الجداية: الظبية، وهي من الظباء مثل العناق من المعز.
الآن إذ أخذت مآخذها وتباعد الانساع والقرب أي بعد أن وقعت العداوة يسعى في الصلح، أي ليس هذا من أوانة فحارب الآن ولا تبال.
أقبلت تعطي خطة غبنًا وتركتها ومسدها رأب
جانيك من يجني عليك وقد تعدى الصحاح فتجرب الجرب
والحرب قد تضطر جانيها إلى المضيق ودونه الرحب يروي غير ابن الأعرابي تعدي الصحاح مبارك الجرب، وأراد مباركًا فترك الألف لأن اللفظة لا تجرى.
- ٢٧ -
وكان من أمر داحس (١) وما قيل فيه من الأشعار والأمثال إن أمه كانت فرسا لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لها جلوى، وأن أباه ذا العقال كان لحوط بن أبي جابر بن أوس ابن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك، وإنما سمي داحسًا إن بني يربوع احملوا ذات يوم سائرين في نجعة، وكان ذو العقال مع ابنتي حوط ابن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودى - أي انعظ - فضحك شباب من الحي رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه، فنزا على جلوى، فوافق قبولها فأقصت (٢) ثم أخذه لهما بعض الحي فلحق بهم حوط، وكان رجلًا
_________________
(١) في خبر حرب داحس والغبراء يراجع الأغاني ١٧: ١٢٣ - ١٤٠ والعقد ٥: ١٥٠ - ١٦٠ وابن الأثير ١: ٥٦٦ - ٥٨٣ وكتب الأمثال (وسأبين ذلك إزاء كل مثل يرد في القصة) وسياق الخبر عند المفضل مشبه لما ورد في الأغاني؛ وكذلك هي أيضًا رواية أبي عبيدة عن الكلبي، انظر شرح النقائض: ٨٣ - ١٠٨ والخزانة ٣: ٥٣٧ - ٥٤٠.
(٢) أقصت: حملت.
[ ٨١ ]
شريرًا سيء الخلق، فلما نظر الى عين فرسه قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه فقال: والله لا أرضى أبدًا حتى آخذ (١) ماء فرسي، قال له بنو ثعلبة: والله ما استكرهنا فرسك إنما كان منفلتًا، فلم يزل الشر بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء فرسكم، فسطا عليها حوط فجعل يده في تراب وماء ثم أدخلها في رحمها حتى ظن أنه أخرج الماء؛ واشتملت الرحم على ما فيها فنتجها قرواش مهرًا فسمي داحسًا بذلك، وخرج كأنه ذو العقال أبوه، وهو الذي قال ابن الخطفى فيه (٢):
إن الجياد يبتن حول فنائنا من آل أعوج او لذي العقال فلما تحرك المهر شيئًا مر (٣) مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة منتجعون (٤) فرآه حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أو مرة ثم هذا الآن، فقالوا: هو فرسان ولن نترككم أو تدفعوه الينا (٥) فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذا لا نقاتلكم عليه، أنتم أعز علينا منه، هو فداؤكم، فدفعوه اليهم. فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا إخوتنا مرتين وحلموا عنا وكرموا فأرسلوا به إليهم معه لقوحان، فمكث عند قرواش ما شاء الله، وخرج من أجود خيول العرب.
ثم إن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي اغار على بني يربوع، فلم يصب غير ابنتي قرواش بن عوف ومائة لقرواش أصاب الحي وهم
_________________
(١) الأغاني: أخرج.
(٢) البيت لجرير بن الخطفي في ديوانه: ٩٥٧ وأنساب الخيل لابن الكلبي: ٢٤ والنقائض ٨٤، ٣٠٣؛ واعوج فرس لبني هلال وقيل كان لملك من ملوك كندة ثم صار إلى بني هلال بن عامر.
(٣) الأغاني: سام.
(٤) الأغاني والنقائض: سائرون.
(٥) الأغاني والنقائض: ولن نترككم أو نقاتلكم عنه (عليه) أو تدفعوه إلينا.
[ ٨٢ ]
خلوف لم يشهد من رجالهم غير غلامين من بني أزنم (١) بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن الفرس مرتدفيه وهو مقيد، فأعجلهما القوم عن حل قيده، واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين (٢) ضبرًا حتى نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين أن مفتاح القيد مدفون في مذود الفرس بمكان الفرس بمكان كذا وكذا، فسبقا اليه حتى اطلقا حيث يرودونه (٣) فلما رأى ذلك قيس بن زهير رغب في الفرس فقال: لكما حكمكما وادفعا إلي الفرس، قالا: أو فاعل أنت هذا؟ قال: نعم، واستوثقا منه أن يرد ما أصاب من قليل أو كثير ثم يرجع عوده على بدئه ويطلق الفتاتين ويخلي عن الابل وينصرف عنهم راجعًا، ففعل ذلك قيس، ودفعا اليه الفرس. فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا والله لا نصالحك أبدًا، أصبنا مائة من الابل وامرأتين فعمدت الى غنيمتنا فجعلتها في فرس لك تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الابل.
فلما جاء قرواش قال للغلامين: أين فرسي؟ فاخبراه الخبر فآبى إن يرضى إلا أن يدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم أن ترد الفتاتان والابل إلى قيس بن زهير ويرد عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شر، وانصرف قيس معه داحس، فمكث ما شاء الله.
فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس وبين حذيفة بن بدر أن قيسًا دخل على بعض الملوك وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بشعر امرىء القيس (٤):
دار لهر والرباب وفرتنا ولميس قبل حوادث الأيام
_________________
(١) في طبعة الجوائب: أزيم، والتصويب عن الأغاني والنقائض، وانظر جداول كاسكل: ٦٩.
(٢) في طبعة الجوائب: فصبر الغلامان، والتصويب عن النقائض والأغاني؛ والضبر: أن يجمع قوائمه ويثب.
(٣) حيث يرودونه: لم ترد في النقائض والأغاني.
(٤) ديوان امرئ القيس: ١١٤.
[ ٨٣ ]
وهن فيما يذكر نسوة من بني عبس، فغضب قيس بن زهير فشتمها وشق رداءها، فغضب حذيفة، فبلغ ذلك قيسًا فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده أفراس له، فعابه قيس وقال (١): ما يرتبط مثلك مثل هذه يا ابا مسهر، فقال حذيفة: أتعيبها؟ قال: نعم، فتجاريا حتى تراهنا.
