غنيمتنا، ثم مضى في الثنية، فحمل عليه صخر بن نهشل بن دارم فقتله، فلما رأى الجيش ذلك أعطوه أجمعون الخمس، فدفعه إلى الحارث بن عمرو فقال في ذلك نهشل بن حري (١) بن ضمرة بن جابر بن قطن بن دارم (٢):
نحن منعنا الجيش إن يتأبوا على شجعات والجياد بنا تجري
حبسناهم حتى أقروا بحكمنا وأدي أنفال الخميس إلى صخر
- ١٨ -
زعموا أن النمر بن تولب العكلي كان أحب امرأة من بني أسد بن خزيمة يقال لها جمرة بنت نوفل، وقد أسن يومئذ، فاتخذها لنفسه وأعجب بها، وكان له بنو أخ فراودها بعضهم عن نفسها، فشكت ذلك إلى نمر وقالت: إن بني أخيك ربما راودني بعضهم عن نفسي، ولست آمنهم إن يغلبوني فقال لها النمر: قولي لهم وقولي إن أرادوا شيئًا من ذلك، وقالت جمرة: إني سأكفيك ما كان قولًا (٣) فأرسلتها مثلًا، تقول إن كان القول فاني سأكفيك القول.
- ١٩ -
زعموا أن جارية بن سليط بن الحارث بن يربوع بن حنظلة بن مالك - وسليط هو كعب، وانما سمي سليطًا لسلاطة لسانه - كان أحسن الناس وجهًا وأمدهم جسمًا، وانه أتى عكاظ وكانت من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، فأبصرته جارية من خثعم فأعجبها، وتلطفت له حتى وقع عليها، فلما فرغ قالت: انك اتيتني على طهر وإني لا ادري لعلي سأعلق لك ولدًا فموعدك فصال ولدي إن
_________________
(١) نهشل بن حري: انظر ترجمته في الشعر والشعراء: ٥٣٢ والأغاني ٨: ١٥٣ والخزانة ١: ١٤٧ والإصابة ٦: ٢٦٨.
(٢) البيتان في المصادر التي أوردت المثل.
(٣) انظر " سأكفيك ما كان قولًا " في جمهرة العسكري ١:٥٢٤ والميداني ١: ٢٣١ والمستقصى: ٢٢٣.
[ ٦٩ ]
حملت لك، فسمى لها اسمه، حتى وافى عكاظ لرأس ثلاثة أحوال، فوجدها قد ولدت غلامًا وفطمته، فأقبلت الجارية معها أمها وخالتها يلتمسنه بعكاظ حتى رأته الجارية فعرفته، فلما رأته قالت الجارية: هذا جارية، قالت أمها: بمثل جارية فلتزن الزانية سرًا او علانية (١) . ثم دفعن إليه الغلام فسماه عوفًا فشرف وساد قومه، وهو عوف الأصم.
فذكر أن بني مالك بن حنظلة وبني يربوع تخايلوا (٢) يومًا فقام عمرو بن همام ابن رباح بن يربوع يخايل عن بني يربوع فقال الناس: ادخلوا عوفًا الأصم البيت فإنه إن علم بما بينكم وشهد المخايلة أهلك هذين الحيين وأبى ذلك، فأولجوا عوفًا قبة من قباب الملك لكيلا يسمع ما بينهم فظفر بنو مالك، ونادى مناد أين عوف؟ فقالت امرأته: عوف يرنا في البيت فأرسلتها مثلًا، فسمع عوف الكلام فوثب فإذا الناس فئتان يتخايلون، وضرب خطم فرس الملك بالسيف وهو مربوط بفناء القبة، فنشب السيف في خطم الفرس وقطع الرسن، وجال في الناس فجعلوا يقولون جهجوه جهجوه أي ازجروه وكفوه، فذلك قول متمم بن نويرة في يوم جهجوه:
وفي يوم جهجوه حمينا ذماركم بعقر الصفايا والجواد المربب قال العجاج:
لقد أرني ولقد أرني غرًا كآرم الصريم الغن قوله أرني من الرنو وهو النظر الدائم، أي يلهو، جهجه به وهجهج به حبسه ومنعه، والصفايا من النوق الغزار، الواحد صفي.
_________________
(١) المثل في جمهرة العسكري ٢: ٦٠ والعبدري: ٢١٢.
(٢) المخايلة: المباراة.
[ ٧٠ ]
أغار جبيلة بن عبد الله أخو بني قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم على إبل جرية بن أوس بن عامر أخي بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم يوم مسلوق، فاطردوا ابله غير ناقة كانت فيها مما يحرم أهل الجاهلية ركوبه، وكان في الابل ابن أخت جرية، وكان فيها فرس لجرية يقال له العمود، وكان مربوطًا بعرادة، فاجتذبها فبقيت في طرف رسنه، فذهب وذهب القوم بالابل غير تلك الناقة الحرام، فإنهم أخرجوها وكرهوا أن تكون في الابل لأنها حرام، وبلغ جرية الخبر، فإذا القوم قد سبقوا بالابل غير تلك الناقة الحرام، فقال جرية لابن أخته: رد علي الناقة لعلي اركبها في أثر القوم، قال: إنها حرام، قال جرية: حرامه يركب من لا حلال له فركب في أثر القوم حتى أدركهم، فأقبل عليه جبيلة فاختلفا بينهما طعنتين فقتله جرية وأحرز القوم الابل فذهبوا بها، وذهب قوله: حرامه يركب من لا حلال له مثلًا.
وقال جرية في ذلك:
إن تأخذوا إبلي فان جبيلكم عند المزاحف ثوبه كالخيعل الخيعل: النطع والبيت من أدم والنقبة تلبسها الجارية من أدم.
أنحى السنان على مجامع زوره إذا جاء يزدلف ازدلاف المصطلي
نرمي برامحنا خصاصة بيتنا زالت دعامة أينا لم ينزل
إذ ينسلون بذي العراد وفاتني فرسي ولا يحزنك سعي مضلل
ومفاضة زغف كأن قتيرها حدق الأساود لونها كالمجول
[ ٧١ ]