بني حنظلة في يوم ذي نجب، فقتله خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل ابن نهشل، فزعموا أن أباه الأحوص بن جعفر - وهو يومئذ سيد بني عامر - قال: إن أتاكم الحماران طفيل بن مالك وعوف بن الأحوص يتحدثان ثم مضيا إلى البيوت فقد ظفر أصحابكم، وان جاء يتسايران حتى إذا كانا عند أدنى البيوت تفرقا فقد فضح أصحابكم وهزموا، فاقبلا حتى إذا كانا عند أدنى البيوت تفرقًا، فقال الاحوص: الفضيحة والله، ثم أرسل إليهما فأخبراه الخبر، فكان مما زعموا أن الأحوص إذا سمع باكية قال: وأهل عمرو قد أضلوه (١) فأرسلها مثلًا؛ فيزعمون إن الأحوص مات من الوجد على عمرو ولم يلبث بعده إلا قليلًا، فقال لبيد بن ربيعة في ذلك وفي عروة بن عتبة وقد قتله البراض (٢):
ولا الأحوصين في ليال تتابعا ولا صاحب البراض غير المغمر (٣)
- ٢٦ -
وزعموا أن عبشمس بن سعد بن زيد مناة وكان يلقب مقروعا، عشق الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم، فطرد عنها وقوتل، فجاء الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة ليدفع عن عمه فضرب على رجله فقطعت وشلت، فسمي الأعرج، فسار إليه عبشمس بن سعد في بني سعد فأناخ إلى العنبر بن عمرو ابن تميم ومازن بن مالك بن عمرو بن تميم وغيلان بن مالك بن عمرو بن تميم يسألونهم إن يعطوهم بحقهم من رجل الأعرج، فضرب بنو عمرو بن تميم عليهم قبة، فقال لهم عبشمس: إن يرح إليكم مازن مترجلا وقد لبس ثيابه وتزين لكم فظنوا به شرًا، وان جاءكم شعث الرأس خبيث النفس فاني أرجو أن يعطوكم بحقكم. فلما كان بالعشي وراح إليهم مازن مترجلًا قد لبس ثيابه وتزين لهم، فارتابوا
_________________
(١) المثل في جمهرة العسكري ٢: ٣٤٣ والميداني ٢: ٢١٨.
(٢) انظر شرح ديوان لبيد: ٤٨.
(٣) الأحوصان: هما الأحوص بن جعفر بن ربيعة وابنه عمر وقتلته بنو تميم يوم المروت؛ وصاحب البراض: عروة بن جعفر قتله البراض الكناني من أجل أن يستولي على لطيمة النعمان؛ والمغمر: غير المجرب.
[ ٧٨ ]
به، فتحدث عندهم، فلما راح النعم دس عبشمس بعض أصحابه إلى الرعاء ليسمع ما يقولون، فسمع رجلًا من الرعاء يقول:
لا نعقل الرجل ولا نديها حتى نرى داهية تنسيها أو يسف في أعينها سافيها وكان غيلان بن مالك قد قال هذين البيتين قبل ذلك، فقال عبشمس حين خبره رسوله بما سمع وجن عليهم الليل: برزوا رحالكم، وكانوا ناحية، ففعلوا وتركوا قبتهم، فنادى مازن وأقبل إلى القبة: ألا حي بالقرى، فإذا الرجال قد جاؤوا عليهم السلاح حتى اكتنفوا القبة، فإذا هي خالية وليس فيها أحد منهم، وهرب بنو سعد على ناحيتهم.
ثم إن عبشمس جمع لبني عمرو وغذاهم، فلما كان بعقوتهم ليلًا نزل في ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق، فأقام بمنزلة حتى يصبحهم صباحًا، فقام يحوطهم من الليل، وكانت بنت عمرو معجبة به، وكان معجبًا بها، قد عرف ذلك منهما، وكانت عاركًا - وكانت العارك في ذلك الزمان تكون في بيت على حدة ولا تخالط أهلها - فأضاء لها البرق فرأت ساقي مقروع، فأتت إياها تحت الليل فقالت: إني لقيت ساقي عبشمس في البرق فعرفته، فأرسل العنبر إلى بني عمرو فجمعهم، فلما أتوه خبرهم الخبر فقال مازن: حنت ولا تهنت وأنى لك مقروع (١) فأرسلها مثلًا، وقد كانوا يعرفون إعجاب كل واحد منهما لصاحبه. ثم قال مازن للعنبر: ما كنت حقيقًا أن تجمعنا لعشق جارية. ثم تفرقوا فقال لها العنبر: لا رأي لمكذوب (٢) فأرسلها مثلًا، فأخبريني واصدقيني، قالت: يا أبتاه ثكلتك أمك إن لم أكن رأيت مقروعًا فانج ولا أظنك ناجيًا (٣) فأرسلتها مثلًا، فنجا العنبر من تحت
_________________
(١) انظر فصل المقال: ٣٧ والميداني ١: ١٣٨ والعسكري ١: ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٢) انظر المصادر السابقة؛ والوسيط ١٥٠ " ليس لمكذوب رأي ".
(٣) انظر المصادر السابقة نفسها.
[ ٧٩ ]
الليل وصبحتهم بنو سعد وقتلوا منهم ناسا فيهم غيلان بن مالك وهو الذي قال: لا نعقل الرجل ولا نديها، فجعلت بنو سعد تحثو في عينه التراب وهو قتيل ويقولون: تحلل غيل (١) فذهب قولهم مثلًا.
يقول تحلل من يمينك، وغيل غيلان، فرخم.
ثم إن عبشمس اتبع العنبر حتى أدركه وهو على فرسه وعليه اداته وهو يسوق ابله فقال له عبشمس: دع أهلك فان لنا وإن لك، فقال العنبر: لا ولكن من تقدم منعته ومن تأخر عقرته، فجعل إذا تأخر شيء عقره، فدنا منه عبشمس فلما رأته الهيجمانة نزعت خمارها وكشفت عن وجهها وقالت: يا عبشمس نشدتك الرحم لما وهبته لي، فقال: لقد خفتك على هذه منذ الليلة، فوهبه لها. وقال ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم لأبيه كعب بن عمرو في تلك الحرب، وكان ذؤيب صاحب راية عمرو في حروبها:
يا كعب إن أخاك منحمق فاشدد إزار أخيك يا كعب
أتجود بالدم ذي المضنة في ال جلى وتلوي الناب والسقب تلوي: تتبع، الناب: المسنة من النوق، والسقب: ولد الناقة.
تنبو المناطق عن جنوبهم وأسنة الخطي لا تنبو
إني حلفت فلست كاذبه حلف الملبد شفه النحب
ينفك عندي الدهر ذو خصل نهد الجزارة منهب غرب الجزارة: القوائم، ويقال فرس بحر وفرس سكب إذا كان كثير الجري.
يشتد حين يريد فارسه شد الجداية غمها الكرب
_________________
(١) جمهرة العسكري ١: ٢٧٥ والمستقصي: ١٨٩.
[ ٨٠ ]