يا راكبًا بلغن ولا تدعن بني قمير وإن هم جزعوا
فليجدوا مثل ما وجدت فان؟ ي كنت ميتًا (١) قد مسني وجع
لا أسمع اللهو في (٢) الندي ولا ينفعني في الفراش مضطجع
لا وجد ثكلى كما وجدت ولا وجد عجول أضلها ربع
ولا كبير أضل ناقته يوم توافى الحجيج فاجتمعوا
ينظر في أوجه الركاب فلا يعرف شيئًا والوجه ملتمع
جللته صارم الحديدة كاللج ة فيه سفاسق دفع
أضربه باديًا نواجذه يدعو صداه والرأس منصدع
بني قمير فتلت سيدكم فاليوم لا فدية (٣) ولا جزع
بين قمير وباب جلق في (٤) أثوابه من دمائه دفع
فاليوم قمنا على السواء فان تجروا فدهري ودهركم جذع
- ٦٠ -
وكان فيما يذكر من حديث ابنة الزباء (٥): إنها كانت امرأة من الروم، وأمها من العمالقة، فكانت تكلم بالعربية، وكانت ملكةً على الجزيرة وقنسرين، وكانت مدائنها على شط الفرات من الجانب الغربي والشرقي، وهي قائمة اليوم خربة، وكان فيما يذكر قد شقت الفرات وجعلت أنفاقًا بين مدينتها - أنفاق: جمع نفق وهو السرب - وكانت تغزو بالجنود وتقاتل، وهي فيما يذكر التي حاصرت ماردًا حصن دومة الجندل فامتنع مها، وحاصرت الأبلق حصن تيماء فامتنع منها، فقالت:
_________________
(١) الميداني: وجدت فقد كنت حزينًا.
(٢) الميداني: في الحديث.
(٣) الميداني: لا رنة.
(٤) وقع هذا البيت عند الميداني ثامنًا.
(٥) في أكثر المصادر الحديث عن الزباء (بالمهمز) وفي فصل المقال: ١٣٠ الزبي (دون همز) .
[ ١٤٣ ]
تمرد مارد وعز الأبلق (١)، فأرسلت قولها مثلًا.
وكان جذيمة الأبرش (٢) رجلًا من الأزد، وكان ملكا على الحيرة وما حولها، وكان ينزل الانبار، وكان فيما يقال من احسن الناس وجهًا وأجملهم، فذكر أن يخطبها وكان له ربيب ومولى يقال له قصير، وكان رجلًا لبيبًا عاقلًا فنهاه عنها وقال: إنه لا حاجة لها في الرجال، قال: وكان جذيمة أول من احتذى النعال ورمى بالمنجنيق ورفع له الشمع، فعصى قصيرًا وكتب إليها يخطبها ويرغبها فيما عنده، فكتبت اليه: أن نعم وكرامة، أنا فاعلة، ومثلك رغب فيه، فإذا شئت فاشخص إلي فدعا قصيرًا وسار، حنى إذا كان بمكان فوق الأنبار يقال له البقة، فدعا نصحاءه فشاوروهم فيها، نهاه قصير، ورأى أصحابه هواه فزينوها له، فقال قصير حين رآه قد عزم: لا يطاع لقصير رأي (٣)، فأرسلها مثلًا.
ومضى اليها في ناس كثير من أصحابه فأرسل اليها يعلمها انه قد اتاها، فهيأت له الخيول وقالت: استقبلوه حين يدنو، وقالت: صفوا صفين فاذا دخل بين صفيكم فتقوضوا عليه، فليسر من مر عليه خلفه حتى ينتهي إلى باب المدينة. وذكر أن قصيرًا قد كان قال له حين عصاه وأبي إلا إتيانها إن استقبلك الخيل فصفوا لك صفين فتوقض من تمر به من خلفك فان معك العصا فرسك، وانها لا
_________________
(١) المثل في فصل المقال: ١٣٠ وجمهرة العسكري ١: ٢٥٧ والعقد ٣: ٩١ والميداني ١: ٨٤ وجمهرة ابن دريد ١: ٣٢٠، ٢: ٢٥٧ والوسيط: ٨٧ وهو يضرب مثلًا للعزيز المنيع الذي لا يقدر على اهتضامه.
