على ما بدا له من عمله، وكان له الريف سواد العراق، فغضب عمرو بن امامة فلحق باليمن، يريد إن يستنصرهم على أخيه عمرو ويغزو بهم، فقال عمرو بن أمامة في ذلك:
ألإبن أمك ما بدا ولك الخورنق والسدير
فلأمنعن منابت الض؟ مران إذا منع القصور
بكتائب تردي كما تردي الى الجيف النسور
إنا بني العلات تق؟ ضى دون شاهدنا المور فنزل عمرو في مراد، فملكوه وعظموه، فتغطرس وجعل يريد إن يستعبدهم، فقتلوه - قتله ابن الجعيد المرادي - فقال في ذلك طرفة بن العبد (١):
أعمرو بن هند ما ترى رأي معشرٍ أفاتوا أبا حسان جارًا مجاورا
دعا دعوةً إذ شكت النبل صدره امامة واستدعى بذاك معاشرا فغزاهم عمرو بن هند حين بلغه قتل عمرو بن امامة، فظفر بهم فقتل فيهم أكثر، وأتى بابن الجعيد سالما فلما رآه قال: بسلاح ما يقتلن القتيل (٢) فأرسلها مثلًا، ثم أمر به فضرب بالعمد حتى مات.
- ٦٢ -
وزعموا أن براقش ابنة تقن كانت امراة لقمان بن عاد، وكان بنو تقن من عاد أصحاب إبل، وكان لقمان صاحب غنم، وكان لا يطعم لحوم الابل، فأطعمته امرأته براقش (٣) من لحوم الإبل فنحر إبلهم التي يحتملون عليها فأكلها ثم قاتل إخوتها على إبلهم، فقيل: على أهلها تجني براقش، فأرسلت مثلًا.
_________________
(١) ديوان طرفة: ١٣٦ (في المنسوب له) .
(٢) المثل في الميداني ١: ٦٧؛ يضرب في مكافأة الشر بالشر، يعني يقتل من يقتل بأي سلاح.
(٣) ويروي على أهلها دلت والمثل في جمهرة العسكري ٢: ٥٢ والميداني ١: ٣١٠ والمستقصي: ٢٤٣ واللسان «برقش) والحيوان ٢: ٢١، ٢٦٠، ٢٩١ والبيان ١: ٢٦٩ والعقد ٣: ٥٤؛ وعند بعضهم أن براقش كلبة نبحث جيشًا كانوا قصدوا أهلها وقد اختفوا فلما نبحثهم عرف مكانهم، فأجتاحهم الجيش، فقالت العرب: أشأم من براقش.
[ ١٥١ ]
وزعموا أن لقمان بن عاد كان زوج أخته رجلًا من قومه ضعيفًا أحمق، فولدت له فاحمقت وأضعفت، فلما رأت ذلك أعجبها أن يكون لها ولد، له مثل أدب لقمان أخيها ودهاؤه، فقالت لامرأة لقمان: إني أمسيت الليلة على طهر، فهل لك على إن أجعل لك جعلًا على إن تخليني وأخي فاكون معه الليلة؟ فقالت: نعم، فسقته حتى سكر، فباتت معه، فحملت له، فولدت غلامًا فسمته لقيمًا، فلما أفاق من سكره وبات عند امرأته من الليلة المقبلة قال: هذا حر معروف وكنت البارحة في حرٍ منكر (١) فذهب قوله مثلًا، قال النمر بن تولب العكلي يذكر عجائب الدهر:
لقيم بن لقمان من أخته وكان ابن أختٍ له وابنما
ليالي حمقت فاستحصنت (٢) إليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل نابه فجاءت به رجلًا محكما وزعموا أن لقيما خرج من أحزم الناس وأنكرهم، وأنه خرج هو لقمان مغيرين، فأصابا إبلًا، فحسد لقمان لقيمًا فقال له لقمان: اختر إن شئت فسر بالليل وأسير أنا في النهار، وان شئت فأقم بالنهار وأسير أنا بالليل، فاختار لقيم إن يسير بالليل ويقيم بالنهار، واختار لقمان إن يسير بالنهار، فأخذ لقيم حصته من الإبل، فجعل إذا كان بالنهار رعى إبله ونام، حتى اذا كان بالليل سار بابله ليله حتى يصبح، وكان يرعاها بالنهار ويسير بالليل، وكان لقمان يسير بالنهار فتشغل ابله بالرعية عن السير وينام الليل، فجعلت إبله لا ترعى كثيرًا فضمرت، وأبطأ في السير فسبقه لقيم، فلما أتى أهله نحر جزورًا فأكلوها، وكان للقمان ابنة يقال لها
_________________
(١) أورده الميداني ٢: ٢٣٢ «وهذا حر معروف» ولم يورد باقيه، وانظر القصة دون المثل في الزاهر ٢: ٢٤.
