فاقسم لا يعطي رجلًا منهم بعيرًا، فلامه أصحابه فقالوا: ما حملك على ما قلت؟ قال: حسدتكم إن تجعوا إلى هذا الحي من نزار بتسعمائة بعير وأرجع إلى قضاعة بمائة من الإبل ليس غيرها.
- ٨٧ -
زعموا أن المتلمس صاحب الصحيفة كان أشعر أهل زمانه، وهو أحد بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وانه وقف ذات يوم على مجلس لبني قيس بن ثعلبة، وطرفة بين العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة يلعب مع الغلمان، فاستنشد أهل المجلس المتلمس فلما أنشدهم اقبل طرفة بن العبد مع الغلمان يسمعون، فزعموا ان المتلمس أنشدهم هذا البيت (١):
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم الصيعرية سمة يوسم بها النوق باليمن دون الجمال، فقال طرفة: استنوق الجمل (٢)، فأرسلها مثلًا، فضحك القوم، وغضب المتلمس ونظر إلى لسان طرفة وقال: ويل لهذا من هذا يعني نفسه من لسانه، كذا رواه المفضل وإنما الخبر بين المسيب بن علس الضبعي وبين طرفة (٣) .
زعموا أن (٤) عمرو بن المنذر بن امرىء القيس، وكان عم النعمان، وكان يرشح أخاه قابوس بن المنذر - وهما لهند ابنة الحارث بن عمرو الكندي آكل المرار - ليملك بعده، فقدم عليه المتلمس وطرفة فجعلهما في صحابة قابوس، وأمرهما
_________________
(١) انظر ديوان المسيب بن علس: ٣٥٩ وهو أيضًا في شعر المتلمس في اللسان والتاج (نوق) والأغاني ٢٣: ٥٥٩.
(٢) يروي المثل: «قد استنوق..» انظر جمهرة العسكري ١: ٥٤ وفصل المقال: ١٩٠ والميداني ٢: ٢٧ والمستقصي: ٦٦ واللسان (نوق)، وفي العقد ٣: ٩٦ كان جملًا فاستنوق.
(٣) لم يرجح البكري بل قال: هذا الشاعر هو المسيب وقيل هو المتلمس.
(٤) تتصل هذه القصة بما أدرج ف كتب الأمثال تحت: «صحيفة المتلمس» انظر جمهرة العسكري ١: ٥٧٩ والفاخر: ٦٠ والميداني ١: ٢٧٠ واللسان (صحف) والأغاني ٢٣: ٥٤٠ وما بعدها وديوان طرفة: ٩٩ وثمار القلوب: ٢١٦ والخزانة ١: ٤٤٦ والشريشي ١: ٤٣٣.
[ ١٧٤ ]
بلزومه، وكان قابوس شابًا يعجبه اللهو، وكان يركب يومًا في الصيد فيتركض فيتصيد، وهما معه يركضان حتى يرجعا عشية وقد لغبا، فيكون قابوس من الغد في الشراب فيقفان ببابه النهار كلّه فلا يصلان إليه، فضجر طرفة فقال (١):
وليت لنا مكان الملك عمرو (٢) رغوثًا حول قبتنا تخور
من المزمرات أسبل قادماها (٣) وضرتها مركنة درور
يشاركنا لنا رخلان فيها (٤) ويعلوها الكباش فما تنور
لعمرك إن قابوس بن هند ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي كذاك الحكم يقسط أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم تطير البائسات ولا نطير
فأما يومهن فيوم سوء (٥) تطاردهن بالحدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركبًا وقوفًا ما نحل وما نسير وكان طرفة عدوًا لابن عمه عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد، وكان عبد عمرو كريمًا عند بن هند، وكان سمينًا بادنًا فدخل مع عمرو الحمام، فلما تجرد قال: لقد كان ابن عمك طرفة رآك حين قال ما قال، وكان طرفة هجا عبد عمرو قبل ذلك فقال (٦):
ولا خير فيه غير أن قيل واجدٌ (٧) وأن له كشحًا إذا قام أهضما
_________________
(١) الشعر في كتب الأمثال وديوان طرفة: ٩٦.
(٢) الرغوث: النعجة الموضع؛ تخور: تصوت.
(٣) الزمرات: القليلات الصوف وهن أغزر البانًا؛ والضرة: لحم الضرع؛ مركنة: ذات أركان.
(٤) الرخل: الأنثى من ولد الضأن؛ تنور: تنفر.
(٥) الحدب: ما ارتفع من الأرض.
(٦) الشعر في كتب الأمثال وديوان طرفة: ٩٤.
(٧) الديوان: غير أن له غني.
[ ١٧٥ ]
يظل نساء الحي يعكفن حوله (١) يقلن عسيب من سرارة ملهمًا
له شربتان بالعشىِّ (٢) وشربة من الليل حتى آض جيشًا (٣) مورمًا
كان السلاح فوق شعبة بانة (٤) ترى نفخًا ورد الأسرة أسحما
ويشرب حتى تخمر المحض قلبه (٥) وإن أعطه أترك لقلبي مجثمًا فلما قال ذلك قال له عبد عمرو: ما قال لك شر مما قال لي ثم انشده قول طرفة:
وليت لنا مكان الملك عمرو رغوثًا حول قبتنا تخور قال عمرو: وما أصدقك عليه - وقد صدقه، ولكن عمرًا خاف ان ينذره وتدركه له الرحم - فمكث غير كثير ثم دعا المتلمس وطرفة فقال: لعلكما قد اشتقتما إلى أهلكما، وسركما أن تنصرفا، قالا: نعم، فكتب لهما إلى عاملة على هجر ان يقتلهما، وأخبرهما أنه قد كتب لهما بحباءٍ ومعروف، فأعطى كل واحد منهما صحيفة، فخرجا وكان المتلمس قد أسن فمر بنهر الحيرة على غلمان يلعبون المتلمس: هل لك أن تنظر في كتابنا فان كان خيرًا مضينا له، وإن كان شرًا القيناه، فأبى عليه طرفة، فأعطى المتلمس كتابه بعض الغلمان فقراه عليه فاذا فيه السوأة، فالقى كتابه في الماء وقال لطرفة: اطعني وألق كتابك، فأبى طرفة ومضى
_________________
(١) ملهم: اسم موضع باليمامة مشهور بالنخل؛ والعسيب هو عسيب النخلة، وسرارة كل شيء وسطه وأفضله.
(٢) الديوان: له شربتان بالنهار وأربع.
(٣) الديوان: سخدًا؛ والسخد هو ماء الرحم الذي يخرج مع المولد، والجبس الغليظ.
(٤) البانة شجرة ضعيفة، شبه جسمه بها في لينه ورخاوته، وأنه منتفخ أحمر اسرة البطن مع النعمة، والأسرة: طرائق العكن؛ والاسحم: الأسود الذي ليس بخالص السواد، ويروى اصحما وهو الأسود إلى الصفرة.
(٥) المحض: الخالص لعله يعني الخمرة أو اللبن، وفي الديوان: يغمر المحض؛ يقول ولو أنني أعطيت لك الشراب لم أكثر من شربه وتركت لقلبي موضعًا يجثم فيه.
[ ١٧٦ ]