(٢) قصة جذيمة الأبرش والزبا في الأغاني ١٥: ٢٥١ والخزانة ٣: ٢٧١ - ٢٧٢، ٤٩٧ - ٤٩٩ وابن الأثير ١: ٣٤٢ ومروج الذهب ٣: ١٩٠ والطبري ١: ٧٤٦ - ٧٧٠ ومعاهد التنصيص ١: ٣١٢ وسرح العيون ٧٧ - ٨١ وشرح البسامة: ٩٨ والأوائل: ٥٩ وكتب الأمثال، وسترد الإشارة إليها عند كل مثل على حدة.
(٣) المثل في جمهرة العسكري ١: ٢٣٤، ٢: ٣٩٤ والميداني ٢: ١٢٦ والمستقصي: ٢٨٤ وورد عند العسكري ٢: ٢٠٣ ليس لقصير أمر.
[ ١٤٤ ]
يشق غبارها (١) فأرسلها مثلًا، فتجلل العصا ثم انج عليها، فلما لقيته الخيول وتقوضوا من خلفه عرف الشر وقال لقصير: كيف الرأي؟ فقال له قصير: ببقة صرم الأمر (٢) وذهب قوله مثلًا.
وسار جذيمة حتى دخل عليها وهي في قصر لها ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها فقالت: خذن بعضدي سيدكن، ففعلن، ثم دعت بنطع فأجلسته فعرف الشر، وكشف عن عورتها فاذا هي قد عقدت استها بشعر الفرج من وراء وركيها، وإذا هي لم تعذر، فقالت: أشوار عروس ترى (٣) فأرسلتها مثلًا فقال جذيمة: بل شوار بظراء تفلة، فقالت: والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة من أناس، ثم أمرت برواهشه فقطعت فجعلت تشخب دماؤه في النطع كراهية إن يفسد مقعدها دمه، فقال جذيمة: لا يحزنك دم هراقه أهله (٤) فأرسلها مثلًا. يعني نفسه.
ونجا قصير حين رأى من الشر ما رأى على العصا، فنظر اليه جذيمة والعصا مدبرة تجري فقال: يا ضل ما تجري به العصا (٥)، فذهبت مثلًا.
وكان جذيمة قد استخلف على ملكه عمرو بن عدي اللخمي، وهو ابن اخته، فكان يخرج كل غداةٍ يرجو أن يلقى خبرًا من جذيمة، فلم يشعر ذات يوم
_________________
(١) انظر الميداني «ما يشق غباره» ٢: ١٦٦ وقد ورد في درج القصة عن المثل «خطب يسير الخ» انظر ما يلي؛ وراجع «ما يشق غباره» في العقد ٣: ٩١.
(٢) المثل في جمهرة العسكري ١: ٢٣٢ (وفيه قصة الزباء والأمثال) وفصل المقال: ١٢٥ والميداني ١: ٥٩ والمستقصي، ١٨٣ واللسان (بقق) ومعجم البلدان (بقة) ويروي: ببقة تركت ارأي؛ ويروي: تركت الرأي بثني بقة؛ وقد وردت الأمثال المتصلة بهذه القصة عند الميداني لدى إيراده المثل: خطب يسير في خطب كبير ١: ١٥٧ - ١٥٩.
(٣) المثل في جمهرة العسكري ١: ٢٣٤ والميداني ١: ١٥٨.
(٤) جمهرة العسكري ١: ٢٣٥ «وما يحزنك.. ضيعه أهله» .
(٥) جمهرة العسكري ١: ٢٣٤، ٢: ٤٢٨ والميداني ٢: ٢٤٧ والمستقصي: ٣٣٢.
