- ٢٨ -
وكان من حديث بيهس أنه كان رجلًا من بني غراب بن فزارة بن ذبيان بن بغيض وكان من سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من أشجع وبينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا ستةً وبقي بيهس، وكان يحمق، وكان أصغرهم، فأرادوا قتله ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا يحسب عليكم برجل ولا خير فيه، فتركوه فقال: دعوني أتوصل معكم إلى أهلي فانكم إن تركتموني وحدي أكلتني السباع وقتلني العطش، ففعلوا فاقبل معهم، فلما كان في الغد نزلوا فنحروا جزورًا في يوم شديد الحر فقالوا: اظلوا لحم جزوركم لا يفسد، فقال بيهس: لكن بالأثلات لحمًا لا يظلل (١) فقالوا: إنه لمنكر وهموا إن يقتلوه، ثم تركوه (٢) ففارقهم حتى انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين إخوتك؟ فقال لو خيرك القوم لاخترت (٣)، فأرسلها مثلًا. ثم إن أمه عطفت عليه ورقت فقال الناس: احبت ام بيهس بيهسًا ورقت له، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولدًا (٤) فأرسلها
_________________
(١) الوسيط: ٤٠ والميداني ٢: ١٠٦ وجماع أمثال بيهس عند الميداني عند قوله: " ثكل أرأمها ولدا " ١:١٠١ والنقل عن المفضل الضبي؛ وفي جمهرة العسكري " الثكل ارأمها " ١: ٢٩٠ والفاخر: ٦٣ والمستقصى: ١٢٣ والعقد ٣: ١٠١ وقراءته في الميداني " لكن بالأثلات لحم "؛ وفي جمهرة العسكري ٢: ٢١٢ أنه قال في هذا الموطن: " لكن لحم بشرمة لا تجن " وانظر قصة بيهس والأمثال المتصلة بها في الأغاني ٢٣: ٥٣١ - ٥٣٥ وراجع فصل المقال: ٧٨ - ٧٩.
(٢) زاد بعد هذا في الميداني: وظلوا يشوون من لحم الجزور ويأكلون فقال أحدهم ما أطيب يومنا وأخصبه فقال بيهس " لكن على بلدح قوم عجفى " وانظر الميداني ٢: ١٠٦ وجمهرة العسكري ٢: ١٨٣ والمستقصى: ٢٨١ واللسان ومعجم البلدان (بلدح) واحسب هذا سقط من طبعة الجوائب.
(٣) لو خيرت لاخترت في جمهرة العسكري ٢: ١٨٣، ٢: ٢١٢ والميداني ٢: ٨١ والمستقصى ٢٩٢.
(٤) تقدم تخريجه (الحاشية: ١) وانظر أيضًا الوسيط: ٤٠، ٨٩.
[ ١١٠ ]
مثلًا. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته ومتاعهم يلبسها فقال يا حبذا التراث لولا الذلة (١)، فأرسلها مثلًا.
وقال حبيب بن عيسى لما اراد بيهس أن يمضي عنهم قال بضهم: كيف يأتي هذا الشقي أهله بغير خفير؟ فقال لهم بيهس: دعوني فكفى بالليل خفيرًا فأرسلها مثلًا. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم إنه مر على نسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطى به راسه، فقلن: ويحك اي شيء تصنع؟ فقال: (٢)
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها (٣) فأرسلها مثلًا، فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قتلة إخوته فيقتلهم ويتقصاهم حتى قتل منهم ناسًا فقال بيهس (٤):
يا لها من مهجة يا لها أني لها الطعم والسلامه
قد قتل القوم إخوانها في كل وادً زقاء هامه
لأطرقنهم وهم نيام فأبركن بركة النعمامه
قابض رجل وباسط أخرى والسيف أقدمه امامه نعامة: هو بيهس، لقب بنعامة لقوله: فأبركن بركة النعامة.
ثم أخبر أن ناسًا من أشجع في غار يشربون فيه، فانطلق بخالٍ له يكنى أبا
_________________
(١) جمهرة العسكري ٢: ٢١٢، والميداني ١: ١٠٢ والوسيط: ٤٠.
(٢) هذا المثل يجيء في مجمل أمثال بيهس، وانظر جمهرة العسكري: ١: ١٩٧، والفاخر: ٦٢ والمستقصى: ١٢١ واللسان (لبس) .
(٣) انظر هذا في ترجمة بيهس في المؤتلف والمختلف: ٨٥ ونسبه: بيهس بن هلال بن خلف بن جمحة بن غراب بن ظالم بن فزارة.
(٤) الأبيات في الأغاني ٢٣: ٥٣٤.
[ ١١١ ]
حشر (١) فقال له: هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منهن؟ قال: نعم، فانطلق بيهس باي حشر حتى إذا قام على باب الغار دفع خاله في الغار فقال: ضربًا أبا حشر، فقال بعضهم: إن أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل (٢) فأرسلها مثلًا، فكان بيهس مثلًا في العرب، قال المتلمس (٣):
ومن حذر الأيام ما حز انفه قصير ورام الموت بالسيف بيهس (٤)
نعامة لما صرع القوم رهطه تبين في أثوابه كيف يلبس وأول هذه الأبيات (٥):
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
فلا تقبلن ضيمًا مخافة ميتة وموتن بها حرًا وجلدك أملس ومن حذر الأيام الخ. وقال بعض الشعراء من بني تغلب وهو أبو اللحام:
لقمان منتصرًا وقس ناطقًا ولأنت أجرأ صولةً من بيهس
_________________
(١) الميداني: أيا حنش؛ وسماه (٢: ١٨٢) أبا جشر؛ العسكري: جشر؛ المؤتلف: الجشر، وفي الأغاني بالحاء المهملة.
(٢) انظر جمهرة العسكري ٢: ٢٤٢ والفاخر: ٦٣ والميداني ٢: ١٨٢ والبيان والتبيين ١: ١٦٢، ٤: ١٧ والمستقصى: ٣١١ والوسيط: ١٥٦ والأغاني ٢٣: ٥٣٥ - ٥٣٧ حيث أورد قصة أخرى للمثل.
(٣) الشعر في كتب الأمثال وديوان المتلمس (القصيدة رقم: ٥ص: ١٠٧) والحماسة (شرح المرزوقي): ٦٥٨ والأغاني ١٥: ٢٥٦، ٢٣: ٥٣٠.
(٤) في رواية: ومن طلب الأوتار.. وخاض الموت؛ وقصير هو صاحب جذيمة الأبرش الذي جرى فيه المثل: " لأمر ما جدع قصير انفه ".
(٥) أولها في ديوانه: أعادل أن المرء رهن مصيبة صريع لعافي الطير أو سوف يرمس
[ ١١٢ ]