ويزعم بعضهم أن ما هاج الرهان أن رجلًا من بني عبد الله بن غطفان ثم احد بني جوشن - وهم أهل بيت شؤم - أتى حذيفة زائرًا فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما رأى فيها جوادًا مبرًا (٢)، قال حذيفة: ويلك فعند من الجواد المبر؟ قال: عند قيس بن زهير قال: هل لك أن تراهنني عنه؟ قال: نعم قد فعلت، فراهنه على ذكرٍ من خيله وانثى، ثم إن العبدي أتى قيسًا فقال: اني قد راهنت على فرسين من خيلك ذكر وانثى وأوجبت الرهان، فقال قيس: ما أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: فاني راهنت حذيفة (٣) قال له قيس: إنك ما علمت لأنكد، قال: فأتى قيس حذيفة قال: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه، قال: ما أردت ذاك، فأبى حذيفة إلا الرهان، قال قيس: أخيرك ثلاث خلال، إن بدأت فاخترت فلي خصلتان (٤) ولك الأولى، وان بدأت فاخترت فلي الأولى ولك خصلتان، قال حذيفة: فابدأ قال قيس: الغاية من مائة غلوة، قال حذيفة: المضمار أربعون ليلة - اي يضمرون الخيل - والمجرى من ذات الإصاد، ففعلا ووضعا السبق على يدي غلاق ابن غلاق أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان.
فزعموا أن حذيفة أجرى الخطار فرسه والحنقاء، وزعم بعض بني فزارة انه أجرى قرزلًا والحنفاء، وأجرى قيس داحسًا والغبراء.
_________________
(١) النقائض والأغاني: فعابها وقال.
(٢) المبر: الغالب؛ وفي طبعة الجوئب: مبرءًا.
(٣) النقائض والأغاني: قال ما راهنت غيره.
(٤) النقائض والأغاني: خلتان.
[ ٨٤ ]
وزعم بعضهم انه هاج الرهان رجل من بني النعتم (١) بن قطيعة بن عبس يقال له سراقة راهن شبابًا من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة - الغلوة ما بين ثلاثمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع - فلما جاء قيس كره ذلك وقال: إنه لم ينته رهان قط إلا إلى شر. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة فقالوا: لا حتى تعرف (٢) لنا سبقنا، فان أخذنا فحقنا وان تركنا فحقنا، فغضب قيس ومحك (٣)، وقال: أما إذ فعلتم فأعظموا الخطر وأبعدوا الغاية، قالوا: فذاك لك، فجعل الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وتلك مائة غلوة، والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له حصين ويدي (٤) رجل من بني العشراء (٥)، من بني فزارة وهو ابن أخت لبني عبس، وملأوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول الخيل يكرع فيها.
ثم إن حذيفة وقيس بن زهير أتيا المدى الذي أرسلن منه (٦) ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه فلما أرسلت عارضاها فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، قال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة غلوة (٧)، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس فقال حذيفة: سبقت يا قيس، فقال قيس جري المذكيات غلاب (٨)، فأرسلها مثلًا. ثم ركضا ساعة فقال حذيفة: انك لا
_________________
(١) في طبعة الجوائب: المغنم؛ وما اثبته رواية النقائض؛ وفي الأغاني: المعتمر.
(٢) الأغاني: نعرف سبقنا؛ النقائض: يعرف.
(٣) محك: لج في الكلام؛ وفي طبعة الجوائب: فضحك، ولا معنى له.
(٤) النقائض والأغاني: ويقال.
(٥) طبعة الجوائب: العشيراء، واثبت ما في النقائض والأغاني.
(٦) طبعة الجوائب: أرسل فيه.
(٧) غلوة: سقطت من النقائض والأغاني؛ والمثل يتم دونها؛ انظر جمهرة العسكري ١: ٢٦٨ وفصل المقال: ١٥٤ والميداني ١: ٨١ والمستقصي: ١٩٠ والفاخر: ٢١٨.
(٨) انظر جمهرة العسكري ١: ٢٩٩. والميداني ١: ١٠٦ والمستقصي: ١٩٩ واللسان (ذكا) وفصل المقال: ١٢٧ والفاخر: ٢١٨ والزاهر ٢: ٣٧٧ والخزانة ٣: ٥٢٠.
[ ٨٥ ]
تركض مركضًا فأرسلها مثلًا، ثم قال سبقت خيلك يا قيس، فقال قيس: رويدًا يعلون الجدد (١) - الجدد: الأرض الغليظة، فأرسلها مثلًا، لأن الذكور في الوعوث أبقى وأصبر من الاناث، والاناث في الجدد أصبر وأسبق.
وقد جعل بنو فزارة كمينًا بالثنية فاستقبلوا داحسًا فعرفوه فأمسكوه، وهو السابق، ولم يعرفوا الغبراء وهي خلفه مصلية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنية، ثم أرسلوه فتمطر (٢) في آثارها فجعل يندرها (٣) فرسًا فرسًا حتى انتهى (٤) إلى الغاية مصليًا وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية لسبقها، فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلأوها (٥) عن البركة، ثم لطموا داحسًا وقد جاءا متواليين، وكان الذي لطمه عمير بن نضلة فجفت يده فسمي جاسئا، فجاء قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو عبس لقاتلوهم، وانما كان (٦) من شهد ذلك من بني عبس ابياتا (٧) وقال قيس إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شرًا من الظلم فأعطونا حقنا، فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئًا، وكان الخطر عشرين من الابل، فقالت بنو عبس: فأعطوا (٨) بعض سبقنا، فأبوا، قالوا: فأعطونا جزورًا ننحرها ونطعمها أهل الماء فانا نكره القالة في العرب، فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور وجزرو واحد سواء، والله ما كنا لنقر
_________________
(١) يروي أيضًا: رويد يعدوان الجدد؛ رويد يعلون الجدد؛ انظر فصل المقال: ١٢٧ والميداني ١: ١٩٤ وجمهرة العسكري ١: ٢٩٩ والفاخر والنقائض: ٨٧.
(٢) تمطر: اسرع.
(٣) النقائض والأغاني: يبدرها.
(٤) النقائض والأغاني: حتى سبقها.
(٥) حلأوها: ذادوها؛ وفي طبعة الجوائب: جلوها.
(٦) في طبعة الجوائب: وقال؛ ولا يستقيم به المعنى.
(٧) زاد في الأغاني: غير كثيرة؛ وفي النقائض: غير كثير.
(٨) النقائض والأغاني: فأعطونا.
[ ٨٦ ]
لك في السبق ولم تسبق (١) فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيسًا قد كان كارهًا لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى شر، فأعطوه جزورًا من نعمكم، فأبوا فقام رجل من بني فزارة إلى جزور من إبلة فعقلها ليعطيها قيسًا ويرضينة فقام ابنه فقال: انك لكثير الخطأ تريد أنة تخالف قومك وتلحق بهم ما ليس عليهم (٢)، فأطلق الغلام عقالها فلحقت بالنعم، فلما رأى ذلك قيس بن زهير احتمل هو عنهم ومن كان معه من بني عبس، فأتى على ذلك ما شاء الله.
ثم إن قيسًا أغار فلقي عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة وهموا بالقتال وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد أخو بني عوذ (٣) بن غالب بن قطيعة ابن عبس دية عوف بن بدر مائة عشراء (٤) متلية - أي تلاها أولادها (٥) - وأم عوف وأم حذيفة واخوته الخمسة هي سودة بنت نضلة بن عمير بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة، فاصطلح القوم (٦) فمكثوا ما شاء الله، - ونضلة كان يسمى جابرا.
ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة له يقال لها مليكة بنت حارثة من بني غراب بن ظالم بن فزارة فابتنى باللقاطة قريبًا من الحاجر (٧)، فبلغ ذلك حذيفة فدس له فرسانًا على افراس من مسان خيلهم فقال: لا تنظروا إن وجدتم مالكا أن تقتلوه،
_________________
(١) النقائض والأغاني: لتقر بالسبق علينا ولم نسبق.
(٢) النقائض والأغاني: وتلحق بهم خزاية بما ليس عليهم.
(٣) النقائض: عوف.
(٤) العشراء: التي أتى على حملها عشرة أشهر من ملقحا (الأغاني والنقائض) .
(٥) المتالي: التي قد نتج بعضها والباقي يتلوها في النتاج (الأغاني والنقائض) .
(٦) النقائض والأغاني: الناس.
(٧) اللقاطة والحاجر موضعان.
[ ٨٧ ]
وربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي مجاور حذيفة بن بدر وكانت تحت الربيع بن زياد معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فالقوا مالكًا فقتلوه ثم انصرفوا عنه، فجاءوا عشية وقد اجهدوا أفراسهم، فوقفوا أفراسهم (١) على حذيفة ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة: أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم وعقرناه، قال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار، قال حذيفة لما اكثر الربيع عليه من اللائمة (٢) وهو يحسب أن الذي أصابوا حمارًا: إنا لم نقتل حمارًا، ولكنا قتلنا مالك بن زهير بعوف بن بدر قال الربيع: بئس لعمر الله القتيل قتلت، أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره (٣)، فتراجعا شيئًا ثم تفرقا، فقام الربيع يطأ الأرض وطأ شديدأ، وأخذ حمل بن بدر ذا النون سيف مالك بن زهير.
فزعموا أن حذيفة لما قام الربيع أرسل أمة مولدة فقال: اذهبي إلى معاذة بنت بدر امرأة الربيع فانظري ما ترين الربيع يصنع، فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت فاندست بين الكفاء والنضد، فجاء الربيع فنفذ البيت حتى أتى فرسه، فقبض معرفته ومسح متنيه حتى قبض بعكوة ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه فهزه هزًا شديدًا ثم ركزه كما كان، ثم قال لامرأته: اطرحي لي شيئًا، فطرحت له شيئًا فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت منه: إليك، قد حدث أمر، ثم تغنى (٤):
نام الخلي وما أغمض حار من سيء النبأ الجليل الساري
من مثله تمسي النساء حواسرًا وتقوم معولة مع الأسحار
_________________
(١) أفراسهم: سقطت من النقائض والأغاني.
(٢) النقائض والأغاني: الملامة.
(٣) الأغاني: يكره.
(٤) الأبيات في المصادر السابقة وفي الحماسة ولسان العرب.
[ ٨٨ ]
من كان مسرورًا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه (١) نهار معناه أنه إذا نظر إلى النساء وما يصنعن لمقتل مالك علم أن رهطه لا يقرون لذلك حتى يدركوا بثأرهم:
يجد النساء حواسرًا يندبنه (٢) يضربن أوجههن بالأسحار
قد كن يخبأن الوجوه تسترًا فالآن حين بدون للنظار
يخمشن حرات الوجوه على امرىء سهل الخليقة طيب الأخبار
أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو النساء عواقب الأطهار
ما إن أرى في قتله لذوي النهى إلا المطي تشد بالأكوار
ومجنبات ما يذقن عذوفًا (٣) يقذفن بالمهرات والأمهار
ومساعرًا صدًا الحديد عليهم فكأنما تطلى (٤) الوجوه بقار
يا رب مسرور بمقتل مالك (٥) ولسوف يصرفه بشر محار قال: فرجعت الأمة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين استجمع (٦) أمر أخيكم، ووقعت الحرب.
وقال الربيع لحذيفة - وهو يومئذ جار له - سيرني فإني جاركم، فسيره ثلاث ليال (٧) ووجه معه قومًا وقال لهم: إن مع الربيع فضلة من خمر فان وجدتموه قد
_________________
(١) النقائض: بنصف.
(٢) لم يرد البيت في النقائض.
(٣) اورده ابن منظور في مادة (عدف) ما يذقن عدوفة، (بالدال المهملة) أي ما يذقن شيئًا؛ وكذلك عذف (بالذال المعجمة) تعني أصاب شيئًا من الطعام؛ وفي طبعة الجوائب: عذوقًا.
(٤) النقائض والأغاني: طلي.
(٥) طبعة الجوائب: بشر جار؛ وفي النقائض: لشر محار؛ والمحار: المرجع.
(٦) النقائض والأغاني: اجتمع.
(٧) النقائض والأغاني: ومع الربيع فضلة من خمر، فلما سار الربيع دس حذيفة في أثره فوارس فقال: اتبعوه فإذا مضت ثلاث ليال فان معه فضلة من خمر فان وجدتموه الخ.
[ ٨٩ ]
هراقها فهو جاد، وقد مضى فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه فإنكم تجدونه قد مال لأدنى روضة (١) فرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجدوه قد شق الزق ومضى فانصرفوا.
فلما أتى الربيع قومه وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها فلم يرددها على قيس، فعرض قيس بن زهير لفاطمة بنت الخرشب الانمارية من بني أنمار بن بغيض (٢) - وهي أم الربيع بن زياد - وهي تسير في ظغائن من بني عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى ترد عليه، فقالت: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين يضل حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينًا وشمالًا فقال الناس في ذلك ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه (٣)، فأرسلتها مثلًا، فعرف قيس ما قالت له فخلى سبيلها وطرد ابلًا لبني زياد حتى قدم بها مكة فباعها من عند عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، فقال قيس في ذلك (٤):
ألم (٥) يبلغك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشي تشرى بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر وأخوته على ذات الإصاد
هم فخروا علي بغير فخر وردوا دون غايته جوادي
_________________
(١) النقائض والأغاني: منزل.
(٢) زاد هنا في النقائض والأغاني: وهي إحدى منجيات قيس.
(٣) جمهرة العسكري ١: ٣٤٤ والفاخر: ٢٦٥ والميداني ١: ١٣١ والمستقصى: ٢٠٤ والعقد ٣: ٨٧ والخزانة ٣: ٥٣٦.
(٤) راجع المصادر السابقة. والحماسة (التبريزي) ٣: ٢٧.
(٥) العسكري: ألم يأتيك.
[ ٩٠ ]
وكنت إذا منيت بخصم سوء دلفت له بداهية نآد
بداهية تدق الصلب منه فتقصم أو تجوب (١) عن الفؤاد
وكنت إذا أتاني الدهر (٢) ربق بداهية شددت له نجادي قال العدوي: ربق وربيق الداهية، وأم الربيق الداهية، والنجاد حمائل السيف.