[ ١٤٥ ]
حتى اذا هو بالعصا عليها قصير، فلما رآها عمرو وقال خير ما جاءت به العصا (١)، فأرسلها مثلًا، فلما جاءه قصير اخبره الخبر، فقال: اطلب بثأرك قال: كيف أطلب من ابنة الزبا وهي أمنع من عقاب الجو (٢) فأرسلها مثلًا، فقال قصير: أما اذا أبيت فاني سأحتال لها فاعني وخلاك ذم (٣) فأرسلها مثلًا، فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم خرج حتى أتى بنت الزبا فقيل: لأمر ما حدع قصير أنفه (٤) فصارت مثلًا. فقيل للزبا هذا قصير خازن جذيمة قد اتاك، قال: فأذنت له وقالت: ما جاء بك؟ قال: اتهمني عمرو في مشورتي على خاله بإتيانك فجدعني، فلا تقرني نفسي مع من جدعني، فأردت أن آتيك فاكون عندك، قالت: فافعل، قال: فان لي بالعراق مالًا كثيرًا، وإن بها طرائف مما تحبين أن يكون عندك، فأرسليني وأعطيني شيئًا بعلة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه وأطرفك من طرائف العراق، ففعلت وأعطته مالا، فقدم العراق فأطرفها من طرائفها، وزادها مالًا كثيرًا إلى مالها، فقال لها: هذا ربح، فأعجبها ذلك وسرت به، فزادته أموالًا كثيرة وردته الثانية، فأطرفها أكثر مما كان اتاها به قبل ذلك، ففرحت وأعجبها، ونزل منها بكل منزلة؛ ولم يزل يتلطف حتى علم مواضع الأنفاق التي بين المدينتين، ثم ردته الثالثة وزادته أموالًا كثيرة عظيمة فأتى عمرًا فقال: احمل الرجال في التوابيت والمسوح عليهم الحديد حتى يدخلوا المدينة ثم أبادرها انا وأنت إلى موضع النفق فتقتلها، فعمد عمرو إلى ألفي رجل من أشجع من يعلم، ثم كان هو فيهم، فلما دنوا أتاها قصير فقال: لو صعدت المدينة فنظرت إلى ما جئت به فاني قد جئت بما صأى وصمت (٥)،
_________________
(١) المثل في جمهرة العسكري ١: ٢٣٥.
(٢) جمهرة العسكري ٢: ٢٩٣ (دون قصة) والدرة الفاخرة: ٣٨٦ والفاخر: ١٨٨ والميداني ٢: ١٨٥ والمستقصي: ١٤٨.
(٣) جمهرة العسكري: ١: ٢٣٥ «فدعني وخلاك ذم» .
(٤) الميداني ٢: ٩٧، ١: ١٥٨ والوسيط: ٢٠٣.
(٥) جمهرة العسكري: ١: ٣٢٠ «جاء بما صاء وما صمت» والميداني ١: ١٢١، ١٥٩ والحيوان ١: ٣٣.
[ ١٤٦ ]
فأرسلها مثلًا - صأى من الإبل والخيل، وصمت من الذهب وغيره؟ وكانت لا تخاف قصيرًا، قد أمنته، فصعدت المدينة، ورجع قصير إلى العير يحمل كل بعيرٍ رجلين دراعين عليهم السلاح كله، فلما رأت ثقل الأحمال على الإبل قالت:
أرى الجمال مشيها وئيدا أجندلًا يحملن أم حديدا
أم صرفنا باردًا شديدا أم الرجال في المسوح سودا (١) الصرفان: ضرب من التمر، ويقال انه الرصاص.
ودخلت الابل كلها فلم يبق منها شيء وتوسطوا المدينة، وكانت افواه الجواليق مربوطةً من قبل الرجال، لكنهم حلوها ووقعوا في الأرض مستلئمين، فشدوا عليها وخرجت هاربةً تريد السرب، فاستقبلها قصير وعمرو عند باب السرب، وكان لها خاتم فيه سم فمصته وقالت: بيدي لا بيديك عمرو (٢)، فذهب قولها مثلًا، وضربها عمرو وقصير حتى ماتت:
وقالت العرب في أمرها وأمر قصير فأكثروا، فقال عدي بن زيد العبادي يخاطب النعمان (٣):
ألا يا أيها المثري المرجى ألم تسمع بخطب الاولينا القصيدة كلها.
وقال نهشل بن حري الدرامي (٤):
ومولى عصاني واستبد بأمره كما لم يطع بالبقتين قصير
فلما رأى ما غب أمري وأمره وولت بأعجاز المطي صدور
_________________
(١) في رواية: أم الرجال جثمًا قعودًا.
(٢) جمهرة العسكري ١: ٢٢٦، ٢٣٥.
(٣) القصيدة في ديوان عدي: ١٨١.
(٤) الأبيات في جمهرة العسكري وياقوت (بقة) .
