء ١٩: ١٦٤.
(٦) انظر على التوالي: البلغة: ٢٦٢ وغاية النهاية ٢: ٣٠٧ والنجوم الزاهرة ٢: ٦٩ وراجع بغية الوعاة ٢: ٢٩٧.
[ ٢٤ ]
حاولنا جمع الشواهد المروية عنه لوجدنا له موقفًا متميزًا في فهم معاني الشعر، فهو يقرأ «حرج» بكسر الحاء وسكون الراء، ويقرأ غيره حرج في قول الشاعر:
يتبعن قلة رأسه وكأنه حرج على نعش لهن مخيم لأنه يرى أن معنى الحرج: «الخيال» (١) .
ويفسر «العير» بمعنى «الوتد» في قول الحارث بن حلزة في معلقته:
زعموا أن كل من ضرب العي؟ ر موالٍ لنا وأنا الولاء بينما يرى غيره أن العير قد ينطلق إلى كليب أو قد يعني الحمار (٢) . وإذا مر به بيت عمرو بن كلثوم «وسيد معشر قد توجوه» قال: إنما سمي سيدًا لأنه كان يسودهم في العطاء ويهشم الثريد (٣) . ويمر بلفظة «قيل» فيقول: هو الملك وجمعه أقيال أو قوال (٤)؛ ويوجه دلالة «معد» في قول عمرو بن كلثوم «وقد علم القبائل من معدّ» بأنه معد بن بكر (٥)؛ وإذا تذكرنا أن المفضل يروي عن الأعراب أمثال أبي العدرج وأبي الغول (٦) لم نصدق أنه كان يأخذ الشعر دون أن يسألهم عن معانيه. قال تلميذه أبو زيد: كنا يومًا عند المفضل وعنده الأعراب فقلت لهم، قل لهم: يحقرونها فقالوا: شييرة (٧)؛ وللمفضل وقفات لغوية واضحة، تدل على اطلاع واسع ومعرفة دقيقة، فهو يقول إن ورى الزند ووري لغتان (٨)، وإن الناموس هو الذي يتعرف الأخبار وينقر عنها (٩)،
_________________
(١) شرح القصائد السبع الطوال: ٣٢٢.
(٢) المصدر السابق: ٤٥٠.
(٣) شرح القصائد التسع: ٧٩٤.
(٤) المصدر السابق: ٨١٠.
(٥) المصدر السابق: ٨٢٦ أي أنه ليس معد بن عدنان.
(٦) نوادر أبي زيد: ١٩، ٨٥.
(٧) امالي القالي ٢: ٢١٠.
(٨) التخليص للعسكري: ٣٤٤.
(٩) المصدر السابق: ٦٩٠.
[ ٢٥ ]
ويتحدث عن مراحل عمر الإنسان على النحو الآتي: العرب تقول للغلام إذا بلغ عشر سنين: رمى، أي قويت يده، فإذا بلغ عشرين قالوا: لوى، أي لوى يد غيره، فإذا بلغ ثلاثين قالوا عوى، وعوى أشد من لوى قليلًا، فإذا بلغ أربعين قالوا: استوى، فإذا بلغ الخمسين قالوا: حري أن ينال الخير كله (١) .
ثم إن امرءًا يؤلف كتابًا في معاني الشعر لا يمكن أن يقال فيه «لا يحسن معنى بيت ولا يضبطه»، إلا أن يغلب الخطأ على ذلك الكتاب (٢) .
وأتجاوز هذه القضية التي لا تتطلب نقاشًا طويلًا (٣) لأقول: إن المفضل يمكن أن يعد ناقدًا للشعر - من طبقة النقاد الرواة - فهو بحكم مختاراته ناقد ذو ذوق أصيل، وهو في تفضيله لشاعر على آخر يفيء إلى حسه النقدي كذلك؛ قال ابن الأعرابي: سألت المفضل عن الراعي وذي الرمة أيهما أشعر فزبرني وقال لي: مثلك يسأل عن هذا؟! يريد أن الراعي أشعر (٤)، وهو إذا ذكر شعراء العصر الأموي قدم الفرزدق تقدمة شديدة (٥) وعلل ذلك بأن الفرزدق قال بيتًا هجا في قبيلتين (٦) ويرى أن أحسن ما قيل في القسم - دون أن يحاول تعليل ذلك - قول الاشتر النخعي:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن هند غارة لم تخل يومًا من نهاب نفوس (٧) وذلك قسم فيه من الأغراب الشعري والجدة ما فيه، مما يدل على حس نقدي أصيل.