ألم يعلم بنو الميقاب أني كريم غير معتلث الزناد (٣) أي ليس بفاسد الأصل. الوقب: الأحمق والميقاب مثله، وقالوا الميقاب: التي تلد الحمقى؛ ومعتلث لا خير فيه.
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى جار كجار أبي دواد جار قيس بن زهير: ربيعة الخير بن قرط بن غيلان بن أبي بكر بن كلاب، ويقال جار أبي دواد الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان أبو دواد في جواره فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير فغمسوا بني أبي دواد فمات، فخرج
الحارث فقال: لا يبقى في الحي صبي إلا غرقته في الغدير، فودي ابن أبي دواد لذلك عدة ديات.
إليك ربيعة الخير بن قرط وهوبًا للطريف وللتلاد
كفاني ما أخاف أبو هلال ربيعة فانتهت عني الأعادي
تظل جياده يجمزن حولي بذات الرمث كالحدأ الغوادي
كأني إذ أنخت إلى ابن قرط عقلت إلى يمامة أو نضاد
_________________
(١) تجوب: تنقب.
(٢) العسكري: الدهر يومًا.
(٣) يروى أيضًا: مغتلث الزناد.
[ ٩١ ]
ويروى: إلى يلملم أو نضاد وهما جبلان.
وقال قيس بن زهير:
إن تك حرب فلم أجنها جنتها صبارتهم (١) أو هم صبارتهم: خلفاؤهم.
حذار الردى إذ رأوا خيلنا مقدمها سابح أدهم السابح: الكثير الجري.
عليه كمي وسرباله مضاعفة نسجها محكم
وإن شمرت لك عن ساقها فويهًا ربيع فلا تسأموا
زجرت ربيعًا فلم ينزجر كما انزجر الحارث الأجذم (٢) إذا نصب ربيع أراد الترخيم يا ربيعة، فلما حذف الهاء للترخيم ترك العين مفتوحة، ومن رفع ذهب به مذهب الاسم التام المفرد وإن كان مرخمًا، كقول ذي الرمة:
فيامي ما يدريك وكانت تلك الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه، فزعموا أن قيسًا دس غلامًا له مولدًا فقال: انطلق كأنك تطلب إبلا فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل مالك ثم احفظ ما يقولون فأتاهم العبد فسمع الربيع يتغنى بقوله:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو النساء عواقب الأطهار
_________________
(١) الأغاني: خيارهم.
(٢) الحارث الأجذم: هذه هي رواية ابن الاعرابي، ويروى الاضجم وهو صاحب المرباع وهو رجل من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
[ ٩٢ ]
فلما رجع العبد إلى قيس أخبره بما سمع من الربيع بن زياد، فعرف قيس أنه قد غضب له، فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة، فأرسلوا إليهم أن ردوا إبلنا التي ودينا بها عوف بن بدر أخا حذيفة لأمه، قال: لا أعطيهم دية ابن أمي وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر وهو ابن الأسدية، فانتم وهو أعلم.
ويزعم بعض الناس انهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية - والمتالي التي في بطونها أولادها وقد تم حملها فانما ينتظر نتاجها - وأنه أتى على تلك الابل أربع سنين وقد توالدت، وأن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها فقال له سنان بن أبي حارثة: اتريد أن تلحق بنا خزاية فتعطيهم أكثر مما أعطونا فتسبنا العرب بذلك؟ فأمسكها حذيفة، وأبى بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بأعيانها، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلًا له فمر على جنيدب أخي بني رواحة فرماه بسهم فقتله يوم المعنقة فقالت ابنة مالك بن بدر (١):
لله عينا من أرى مثل مالك عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يشربا قط (٢) شربة وليتهما لم يرسلا لرهان
أحل به جنيدب أمس نذره فأي قتيل كان في غطفان
إذا سجعت بالرقمتين حمامة أو الرس فابكي فارس الكتفان (٣) ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم (٤) بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض مشى في الصلح ورهن بني ذيبان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حتى يصطلحوا، وجعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني
_________________
(١) انظر الشعر في نعجم ياقوت ١: ٢٩٠ (ذات الاصاد) .
(٢) النقائض والأغاني: قطرة.
(٣) الكتفان: اسم فرسه (انظر اللسان، كتف) .
(٤) طبعة الجوائب: ارم؛ وفي الأغاني: أد.
[ ٩٣ ]
ثعلبة بن بن ذبيان، فمات سبيع وهم على يديه (١) فأخذهم حذيفة من بنيه فقتلهم (٢) .
ثم إن بني فزازة تجمعوا هم وبنو ثعلبة وبنو مرة فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة (٣) فهزمتهم بنو عبس وقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي - قتله الحكم بن مروان بن زنباع العبسي - وعبد العزى بد حذار الثعلبي والحارث بن بدر الفزاري، وقتلوا هرم بن ضمضم المري - قتله ورد بن حابس العبسي - ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة (٤) هرم بن ضمضم - هو من بكر بن ضمضم -:
يا لهف نفسي لهفة المفجوع (٥) ألا أرى هرمًا على مودوع
من أجل سيدنا ومصرع جنبه علق الفؤاد بحنظل مصدوع أي من أجله محترق فؤادها وكأنما أكل حنظلًا.
ثم إن حذيفة جمع وتهيأ واجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس بن زهير: أطيعوني فو الله لئن لم تفعلوا لا تكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقالوا: نطيعك، فأمرهم فسرحوا السوام والضعفاء بليل وهم يريدون إن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح فأصبحوا على ظهر دوابهم (٦)، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحوا طلعت الخيل عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال فإنه لا حاجة للقوم
_________________
(١) الأغاني والنقائض: وهم عنده.
(٢) الرواية أكثر تفصيلًا هنا في الأغاني: ١٣٤ والنقائض ٩٣.
(٣) النقائض: بالخاثرة من جنب ذي بقر.
(٤) الأغاني: ناجية اخت هرم.
(٥) مودوع: اسم فرس هرم بن ضمضم.
(٦) النقائض: على ظهر المعنقة؛ الأغاني: على ظهر العقبة.