(٢) الميداني: ليالي حمق فما استحقبت.
[ ١٥٢ ]
صحر، فخبأت له من الجزور لحما تتحف به لقمان إذا جاء، فلما جاء لقمان طبخته أو شوته، ثم استقبلته به قبل أن ينتهي إلى الحي، فلما طعم من اللحم قال: ما هذا؟ قالت: من لحوم العريضات أثرًا، قال: ومن أين لك هذا؟ قالت: جاء لقيم فنحر جزورًا، وكان لقمان يحسب أنه قد سبق لقيمًا، فلما أخبرته أسف، فلطمها لطمة قال بعض من يحدث: ماتت منها، وقال بعضهم: ألقى أضراسها، وقال الناس: ذنب صحر أنها أتحفته وأكرمته وصدقته فلطمها (١)، فصارت مثلًا.
وقال خفاف بن ندبة السلمي (٢):
وعباس يدب لي المنايا وما أذنبت إلا ذنب صحر
وكيف يلومني في حب قوم أبي منهم وأمي أم عمرو وزعموا أن لقمان بن عاد كان إذا اشتد الشتاء وكلب أشد ما يكون شد راحلة موطنة (٣) لا ترغوا ولا يسمع لها صوت فيشتدها برحلها ثم يقول للناس، حين يكاد البرد يقتلهم: ألا من كان غازيًا فليغز (٤)، فلما شب لقيم ابن أخته اتخذ راحلة مثل راحته فوطنها (٥)، فلما كان حين نادى لقمان من كان غازيًا فليفز قال لقيم أنا معك إذا شئت، فلما رآه قد شد رحلها ولم يسمع لها رغاء قال لقمان: كأن
_________________
(١) يرد المثل «ذنب صحر» - دون سائر العبارة - كما يرد «مالي ذنب إلا ذنب صحر» أو مالي إلا ذنب صحر؛ ولدى العسكري قصة غير التي أوردها الضبي وكذلك عند الجاحظ، انظر جمهرة العسكري ٢: ٢٦١ والحيوان ١: ٢١ - ٢٢ وفصل المقال: ٣٨٥ والميداني ٢: ١٤٤ واللسان (صحر) وثمار القلوب: ٣٠٧.
(٢) ترجمة خفاف في الشعر والشعراء: ٢٥٨ والأغاني ١٨: ٢٢ والخزانة ٢: ٤٧٢ والمناقصات بينه وبين عباس بن مرداس واضحة في الأغاني؛ وقد أورد العسكري في الجمهرة ٢: ٢٦٢ الأول من بيتيه المذكورين هنا.
(٣) فصل المقال: موطأة.
(٤) زاد في فصل المقال: فلا يلحق به أحد؛ وهو في الميداني ٢: ١٥ تحت المثل «في نظم سيفك..»
(٥) فصل المقال: فوطأها.
[ ١٥٣ ]
برحل باتت (١)، قال لقيم: وبرحلها باتت لقم (٢)، فذهب قولاهما مثلًا.
ثم أنهما سارا فأغارا فأصابا إبلًا، ثم انصرفا نحو أهلهما، فنزلا فنحرا ناقة، فقال لقمان للقيم: أتعشي أم أعشي لك؟ قال لقيم: أي ذلك شئت، قال لقمان: اذهب فارع إبلك حتى النجم قم (٣) رأس، وحتى ترى الجوزاء كأنها قطا نوافر (٤)، وحتى ترى الشعرى كأنها نار، فإلا تكن عشيت فقد آنيت (٥)، فقال له لقيم: نعم واطبخ أنت لحم جزورك، فإز ماء واغله حتى ترى الكراديس كأنها رؤوس شيوخ (٦) صلع، وحتى ترى الضلوع كأنها نساء حواسر، وحتى ترى الوذر (٧) كأنها قطا نوافر، وحتى ترى اللحم غطيًا وغطفان (٨)، فالا تكن أنضجت فقد آنيت؛ فانطلق لقيم في إبله، ومكث لقمان يطبخ لحمه، فلما أظلم لقمان وهو بمكان يقال له شرج - وهو اليوم ماء لبني عبس - قطع سمرات من شرج فأوقد النار حتى أنضج لحمه، ثم حفر دونه خندقًا فملأه نارًا ثم واراها، فلما أقبل لقيم إلى مكانهما عرف المكان وأنكر ذهاب السمر فقال: أشبه شرج شرجًا لو إن أسيمرا (٩)، فأرسلها مثلًا.