_________________
(١) مجالس ثعلب: ٧٨.
(٢) أشار إلى كتابه هذا الفهرست: ٧٥ وانظر نزهة الألباء: ٣٦ وياقوت ١٩: ١٦٧.
(٣) هناك شواهد كثيرة جدًا على اهتمام المفضل بالمعاني، انظر مثلًا أمثال أبي عكرمة الضبي: ٢٥، ٦٦، ٧٤.
(٤) طبقات النحويين: ١٩٣.
(٥) طبقات فحول الشعراء: ٢٩٩.
(٦) معجم الأدباء ١٩: ٢٩٩.
(٧) نور القبس: ٢٧٤.
[ ٢٦ ]
ولديه مفهوم واضح عن البلاغة، فعندما سأله تلميذه وربيبه ابن الأعرابي عن الإيجاز قال: هو حذف الفضول وتقريب البعيد (١)، ومع ذلك فإنه كان دائم التسآل عن مفهوم البلاغة لدى الآخرين وخاصة الأعراب (٢) .
وهو - كأقرانه من العلماء الرواة - يستطيع أن يميز المنحول من الأصيل، فإذا مر به هذا البيت المدرج في قصيدة عمرو بن كلثوم:
ليستلبن أبدانًا وبيضًا وأسرى في الحديد مقيدينا قال: ليس هو من هذه القصيدة (٣)؛ فإذا غمض عليه المنحول من الصحيح في شعر عدي بن زيد، فذلك ليس غريبًا، لا سيما وهو مخلص «لمدرسة الكوفية» التي لم تكن تتشدد في قبول الاتساع في رواية الشعر.
ومع هذا الاطلاع الواسع على التراث الشعري، والنظرة الناقدة، فإنه - شأن غيره من الرواة - لم يبرأ من التصحيف؟ والتصحيف في حقيقته يدل على اجتهاد في القراءة والتأويل معًا، وإذا كان مرجوجًا في هذين الأمرين - أعني القراءة والتأويل - فهو لا يدل على جهل الراوي إطلاقًا. وقد أشرت إلى نموذج من تصحيفاته فيما تقدم، أما سائر ما أخذ عليه فيمكن تلخيصه فيما يلي (٤) .
١ - قرأ بيت الأعشى:
ساعة أكبر النهار كما شد محيل لبونه إعتاما وصوابه «مخيل» - بالخاء المعجمة - أي رأى خالًا من السحاب فخشي على بهمه أن تفرق للمطر أو يضر بها فشدها، وأكبر النهار ضحى النهار.
_________________
(١) البيان والتبيين ١: ٩٧.
(٢) المصدر السابق نفسه، وانظر بهجة المجالس ١: ٧١.
(٣) شرح القصائد السبع: ٤٢٣.
(٤) قد اتبعت في ترتيب هذه الصحيفات العسكري: ١٣٤ وما بعدها لأنه أوسع المصادر في هذه القضية، وانظر التنبيه لحمزة: ٦٩ - ٧٣ والمزهر ٢: ٣٦٣، ٣٦٦، ٣٧١ واللسان (كبر) ونزهة الألباء ٣٦، والخصائص ٣: ٢٨٧، ٣٠٦ درة الغواص: ١٣٥ وأضداد ابن الأنباري: ١٤٥ والمصون: ١٩١ - ١٩٣ والحيوان ٤: ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٧ ]
٢ - قرأ بيت المخبل السعدي:
واذا ألم خيالها طرقت عيني فماء دموعها سجم وهو «طرفت» بالفاء.
٣ - قرأ بيت أمرئ القيس:
نمس بأعراف الجياد أكفنا؟ صوابه «نمش» والمش: مسح اليد بشيء خشن.
٤ - قرأ: «حلى وأحمس»، وصوابه «جلي وأحمس» وهما قبيلتان من بني ضبيعة بن ربيعة.
٥ - قرأ قول الشاعر:
بين الأراك وبين النخل تشدخهم زرق الأسنة في أطرافها شبم فصوبه الأصمعي وقال أنه «تسدحهم» أي تصرعهم.
٦ - وأنشد في صفة البرق: «ويموت فواقًا ويسري فواقا» فصوبه الأصمعي «ويشرى» (١)، وقال آخر أن الرواية كلها خطأ وأن الصحيح «يموت فواقًا ويحيا فواقا» .