[ ٩٤ ]
إن يقعوا في شوكتكم ولا يريدون بكم في أنفسكم (١) شرًا من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله، وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم؟؟؟؟؟؟ فاتبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال، فلما أدركوه ردوا أوله على آخره، ولم يفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الابل فيذهب بها، وتفرقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس إن القوم قد فرق بينهم المغنم، فاعطفوا الخيل في آثارهم، ففعلوا فلم يشعر بنو ذبيان إلا بالخيل دواس (٢) - يعني متتابعة - فلم يقاتلهم كثير (٣) احد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل منهم في غنيمته أن يحوزها وينجو بها، فوضع بنو عبس السلاح فيهم حتى ناشدهم بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين يقتفون أثره، وأرسلوا خيلًا مقدمة تنفض الناس وتسألهم حتى سقط على أثر حذيفة من الجانب الأيسر أبو عنترة شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس وعمرو بن الاسلع وقرواش بن هني والحارث بن زهير وجنيدب بن زيد، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه فوضع رجله على حجر مخافة أن يقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض فعرفوه بحنف (٤) فرسه فاتبعوه، ومضى حذيفة حتى استغاث بجفر الهباءة - الجفر: ما لم يطو من الآبار - وقد اشتد عليه الحر فرمى بنفسه فيه، ومعه حمل بن بدر وحنش بن عمرو وورقاء ابن بلال وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم ووقعوا في الماء فتمعكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطلع وينظر فاذا لم ير شيئًا رجع فنظر نظرة فقال: اني قد رأيت شخصًا كالنعامة أو كالطير فوق القتادة
_________________
(١) طبعة الجوائب: انفسهم.
(٢) النقائض والأغاني: دوائس.
(٣) النقائض والأغاني: كبير.
(٤) الحنف: ان تقبل إحدى اليدين على الأخرى.
[ ٩٥ ]
من قبل مجيئنا، فقال حذيفة (١) هذا شداد على جروة، فحال بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن الاسلع ثم جاء قرواش حتى تناموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم فاطردها وحمل عمرو بت الاسلع وشداد عليهم في الجفر فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقل (٢) واين الاحلام؟ فضرب حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم (٣) فأرسلها مثلًا، وقتل قرواش بن هني حذيفة بن بدر وقتل الحارث بن زهير حملًا وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر (٤) حذيفة حوله قصد العوالي
سيخبر قومه حنش بن عمرو اذا لاقاهم وابنا بلال
ويخبرهم مكان النون مني وما أعطيته عرق الخلال من المخالة، اي ما اعطيته عن صداقة وصفاء ود.
فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض:
سيخبرك الحديث بكم خبير (٥) يجاهدك العداوة غير آل
بداءتها لقراوش وعمرو وانت تجول جوبك في الشمال أي فعل قرواش هذا الفعل. العرق: العطية، والخلال: المخالة، يقول: لم تعطوني السيف عن مودة ولكني قتلته وأخذته، وقوله وأنت تجول جوبك في
_________________
(١) في النقائض والأغاني، فقال حذيفة: هنا وهنا عن شداد على جروة - وجروة فرس شداد والمعنى دع ذكر شداد عن يمينك وشمالك واذكر غيره لما كان يخاف من شداد - فبينما هم يتكلمون إذا هم بشداد ابن معاوية واقفًا عليهم فحال بينهم.. الخ.
(٢) النقائض: العود؛ الأغاني: العقول.
(٣) في الحيوان ٣: ١١٧، ٥: ٢٩٤ إياك والكلام المأثور.
(٤) يعني بقصد العوالي الرماح المكسرة.
(٥) غير آل: غير مقصر.
[ ٩٦ ]
الشمال، الجوب: الترس، يريد إن قرواشًا وعمرو بن الأسلع اقتحما الجفر وقتلا من قتلا وأنت ترسك في يدك لم تغن شيئًا، ويقال لك البداءة ولفلان العوادة.
وقال قيس بن زهير في ذلك (١):
تعلم أن خير الناس ميت على جفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمة ما زلت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل علي قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني فمعوج علي ومستقيم وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي:
من يك سائلًا عني فاني وجروة لا تباع (٢) ولا تعار
مقربة الشتاء ولا تراها أمام الحي يتبعها المهار ويروى أمام الخيل، يريد أنها فرس حرب لا يطلب نسلها.
لها بالصيف آصرة وجل وست من كرائمها غزار (٣) كرائم من الابل تشرب هذه الفرس البانها.
ألا أبلغ بني العشراء عني علانية وما يغني السرار
قتلت سراتكم وحسلت منكم حسيلًا مثل ما حسل الوبار (٤) الحسيل: الرديء، يقول: أنفيت شراركم، وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم.
_________________
(١) وردت الأبيات في الحماسة (رقم: ١٤٧) والعقد ٥: ١٥٧ ومعجم البلدان: ٤: ٩٤٧ وهي أتم من ذلك في النقائض: ٩٦ - ٩٧ والأغاني: ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) النقائض والأغاني: لا ترود.
(٣) الآصرة: الحشيش.
(٤) يقول: قتلت سراكم وجعلتكم بعدهم حسالة، كما خلقت الوبار حسالة (وهو مثل خسل) .
[ ٩٧ ]
ولم اقتلكم سرًا ولكن علانية وقد سطع الغبار (١) وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى - وحسى وادٍ فيه ماء.
ويزعم بعض بني فزارة إن حذيفة كان أصاب فيما أصاب من بني عبس تماضر بنت الشريد السلمية ام قيس بن زهير فقتلها، وكانت في المال. ثم إن بني عبس ظعنوا فحلوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان فخالفوا، فقاتلتهم كلب فهزمتهم بنو عبس وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي ثم أحد بني عليم بن جناب، فقال في ذلك عنترة (٢):
ألا هل أتاها أن يوم عراعر (٣) شفى سقمًا لو كانت النفس تشتفي
أتونا على عمياء ما جمعوا لنا (٤) بأرعن لا خل ولا متكشف
تماروا بنا إذا يمدرون حياضهم على ظهر مقضي من الأمر محصف (٥)
علالتنا في كل يوم كريهةٍ (٦) بأسيافنا والقرح لم يتقرف
وما نذروا حتى غشينا بيوتهم (٧) بغبية موت مسبل الودق مذعف اي تشككوا في رجوليتنا حتى استعملوا الحياض، علالتنا: اي بقيتنا. فأجلتهم الحرب فلحقوا بهجر فامتاروا منها، ثم حلوا على بني سعد بالفروق وقد آمنهم بنو سعد ثلاث ليال فأقاموها، ثم شخصوا عنهم، فاتبعهم ناس من بني سعد فقاتلهم العبسيون فامتنعوا حتى رجع بنو سعد وقد خابوا منهم ولم
_________________
(١) إلى هنا تنهي الرواية لدى الاصبهاني في ترجمة الربيع بن زياد.
(٢) ديوان عنترة: ٢٢٨.
(٣) عراعر: ماء الكلب.
(٤) الارعن: الجيش الكثيف؛ الخل: المختل؛ متكشف: منهزم.
(٥) تماروا بنا: اختلفت مقالتهم فينا؛ يمدرون الحياض: يهيئونها بالمدر؛ المحصف: المحكم.
(٦) العلالة: البقية من القتال؛ لم يتقرف: لم ينقشر للبرء.
(٧) الغبية: الدفعة من المطر؛ مذعف: يقطر سمًا.
[ ٩٨ ]
يظفروا بشيء، فقال في ذلك عنترة بن شداد بن معاوية (١):
ألا قاتل الله الطلول البواليا وقاتل ذكراك السنين الخواليا القصيدة كلها (٢) .