_________________
(١) في فصل المقال: ٢٢٦ كأن برحلها باتت فقم (وفقم اسم ناقة لقيم) .
(٢) لم يورده البكري.
(٣) فصل المقال: قمة.
(٤) فصل المقال: كأنها قطار.
(٥) أنيت: تأخرت.
(٦) فصل المقال والميداني: رجال.
(٧) فصل المقال: الودك؛ وما هنا شبيه لما في الميداني؛ والوذر: قطع صغيرة مناللحم.
(٨) فصل المقال: وكأن قدرك تدعو غنيًا وغطفان (يعني من شدة عليها)؛ الميداني: وحتى ترى اللحم كأنه غطفان يقول: غط غط.
(٩) المثل في فصل المقال: ٢٢٦ والميداني ١: ٢٤٥ وجمهرة العسكري ١: ٦٢ والمستقصي: ٧٨ واللسان شرج) ال البكري: ولم يرد بشرج في هذا المثل إلا واحد الشراج وهي مجاري الماء من الحرار غلى السهولة، واسيمر تصغير أسمر جمع سمر وهو من شجر الطلح.. وخبر أن محذوف كأنه قال: هنالك أو ثم.
[ ١٥٤ ]
ووقعت ناقة من إبله في تلك النار فنفرت، وعرف لقيم إنما صنع لقمان النار لتصيبه، وإنما حسده، فسكت عنه، ووجد لقمان قد نظم في سيفه لحما من لحم الجزور وكبدًا وسنامًا حتى توارى سيفه، وهو يريد إذا ذهب لقيم ليأخذها أن ينحره بالسيف، ففطن له لقيم فقال: في نظم سيفك ما ترى يا لقم (١)، فأرسلها مثلًا.
وحسده لقمان الصحبة فقال: القسمة فقال لقمان: ما تطيب نفسي أن تقسم هذه الإبل إلا وأنا موثق فأوثقني، فأوثقه لقيم، فلما قسم الإبل سوى القسمة وبقي من الإبل عشر أو نحوها، فجشعت نفس لقمان، فنحط نحطة تقطعت منها الانساع التي هو بها موثق، ثم قال لي الغادرة والمتغادرة والأفيل النادرة (٢) فذهب قوله مثلًا. وقال لقيم قبح الله النفس الخبيثة، هو لك، ثم افترقا.
والغادرة: الباقية (٣)، والأفيل تصغير إفال: الولد الصغير من الإبل.
وزعموا أن ابن بيض كان رجلًا من عاد تاجرًا مكثرًا، فكان لقمان يجيز له تجارته ويجيزه ويعطيه في كل عام جارية وحلة وراحلة (٤)، فلما حضر ابن بيض الموت خاف لقمان على ماله، فقال لأبنه: سر إلى أرض كذا وكذا، ولا تقارن (٥) لقمان في أرضه فإن له في عامنا هذا حلة وجارية وراحلة، وضع للقمان فيها حقه، فإذا هو قبله فهو حقه عرفناه له واتقيناه به، وإن لم يقبله وبغي أدركه الله بالبغي والعدوان، فصار الفتى حتى قطع الثنية بأهله وماله، ووضع للقمان حقه فيها، وبلغ لقمان الخبر، فلحقهم، فلما كان في الثنية وجد فيها فأخذه
_________________
(١) فصل المقال: ٢٢٦ والميداني ٢: ١٥.
(٢) انظر الميداني ٢: ١٥.
(٣) الميداني: من قولهم غدرت الناقة إذا تخلفت عن الإبل.
(٤) العسكري: ألفًا وحلة وجارية.
(٥) فصل المقال: تقارب؛ العسكري: تجاورن.
[ ١٥٥ ]