٧ - وقرأ قول الشاعر:
أفاطم أني هالك فتبيني ولا تجزعي كل النساء يتيم وهو مذهب في ألفهم مجازي بمعنى إذا مات زوج المرأة فقد يتمت، وإنما الصواب «تئيم» أي تصبح أيمًا، وقراءة المفضل مما روي عن الخليل.
٨ - وروى بيت أوس ن حجر:
ليث عليه من البردي هبرية كالمزبراني عيارعيار بأوصال
_________________
(١) شري البرق: إذا تتابع لعمانه.
[ ٢٨ ]
وإنما هو كالرزباني
٩ - وأخذ عليه الأصمعي روايته لبيت آخر لأوس:
تركت الخبيث لم أشارك ولم أذق ولكن أعف الله كسبي ومطمعي وإنما هو «أدق» بالدال المهملة، من ودق يدق بمعنى لم أدن منه.
١٠ - وقرأ قول الحطيئة:
لقد شوشت أمر بنيك حتى تركتهم أدق من الطحين فتعقبه الأصمعي وقال إنما هو «سوست» أي ملكت.
١١ - ومن شعر الأعشى: «جونة جارية ذات روح» قال الأصمعي: وإنما هو «جارنة» أي جرنت ومرنت لكثرة ما ينبذ فيها.
١٢ - وروى قول حاتم الطائي: «يرى الخمس تعذيبًا» وإنما، صوابه «يرى الخمص» (١) .
ومن تأمل هذه الأمثلة بعين الناقد البصير درى أن لكل قراءة أوردها المفضل وجهًا مقبولًا، وإذا عرفنا أن أكبر متعقبين لقراءته هما خلف الأحمر وأبو عبيدة، أدركنا أن هناك اتجاهًا بصريًا - في أغلب الأحيان - يقف متحديًا للرواية الكوفية.
فإذا تجاوزنا الشعر وتفسيره وتقييمه وجدنا للمفضل مشاركة هامة في معارف أخرى، فكتابه الأمثال - موضع هذا الاهتمام - بمثل صورة دقيقة لمعرفته بالأيام، والأساطير الجاهلية (٢) والحكايات (٣) ورواية المدائني في الطبري معرض لمعرفته بأخبار التاريخ الإسلامي، وخاصة لمنطقة خراسان (٤)، كما أن لديه معلومات هامة
_________________
(١) التنبيه لحمزة: ٧١ ولم ترد عند العسكري.
(٢) اضف إلى ذلك حديثه عن عمرو والسعلاة في نوادر أبي زيد: ١٤٧.
(٣) انظر بلاغات النساء حيث يورد حديث الجمانة بنت قيس بن زهير (ص: ١٢٥) .
(٤) انظر أيضًا البيان ٣: ٣٨٧.
[ ٢٩ ]
عن الشعراء الإسلاميين والمحدثين (١)؛ فأما معرفته بالقراءات، فقد تواترت، وفي هذا يقول ابن الجزري: «تلوث القرآن بروايته من كتابي المستنير لابن سوار والكفاية لأبي العز وغيرهما، مع شذوذ فيها» (٢) فأما معرفته بالنسب والنحو فلم أجد - فيما بين يدي من مصادر - ما يوثق القول بها؛ وكذلك الأمر في الحديث، إلا حديثًا واحدًا أشرت إليه فيما تقدم.
وهاهنا مشكلة تعد من قبيل التنبيه الضروري وهي أن صاحب جمهرة أشعار العرب قد روى في صدر كتابه حكاية عن المفضل الضبي بعبارة: «فمن ذلك ما حدثنا به المفضل بن محمد الضبي» (٣) مما يشير إلى أن مؤلف الجمهرة معاصر للمفضل، وهو أمر ربما لم يثبت للنقد الدقيق، وبعد صفحات نجد مفضلًا آخر هو المفضل بن عبد الله المحبري (٤) ثم توالى النقل بعد ذلك عن رجل اسمه المفضل له رأي في عدد المعلقات (٥) وله رأي في أشعر الناس (٦) وله آراء أخرى وروايات (٧)؛ ولكن الأمر غبي على المؤلفين المتأخرين، عند النقل، فالرأي في عدد المعلقات، وفي أشعر الناس ينسب إلى المفضل - المحبري دون لبس (٨) . وإنما أورد هذا ليحذر الباحث الحديث من الخلط بين المفضلين.