ثم سئل قيس بن زهير: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب لم نكثر فنفشل ولم نقل فنضعف.
ثم سار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إن بني حنيفة قوم لهم عز وحصون فخالفوهم، فخرج قيس حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي (٣) وهو يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يرد مثلكم، ولكن لي في قومي أمراء لا بد من مشاورتهم، وما ننكر حسبك ولا نكايتك؛ فلما خرج قيس من عنده قيل له: ما تصنع، أتعمد إلى أفتك العرب وأحزمهم (٤) فتدخله أرضك ليعلم وجوه أرضك وعورة قومك ومن أين يؤتون؟! فقال: كيف أصنع وقد وعدت له على نفسي (٥)، وانا استحي من رجوعي؟ فقال له السمين الحنفي: انا أكفيك قيسا، وهو رجل حازم متوثق لا يقبل إلا الوثيقة، فلما اصبح قيس غدا عليه، ولقيه السمين فقال: انك على خير وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قي ومر على جمجمة بالية فضربها برجله ثم قال: رب خسف قد أقرت به هذه الجمجمة مخافة مثل هذا اليوم، وما أراها وألت منه (٦) وان مثلاي لا يرضى
_________________
(١) ديوان عنترة: ٢٢٤ وفيها يذكر يوم الفروق: ونحن منعنا بالفروق نساءنا نطرف عنها مشعلات غواشيا (٢) عدة أبيات في الديوان ثلاثة عشر.
(٢) كان قتادة الحنفي أحد جراري ربيعة، والجرار من قاد ألف فارس (النقائض) .
(٣) النقائض: وأجرأهم.
(٤) النقائض: وقد وأيت له (وهي بمعنى وعدت) .
(٥) وما أراها وألت فيه: سقطت الجملة من النقائض؛ بمعنى نجت.
[ ٩٩ ]
إلا القوي من الأمر، فلما لم ير ما يحب احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، وهم بنو اختهم، وبنو شكل هم من بني الحريش ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم، فكانوا يرون عليهم (١) أثرة وسوء جوار وأشياء تريبهم، ويستخفون بهم، فقال نابغة بني ذبيان (٢):
لحا الله عبسًا عبس آل (٣) بغيض كلحي الكلاب العاويات وقد فعل
فأصبحتم والله يفعل ذاكم يعزكم مولى مواليكم شكل
إذا شاء منهم ناشىء دربخت له لطيفة طي البطن رابية الكفل دربخت المرأة: أي جبت له وخضعت وقامت على أربع حتى يأتيها.
فمكثوا مع بني عامر، يتجنون عليهم ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبان بن بدر (٤) فكانوا معهم ما شاء لله.
ثم إن رجلًا من الضباب أسرته بنو عبد الله بن غطفان والضبابي هو اخو الحنبص فدفعه الذي أسره إلى رجل من أهل تيماء يهودي، فاتهمه اليهودي بامرأته فخصاه، فقال الحنبص الضبابي لقيس بن زهير: أد إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله بن غطفان أصابوا صاحبنا، وهم حلفاء بني عبس، فقال: ما كنا لنفعل، فقال: والله لو أصابه (٥) مر الريح لوديتموه، فقال قيس بن زهير في ذلك:
لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا سقونا بها مرًا من الشرب آجنا
_________________
(١) طبعة الجوائب: منه، والتصويب عن النقائض.
(٢) ديوان النابغة (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم): ١٩١.
(٣) الديوان: جزى الله عبسًا في المواطن كلها.
(٤) في المطبوعة: زمان بدر.
(٥) النقائض: اصابنا.
[ ١٠٠ ]
وحرملة الناهيهم عن قتالنا وما دهره ألا يكون مطاعنا
أكلف ذا الخصيين إن كان ظالمًا وإن كان مظلومًا وإن كان شاطنا
خصاه امرؤ من أهل تيماء طابن (١) ولا يعدم الإنسى والجن طابنا
فهلا بني ذبيان وسط بيوتهم رهنت بمر الريح إن كنت راهنا
وخالستهم حقي خلال بيوتهم وإن كنت ألقى من رجال ضغائنا
إذا قلت قد أفلت من شر حنبص لقيت بأخرى حنبصًا متباطنًا
فقد جعلت أكبادنا تجتويهم كما يجتوي سوق العضاه الكرازنا العضاة: كل شجر له شوك، والكرازن: المعاول، الواحد كرزين.
تدروننا بالمنكرات كأنما تدرون ولدانا ترمي الرهادنا (٢) تدروننا: تختلوننا، والرهادن: جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور.
فقال النابغة الذبياني جوابًا لقيس (٣):
ابك بكاء النساء (٤) إنك لن تهبط أرضًا تحبها أبدا
نحن وهبناك للحريش وقد جاوزت في الحي جعفرا عددا وأغار قرواش بن هني العبسي - وبنو عبس يومئذ في بني عامر - على بني فزارة، فأخذه أحد بني العشراء - الأخرم بن سيار أو قطبة بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة - أخذه تحت الليل، فقالوا له: من أنت؟ فقال: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني مازن، وكانت ناكحًا في بني عبس، فقالت: أبا شريح أما والله لنعم مأوى الأضياف وفارس
_________________
(١) الطابن: الفطن.
(٢) البيت في اللسان (رهدن) والأغاني ١٦: ٣٢٩.
(٣) لم يرد الشعر في ديوانه.
(٤) طبعة الجوائب: السداد، والتصويب عن النقائض.
[ ١٠١ ]
الخيل أنت، فقالوا له: ومن أنت؟ قال: قرواش بن هني، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه، وكان قتل حذيفة، ويزعم بعض الناس أنهم دفعوه إلى بني سبيع فقتلوه بمالك بن سبيع، وكان قتل مالك بن سبيع الحكم بن مروان بن زنباغ فقال نهيكة ابن الحارث من بني مازن بن فزارة:
صبرأ بغيض بن ريث إنها رحم قطعتموها أناختكم بجعجاع
فما أشطت سمي أن هم قتلوا بني أسيد بقتلى آل زنباع
لقد جزتكم بنو ذبيان ضاحية بما فعلتم ككيل الصاع بالصاع
قتلًا بقتل وتعقيرًا بعقركم مهلًا حميض فلا يسعى بها الساعي وقال في ذلك عنترة (١):
هديكم خير أبًا من أبيكم (٢) أعف وأوفى بالجوار وأحمدُ
وأحمى لدى الهيجا (٣) إذا الخيل صدها غداة الصياح السمهري المقصد
فهلا وفي الفوغاء عمرو بن جابر (٤) بذمته وابن اللقيطة عصيد
سيأتيكم مني وإن كنت نائيًا (٥) دخان العلندى حول بيتي مذود
قصائد من بز امرىء يجتديكم (٦) وانتم بجسم فارتدوا وتقلدوا أي يطلب منكم الثأر.
وقال قيس بن زهير (٧):
_________________
(١) ديوان عنترة: ٢٨٠.
