يريد بها الأسد ههنا وهذا البيت غلط من المفضل (١) لان بيهسًا هو الأسد وليس ببيهس الذي يلقب بنعامة، ويدلك على ذلك البيت الذي بعده وهو لأبي اللحام التغلبي يمدح عباد بن عمرو بن كلثوم:
يقص السباع كأن فحلًا فوقه ضخم مذمره شديد الافحس كان قس بن ساعدة (٢) من إياد مفوها ناطقًا فوقف بسوق عكاظ على جمل له أحمر فقال: أيها الناس اجتمعوا ثم اسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لمعتبرا، نجوم تمور، وبحار لا تبور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، ما للناس يذهبون ثم لا يرجعون، أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا، يحلف بالله قس بن ساعدة إن الله لدينًا احب اليه مما نحن فيه.
- ٢٩ -
زعموا أن رجلًا من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم يقال له عياض ابن ديهث أورد إبله على ماء، فصادف عليه رعاء الحارث بن ظالم المري - مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان - فأدلى عياض بن ديهث دلوه ليسقي ماشيته، فقصر رشاؤه واستعار بعض أرشية رعاء الحارث بن ظالم فأعاروه حتى سقى إبله، ثم أصدرها، فلقيه بعض حشم النعمان فأخذ أهله وماله، فنادى يا حار يا حاراه، فركب الحارث حتى أتى النعمان، وقد كان لقي عياضًا قبل ذلك، فقال له: ويلك ومتى أجرتك؟ قال: فاني
_________________
(١) هذا التعليق يدل على أن هناك مادة دخيلة على أصل المفضل الضبي؛ ومثل هذا يرد في غير موضع من الكتاب.
(٢) يبدو أن هذا من زيادات أحد المعلقين أيضًا؛ وانظر خبر قس وخطبته في الأغاني ١٥: ١٩١ وانظر معجم المرزباني: ٢٢٢ وخزانة الأدب ١: ٢٦٧ والإصابة ٥: ٢٨٥ والبداية والنهاية ٢: ٢٣٠ والزاهر ٢: ٣٦٤.
[ ١١٣ ]
عقدت رشائي برشاء رعائك فسقيت إبلي، وأخذت ذلك الماء في بطونها، فقال له الحارث: إن في هذا لجوارًا (١) ثم اتى النعمان فقال: أبيت اللعن، إنك أخذت إبل جاري وأهله وولده، فقال النعمان: أفلا تشدما وهي من أديمك أول - يعني قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر وهو جار للأسود بن المنذر (٢) بن ماء السماء أخي النعمان.
ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيدًا شديدًا فقال له الحارث: هل تعدون الحيلة الى نفسي (٣)، فأرسلها مثلًا، أي هل تريد بحيلتك أن تقتلني، هذا غايتك، يريد هل يكون شيء بعد الموت. ثم انصرف تدبر النعمان كلمته فندم على تركه، ثم طلبه فلم يجده.
وكانت سلمى (٤) بنت ظالم أخت الحارث تحت سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة، وكان النعمان قد دفع الى سنان ابن أبي حارثة ابنًا له يكون عنده، فجاء الحارث إلى أخنه فقال: إن سنانًا يقول لك: زيني ابن النعمان حتى آتي به أباه لعله يصنع إلينا خيرًا، ففعلت، فانطلق به الحارث فضرب عنقه، ثم هرب فلحق بمكة، وكان رد على ابن ديهث بعض ما أخذ منه، فقال الحارث بن ظالم:
قفا فاسمعا اخبركما إذ سألتما محارب مولاه وثكلان نادم مولاه: ابن عمه، أي إنا نحارب ابن عمي سنان بن أبي حارثة الذي كان عنده ابن النعمان.
_________________
(١) العسكري: جوار ورب الكعبة.
(٢) حديث الحارث بن ظالم مع الأسود بن المنذر تجده في كتب الأمثال عند المثل " است البائن أعلم " وقتله لخالد بن جعفر ورد في الأغاني ١١: ٨٩.
(٣) جمهرة العسكري ٢: ٣٦٦.
(٤) انظر القصة والشعر المتصل بها في الأغاني ١١: ٩٦، ١٠٢ - ١٠٣.
[ ١١٤ ]
فأقسم لولا من تعرض دونه لخالطه ما في الحديدة صارم
حسبت أبا قابوس أنك فائز ولما تذق ذلا (١) وأنفك راغم
فان تك أذواد أصبن ونسوة فهذا ابن سلمى رأسه (٢) متفاقم
علوت بذي الحيات مفرق رأسه ولا يركب المكروه لولا الاكارم (٣)
فتكت به كما فتكت بخالدٍ (٤) وكان سلاحي تجتويه الجماجم
أخصي حمار ظل يكدم نجمةً (٥) أيؤكل جيراني وجارك سالم
بدأت بيتك وانثنيت (٦) بهذه وثالثة تبيض منها المقادم وقال الفرذدق يذكر ذلك (٧):
كما كان أوفى اذ ينادي ابن ديهث وصرمته كالمغنم المنتهب
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم وكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان جارًا غير دلوً تعلقت بحبليه في مستحصد العقد مكرب مكرب: مشدود، وعقد الحبل على عراقي الدلو يقال له الكرب، ويقال للرجل اكرب دلوك.
وقال الفرذدق (٨):
أعوذ ببشر والمعلى كلاهما بني مالك أوفى جوارًا وأكرم
_________________
(١) الأغاني: فتكي.
(٢) الأغاني: أمره.
(٣) ذو الحيات: سيف الحارث.
(٤) وقع عجز هذا البيت عجزًا للذي قبله، وبالعكس، في الأغاني.
(٥) النجمة: واحدة النجم وهو من النبات ما لا ساق له.
(٦) الأغاني: بدأت بهذي ثم اثني بمثلها.
(٧) ديوان الفرزدق: ١: ٢١ والأغاني ١١: ٩٩ والخزانة ٣: ١٨٥ وجمهرة العسكري ٢: ٣٦٨.
(٨) ديوان الفرزدق: ٢: ٢٤٨.
[ ١١٥ ]