وثمة أمر آخر يستدعي التنبه وهو مدى عصبية المفضل لبني ضبة، نعم نحن
_________________
(١) انظر نموذجًا من ذلك في أمالي القالي ٢: ٤٥ حيث يروي دخول العجاج على عبد الملك، وجمهرة أشعار العرب: ١ حيث يروي قصة نافع بن الأزرق في مجلس ابن عباس؛ والبصائر ١/٣: ٣١٥ والصداقة والصديق: ٢٦.
(٢) غاية النهاية ٢: ٣٠٧.
(٣) جمهرة أشعار العرب: ١.
(٤) المصدر السابق: ٢٤.
(٥) المصدر السابق: ٤٢، ١٠٤.
(٦) الجمهرة: ٤٢، ١٠٤.
(٧) انظر الجمهرة: ٣٧، ٣٨، ٤٠، ٤٢.
(٨) انظر في هذا المزهر ٢: ٤٨٠، ٤٨١، والسيوطي هنا ينقل دون تمييز.
[ ٣٠ ]
نعرف من قراءة كتاب الأمثال أنه افتتحه بأحاديث وأمثال تتصل بضبة وأبنائه (١)، وأنه يروي أشعارًا لبني ضبة (٢)، ولكن لا نستطيع أن نحمل ذلك على محمل العصبية، وإن اتهمه أحدهم - وكان أزديًا بصريًا - بأنه إن علم أنه من أهل البصرة شنئه، وإن عرف أنه أزردي كان اشد بغضًا (٣) فمثل هذا الاتهام لا تؤيده سعة روايته للشعر والأخبار، مما يستغرق معظم القبائل.
ولقد ألف المفضل ف الموضوعات التي كان يحسنها، وذلك خبر شاهد على ما كان يحسن، وهذه هي مؤلفاته التي لم يصلنا منها سوى كتابين:
١ - كتاب في العروض (٤) .
٢ - كتاب في معاني الشعر (٥) .
٣ - كتاب في الألفاظ (٦) .
٤ - الاختيارات، وتسمى المفضليات (٧)؛ وقد أوردت فيما سبق أخبارًا عن صلتها بكل من المفضل وأبي جعفر وإبراهيم بن عبد الله، وإن نواتها كانت سبعين قصيدة أفردها إبراهيم بالكتابة أو علم عليها، ثم أضاف إليها المفضل ما أضاف، وأزيد هنا: أن أبا عكرمة الضبي ذكر أن ما أخرجه المفضل منها ثمانون قصيدة، ألفاها على المهدي، ثم قرئت هذه القصائد على الأصمعي فبلغت مائة
_________________
(١) انظر رقم: ١.
(٢) انظر مثال ذلك في نوادر أبي زيد: ١٥.
(٣) انباة الرواة: ٧٥ ونزهة الألباء ٣٦.
(٤) الفهرست: ٧٥ ونزهة الألباء: ٣٦.
(٥) الفهرست: ٧٥ ونزهة الألباء: ٣٦ وياقوت ١٩: ١٦٧.
(٦) الفهرست: ٧٥ وياقوت ١٩: ١٦٧.
(٧) الفهرست: ٧٥ وياقوت ١٩: ١٦٧ والبلغة: ٢٦٣؛ والحديث عن المفضليات وعددها وشروحها مسهب في مقدمة الطبعة المصرية منها، فلا حاجة إلى الأفاضة فيه.
[ ٣١ ]
وعشرين، قرأها عليه تلامذته وهم أبو العالية الانطاكي والسدري وعافية بن شبيب - وكلهم بصريون - وأنهم استقرأوا الشعر، فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى المفضليات حتى بلغت ذلك العدد، وسألوه عما فيها من معاني الشعر وغريبه فكثرت جدًا (احتى بلغت مائة وعشرين) (١) وهي في العدد النهائي لها قد بلغت ١٢٨ قصيدة - تزيد وتنقص، وتتحمل التقديم والتأخير، وأن أصحها رواية ابن الأعرابي عن أستاذه المفضل (٢)، وأنها حسب ما أوردها ابن الأنباري تنقص قصيدتين (٣)، وفيها مختارات لسبعة وستين شاعرًا منهم ٤٧ جاهليون وأربعة عشر من المخضرمين، وستة من الإسلاميين (٤) .