(٢) الهدي: الأسير.
(٣) الديوان: وأطعن في الهيجا.
(٤) الفوغاء: الطويلة الأسنان والثنايا؛ ابن اللقيطة يعني عيينة بن حصن، أو حصن به حذيفة، العصيد: المأتي.
(٥) العلندي: شجر كثير الدخان، يقول سيأتيكم مني هجاء مؤذٍ كدخان العلندي يذود عني وعن بيتي.
(٦) أي اجعلوا القصائد أردية تلبسونها وقلائد تتقلدونها، وهذا تهكم ووعيد.
(٧) منها بيتان في معجم البلدان ١: ٣٦٠.
[ ١٠٢ ]
مالي أرى إبلي تحن كأنها نوح تجاوب موهنًا أعشارا (١) نوح: نساء ينحن، والأعشار: جمع عشر وهو إن يرد الماء في اليوم التاسع، وهذا مثل، والموهن: بعد صدر من الليل.
لن تهبطي أبدًا جنوب مويسل وقنا قراقرتين فالأمرارا
أجهلت من قوم هرقت دماؤهم بيدي ولم أدهم بجنب تعارا
إن الهوادة لا هوادة بيننا إلا التجاهد فاجهدن فزارا
إلا التزاور فوق كل مقلص يهدي الجياد إذا الخميس أغارا
فلا هبطن الخيل حر بلادكم لحق الأياطل تنبذ الأمهارا
حتى تزور بلادكم وتروا بها منكم ملاحم تخشع الأبصارا وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير بن بدر:
أخي والله خير من أخيكم إذا ما لم يجد بطل مقاما
أخي والله خير من أخيكم إذا ما لم يجد راع مساما
أخي والله خير من أخيكم إذا الخفرات أبدين الخداما
قتلت به أخاك وخير سعد فان حربا حذيف وإن سلاما
ترد الحرب ثعلبة بن سعد بحمد الله يرعون البهاما
وكيف تقول صبر بني حجان إذا غرضوا ولم يجدوا مقاما (٢)
وتغني مرة الأثرين عنا عروج الشاء تتركهم قياما
ولولا آل مرة قد رأيتم نواصيهن ينضون القتاما وقال نابغة بني ذبيان (٣):
_________________
(١) الموهن: بعد صدر من الليل.
(٢) غرضوا: ملوا.
(٣) ديوان النابغة: ١٠٤.
[ ١٠٣ ]
أبلغ بني ذبيان أن لا أخا لهم (١) بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما
بجمع كلون الأعبل الجون لونه ترى في نواحيه زهيرًا وحذيما (٢)
هم يردون الموت عند لقائه إذا كان ورد الموت لا بد أكرما ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفدًا فأرسلت إليهم بنو تغلب بستة عشر راكبًا منهم ابن الخمس التغلبي قاتل الحارث بن ظالم، وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك. فلما أتى الوفد بني عبس قال قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا، حتى مر بابن الخمس، فقال قيس: أن زمانًا أمنتنا فيه لزمان سوء، قال ابن الخمس: وما أخاف منك، فو الله لأنت اذل من قراد بمنسم ناقتي (٣) فقتله قيس، وإنما يقتله بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل بزهير بن جذيمة خالد بن جعفر بن كلاب، فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني عبس ارجعوا إلى قومكم فهم خير أناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا أجاور بيتًا غطفانيًا أبدًا، فلحق بعمان فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس، فقال الربيع بن زياد في ذلك (٤):
حرق قيس علي البلاد حتى إذا استعرت أجذما أجذم: ذهب، ويقال أنه لمجذام الركض إذا أسرع.
جنية حرب جناها فما تفرج عنه وما أسلما
عشية يردف آل الرباب يعجل بالركض أن يلجما في نسخة غداة بآل الرباب، والرباب امرأة يعشقها قيس بن زهير.
_________________
(١) الدماخ: اجبل عظام؛ وأظلم: اسم موضع أو جبل.
(٢) الأعبل: الجبل الأبيض الحجارة شبه بني عبس به لكثرة السلاح، والجون هنا الأبيض؛ وزهير وحذيم ابنا جذيمة من بني عبس.
(٣) النقائض: تحت منسم بعيري.
(٤) الشعر في الحماسة (رقم: ١٦٣ المرزوقي) .
[ ١٠٤ ]
ونحن فوارس يوم الهرير (١) إذ تسلم الشفتان الفما
عطفنا وراءك أفراسنا وقد مال سرجك فاستقدما
إذا نفرت (٢) من بياض السيوف قلنا لها أقدمي مقدما ولما انصرف الربيع - وكان يسمى الكامل - أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، فوقفوا عليه فقالوا له: هل أحسست لنا الحارث بن عوف - وهو يعالج نحيًا له - فقال: هو في أهله، ثم رجعوا وقد لبس ثيابه، فقالوا: ما رأينا كاليوم قط مركوبًا إليه قال: ومن أنتم، قالوا: بنو عبس ركبان الموت، قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، مرحبًا بكم، لا تنزلوا حتى لا تأتوا حصن بن حذيفة، قالوا: أنأتي غلامًا حديث السن قد قتلنا أباه وأعمامه ولم نره قط؟! قال الحارث: نعم إن الفتى حليم وأنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه ولم يكن رآهم، فلما رآهم عرفهم، قال: هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه فقال: من انتم قالوا: ركبان الموت، فحياهم وقال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم، هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف، قالوا: لم ناته، وكتموه اتيانهم إياه، فقال: فأتوه، فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا، فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه، فلما اتوه حلف عليه حصن: هل أتوك قبلي، قال: نعم، قال: فقم بين عشيرتك فإني معينك بما أحببت، قال الحارث: أفأدعو معي خارجة بن سنان؟ قال نعم، فلما اجتمعنا قلا لحصن: اتجيرنا من خصلتين: من الغدر بهم والخذلان لنا؟ قال: نعم، فقاما بينهما فباءوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد الف ناقة أعانهما فيها حصن بخمسمائة ناقة.
وزعموا أنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم المري قد حلف
_________________
(١) يروى: إذ تقلص، يعني أن ذلك يحدث من شدة الهول.
(٢) النقائض: ذعرت.