[ ١٤٧ ]
تمنى أخيرًا أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أمور وقال المخبل السعدي:
يا أم عمرة هل هويت جماعكم ولكل من يهوى الجماع فراق
بل كم رأيت الدهر زيل بينه من لا تزايل بينه الأخلاق
طلب ابنة الزبا وقد جعلت له دورًا ومسربةً لها أنفاق وقال المتلمس (١):
ومن حذر الأيام ما حز أنفه قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرع القوم رهطه تبين في أثوابه كيف يلبس وقال أبو النجم حبيب بن عيسى: كان جذيمة قال لندمائه بلغني عن رجل من لخم يقال له عدي بن نصر ظرف وعقل، فلو بعثت إليه فوليته كأسي، قالوا: الرأي رأي الملك، فبعث إليه فأحضره وصير إليه أمر كأسه والقيام على ندمائه، فأبصرته رقاش أخت جذيمة فأعجبت به، فبعثت إليه: إذا سقيت القوم فامزج لهم واسق الملك صرفًا، فإذا أخذت الخمر منه فاخطبني إليه، ففعل، وأجابه الملك وأشهد عليه القوم، وأدخلته عليها من ليلتها فواقعها، واشتملت على حمل، وأصبح جذيمة فرأى به آثار الخلوق، فقال: ما هذه الآثار يا عدي؟ فقال: آثار العرس برقاش، فزفر جذيمة وأكب على الأرض واغتم يفكر في الأرض، وأخذ عدي مهلة فلم يحس له أثر، وبعث جذيمة إلى رقاش (٢):
خبريني رقاش لا تكذبيني أبحر زنيت أم بهجين
أم بعبد فأنت أهل لعبد أم بدون فأنت أهل لدون
_________________
(١) انظر ما تقدم رقم: ٢٨.
(٢) انظر الأغاني ١٥: ٢٥٠ وما بعدها حيث ترد هذه الرواية مع اختلافات يسيرة، وجمهرة العسكري ١: ٥٤٧ والميداني ٢: ٥٦.
[ ١٤٨ ]
فأرسلت إليه: لعمري ما زينت ولكنك زوجتني، فرضيت ما رضيت لي. فنقلها إلى حصن له فأنزلها اياه، وتم حملها، فولدت غلامًا فسمته عمرًا، حتى إذا ترعرع ألبسته من طرائف ثياب الملوك ثم أزارته خاله، فلما دخل عليه القيت عليه منه المودة، وقذف له في قلبه الرحمة. ثم إن الملك خرج في سنة مكلئة خصيبة قد اكمأت، فسط له في بعض الرياض، وخرج ولدان الحي يجتنون الكمأة، وخرج عمرو فيهم فكانوا إذا اجتنوا شيئًا طيبًا أكلوه، وإذا اجتناه جعله في ثوبه، ثم أقبلوا يتعادون، وأقبل معهم وهو يقول (١):
هذا جناي وخياره فيه إذ كل جانٍ يده إلى فيه ثم استطارته الجن فلم يحسس، ثم اقبل رجلان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل، قد اعتمدا جذيمة بهديةٍ معهما، فنزلا في بعض الطريق، وعمدت قينة لهما فأصلحت طعامهما ثم قربته إليهما، فأقبل رجل طويل الشعر والأظافير حتى جلس منهما مزجر الكلب، ثم مد يده فناولته القينة من طعامهما ثم قربته إليهما، فأقبل رجل طويل الشعر والأظافير حتى جلس منهما مزجر الكلب، ثم مد يده فناولته القينة من طعامهما، فلم يغن عنه شيئًا، ثم أعاد يده فقالت القينة: أعطي العبد كراعًا فطلب ذراعًا (٢)، فأرسلتها مثلًا، ثم سقتهما شرابًا لهما من زق معهما، ثم وكت الزق، فقال عمرو:
عدلت الكأس عنا أم عمرو (٣) الى آخر البيتين ويروى صددت. فسألاه عن نسبه، فانتسب لهما، فنهضا إليه وقرباه، ثم غسلاه ونظفا، وألبساه من طرائف ثيابهما وقدما به على جذيمة، فجعل لهما
_________________
(١) انظر أيضًا الوسيط: ١٨٤.
(٢) الأغاني ١٥: ٢٥١ «إن يعط العبد كراعًا يبتغ ذراعًا» وجمهرة العسكري ١: ١٠٧ وفصل المقال: ٣٩٧ وجمهرة ابن دريد ٢: ٣٨٦ والمستقصي: ١٤٩ واللسان (كرع) .
(٣) هما قوله: صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا
[ ١٤٩ ]