بكتابه حتى أتى به عامله فقتله، ومضى المتلمس حتى لحق بملوك جفنة بالشأم، فقال في ذلك المتلمس (١):
من مبلغ الشعراء عن أخويهم نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما ونجا حذار حبائه المتلمس
ألقى صحيفته ونجت رحله (٢) عنس مداخله الفقارة عرمس
- ٨٨ -
زعموا أن أخوين (٣) كانا فيما مضى في ابل لهما فأجدبت بلادهما، وكان قريبًا منهما وادٍ فيه حية قد حمته من كل واحد، فقال أحدهما للآخر: يا فلان لو أني أتيت هذا الوادي المكلىء فرعيت فيه ابلي وأصلحتها، فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أحدًا لم يهبط ذاك الوادي إلا أهلكته؟ قال: فو الله لأهبطن، فهبط ذلك الوادي فرعى إبله به زمانًا، ثم إن الحية لدغته فقتلته، فقال أخوه: ما في الحياة بعد أخي خير ولأطلبن الحية فأقتلها أو لأتبعن أخي، فهبط ذلك الوادي فطلب الحية ليقتلها، فقالت: ألست ترى أني قتلت أخاك، فهل لك في الصلح فأدعك بهذا الوادي فتكون به وأعطيك ما بقيت دينارًا في كل يوم، قال: أفاعلة أنت؟ قالت: نعم، قال: فإني أفعل، فحلف لها وأعطاها المواثيق لا يضيرها، وجعلت تعطيه كل يوم دينارًاُ فكثر ماله ونبت إبله، حتى كان من أحسن
_________________
(١) الأغاني ٢٣: ٥٤٤ وديوان المتلمس (القصيدة رقم: ٩) .
(٢) العنس: الناقة القوية، العرمس: الصلبة.
(٣) قصة الحية وردت عند ابن قتيبة في الشعر والشعراء: ٩٦ (نقلًا عن المفضل) والميداني ٢: ٦١ «كيف أعاودك وهذا أثر فأسك» وانظر الدميري ١: ٧٣ وهي قصة تتردد خارج نطاق الأدب العربي، فنجد شبيهًا لها عند ايسوب (دالي رقم ٥١) وملحق بابريس رقم: ٥٧٣، ويقال أنها ترجع إلى أصل هندي؛ وقد عرضت لها بشيء من التفصيل في كتابي «ملامح يونانية» ص ٧٣ - ٧٥.
[ ١٧٧ ]
الناس حالًا، ثم ذكر أخاه فقال: كيف ينفعني العيش وأنا انظر إلى قاتل أخي فلان، فعمد إلى فأس فأحدّها ثم قعد لها فمرت به فتبعها فضربها فأخطأها ودخلت الجحر ووقع الفأس بالجبل فوق جحرها فأثر فيه، فلما رأت ما فعل قطعت عنه الدينار الذي كانت تعطيه، فلما رأى ذلك وتخوف شرها ندم، فقال لها: هل لك في: ان نتواثق ونعود إلى ما كنا عليه، فقالت: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك وانت فاجر لا تبالي العهد. فكان حديث. الحية والفأس مثلًا مشهورًا من أمثال العرب. قال نابغة بن ذبيان (١):
ليهنأ لكم إن قد نفيتم بيوتنا (٢) مكان عبدان المحلى باقره
فلو شهدت سهم وأفناء مالك (٣) فتعذرني من مرة المتناصرة
لجاءوا بجمع لم ير الناس مثله (٤) تضاءل منه بالعشي قصائره
وإني لألقى من ذوي الضغن منهم وما اصبحت تشكو من الشجر ساهرة
كما لقيت ذات الصفا من حليفها (٥) وكانت تديه المال غبًا وظاهره
تذكر أنى يجعل الله جنةً فيصبح ذا مال ويقتل واتره
فلما توفى العقل إلا اقله (٦) وجارت به نفس عن الخير جائره
فلما رأى إن ثمر الله ماله وأثل موجودًا وسد مفاقره
أكب على فأس يحد غرابها مذكرةٍ بين المعادل باتره
فقام لها من فوق حجر مشيد ليقتلها أو يخطىء الكف بادره
_________________
(١) الديوان: ١٥٣ وما بعدها.
(٢) الديوان: مندى عبيدان؛ وعبيدان: عبد كان لرجل من عاد، كان يورد إبله أول الناس ثم غلب عليه رجل أقوى منه؛ والمحلئ الذي يمنع ورود الماء، والباقر: جماعة البقر.
(٣) سهم ومالك ابنا مرة بن عوف من ذبيان؛ وبنو مرة كانوا تحالفوا وتناصروا ضد قوم النابغة.
(٤) يقول: من كثرة هذا الجيش تخشع قصائره وتصغر، وقصائره: أرض أو جبل.
(٥) ذات الصفا هي الحية التي تتحدث عنها العرب؛ وهنا ربط بين صدر بيت وعجز آخر.
(٦) العقل: الدية.
[ ١٧٨ ]
فلما وقاها الله ضربة فاسه وللبر عين لا تغمض ناظره
تندم لما فاته الذّحل عندما وكانت له إذا خاس بالعهد قاهرة
فقال تعالي نجعل الله بيننا على مالنا أو تنجزي لي آخره
فقالت مين الله أفعل إنني رأيتك مسحورًا يمينك فاجره
أبى لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقره
[ ١٧٩ ]
فراغ
[ ١٨٠ ]