[ ١٠٥ ]
لا يمس غسلًا حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن وهب الحارث بن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقي حصين بن ضمضم فقتله بأخيه، فقال حيان بن حصن (١) أحد بني مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عبس:
سالم الله من تبرأ من غي؟ ظٍ وولى أثامها يربوعا
قتلونا بعد المواثيق بالسح؟ (٢) م تراهن في الدماء كروعا
إن تعيدوا حرب القليب علينا تجدوا أمرنا أحذ جميعا فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم ربيعة بن وهب غضبوا، وغضب حصن في قتل ابن اختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، وغضبت بنو عبس فأرسل اليهم الحارث بابنه فقال: اللبن أحب إليكم أم انفسكم - يعني ابنه - يقول: إن شئتم فاقتلوه وان شئتم فالدية، قالوا: بل اللبن، فأرسل اليهم بمائة من الابل دية ربيعة بن وهب فقبلوا الدية وتموا على الصلح، فقال في ذلك شييم بن خويلد الفزاري (٣):
حلت أمامة بطن التين فالرقما (٤) واحتل أهلك أرضًا تنبت الرتما
من ذات شك إلى الأعراج (٥) من إضمٍ وما تذكره من عاشق أمما
هم بعيد وشأو غير مؤتلف (٦) إلا بمزؤودة لا تشتكي السأما
أنضيتها من ضحاها أو عشيتها في مستتب يشق البيد والاكما
_________________
(١) النقائض: حصين.
(٢) السحم: الاسنة واحدها اسحم.
(٣) في طبعة الجوائب: شيتم؛ وعند ياقوت شتيم (انظر مادة بطن التين ١: ٦٦٥) .
(٤) الرتم: نوع من الشجر واحدته رتمة.
(٥) ياقوت (٣: ٣١١) الاجراع.
(٦) المزؤودة: الخائفة المرعوبة من ذكائها.
[ ١٠٦ ]
سمعت أصوات كدري الفراخ به (١) مثل الأعاجم تغشي المهرق القلما
يا قومنا لا تعرونا بمظلمة (٢) يا قومنا واذكروا الآلاء والذمما
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله شنعاء شيبت الأصداغ واللمما
عي المسود بها والسائدون ولم يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما
كنا بها بعدما طيخت عروضهم كالهبرقية ينفي ليطها الدسما أي ينقطر منها الدم، طيخت: دنست، والطيخ الفساد، والهبرقية السيوف والهبرقي: الحداد، أراد كالسيوف التي تشن الدم، والليط: اللون، ليط الإنسان: جلده ولونه.
إني وحصنًا كذي الأنف المقول له ما منك أنفك إن أعضضته الجلما أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغنى عن الأنف.
أإن أجار عليكم لا أبا لكم حصن تقطر آفاق السماء دما
أدوا ذمامة حصن أو خذوا بيد حربًا تحش الوقود الجزل والضرما الضرم: صغار الحطب، أي أعطوا الرضى بدية او غيرها او ائذنوا بحرب. وقال في ذلك عبد قيس بن بجرة (٣) أخو بني شمخ بن فزارة، وهو ابن عنقاء، يعتذر عن حصين بن ضمضم المري:
إن تأت عبس وتنصرها عشيرتها فليس جار ابن يربوع بمخذول
كلا الفريقين أغنى قتل صاحبه هذا القتيل بميت أمس (٤) مطلول
باءت عرار بكحل والرفاق معًا (٥) فلا تمنوا أماني الأضاليل
_________________
(١) المهرق: الصفحة؛ شبه أصوات القطا الكدري بصوت القلم في الصحيفة.
(٢) طبعة الجوائب: الآباء والقدما.
(٣) النقائض: بحرة.
(٤) النقائض: غير.
(٥) انظر المثل: " باءت عرار بكحل " في جمهرة العسكري ١: ٢٦٦ والميداني ١: ٦٠ والمستقصى ١٨١ واللسان (عرر، كحل) .
[ ١٠٧ ]
وعرار: مثل حذام وقطام، أي اتفقوا واصطلحوا، وعرار وكحل، ثور وبقرة كانا في سبطين من بني اسرائيل، فقعر كحل فقعرت به عرار، فوقع الشر بينهم حتى كادوا أن يتفانوا - فضربت العرب بهما مثلًا.
وقال زهير بن أبي سلمى يذكر الحارث بن عوف وخارجة بن سنان وحملهما ما حملا من دماء بني عبس وبني ذبيان (١):
لعمري لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم إلى آخر القصيدة.
وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباءوا بين القتلى أقبلوا يسيرون حتى نزلوا على ماء يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة وبنو فزارة لبني ثعلبة: اعرضوا عن بني عبس فقد باءونا بعض القتلى ببعض، فقالت بنو ثعلبة: كيف تباؤون بعبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع؟ أتهدرونهما وهما سيدا قيس؟ فو الله لا نسم هذا بأنوفنا، فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشًا. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية، ويزعمون إنها كانت أول الحمالة. فقال في ذلك معقل بن عوف بن سبيع الثعلبي:
لنعم الحي ثعلبة بن سعد إذا ما القوم عضهم الحديد
هم ردوا القبائل من بغيضٍ بغيظهم وقد حمي الوقود
تطل دماؤهم والفضل فينا على قلهى ونحكم ما نريد وقال الربيع بن زياد في حرب داحس (٢):
إن تك حربكم أمست عوانًا فإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوها وحشوا نارها لمن اصطلاها
_________________
(١) هو من معلقته المشهورة، انظر ديوانه: ١٤.
(٢) لم يرد هذا في النقائض.
[ ١٠٨ ]
فإني لست خاذلكم ولكن سأشفي الآن إذ بلغت إناها ولد سودة: حذيفة وإخوته الخمسة، أمهم سودة بنت نضلة بن عمير بن جرية.
وقال عنترة بن شداد بن معاوية (١):
سائل عميرة حين اجلب جمعها (٢) عند الحروب باي حي تلحق
أبحي قيس ام بعذرة بعدما رفع اللواء لها وبئس المحلق
وأسأل حذيفة حين أرش بيننا (٣) حربًا ذوأبها بموت تخفق
فلتعلمن اذا التقت فرساننا بلوى النجيرة (٤) أن ظنك أحمق فهذا ما كان من حديث داحس. وبلغنا إن الحرب التي كانت فيه أربعون سنة، وصار داحس مثلا ويقال: أشأم من داحس (٥) .
وقال بشير بن أبي العبسي:
إن الرباط النكد من آل داحسٍ (٦) جرين فلم يفلحن يوم رهان
فسببن بعد الله مقتل مالكٍ وغربن قيسًا من وراء عمان
ويمنع منك السبق إن كنت سابقًا وتلطم إن زلت بك القدمان
لطمن على ذات الإصاد وجمعهم يرون الأذى من ذلة وهوان تم حديث داحس والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) هذا النص لم يرد أيضًا في النقائض، وانظر ديوان عنترة: ٢٩٢.
(٢) عميرة: حي من فزارة.
(٣) الذوائب هنا بمعنى الرايات.
(٤) في طبعة الجوائب: النحيرة:؛ والنجيرة فيما ذكر البكري في معجم ما استعجم: ١٣٠٠ أرض في ديار بني عبس أو ما يليها، واستشهد على ذلك ببيت عنترة.
(٥) المثل في الدرة الفاخرة: ٢٣٧ وجمهرة العسكري ١: ٥٥٦ والميداني ١: ٢٥٦ والمستقصى: ٧٥ وانظر ثمار القلوب: ٣٦٠.
(٦) الرباط من الخيل: الخمسة فما فوقها.
[ ١٠٩ ]