زعموا أن تقن بنت شريق أحد بني عثم «٤» من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم كانت تحت رجل من قومها، وكان أخوها الريب بن شريق من فرسان بني سعد وأشرافهم، وكانت لها ضرّة، ولضرتها ابن يقال له الحميت. فوقع بين تقن وضرتها شرّ فاستبّتا وتراجزتا، فغلبتها تقن وشتمتها شتما قبيحا، فلما سمع ذلك الحميت أخذ الرمح فطعن به في فخذ تقن فأنفذ فخذها، فلما رأى ذلك أبوه- وكره أن يبلغ أخاها- قال: اسكتي ولك ثلاثون من الإبل ولا يعلم بذلك أخوك، قالت فأخرجها، فأخرجها فوسمتها بميسم أخيها الريب بن شريق وألحقتها بابلها، فكانت في إبلها ما شاء الله.
ثم إن سفيان بن شريق أخا الريب ورد الماء بابله، فلقى الحميت على الماء، فكان بينهما كلام، فضربه الحميت، وكان
[ ٣١ ]
في عنق سفيان بن شريق قروح فأدمى تلك القروح، فأتى سفيان أخاه الريب فذكر له ذلك، فركب الريب فرسا له يقال له الهدّاج ثم لحق الحيّ وهم سائرون، فقال:
من أحسّ من بكر أورق ضلّ من إبلي؟
فيقولون: ما رأيناه، ويمضي حتى لحق بالحميت وهو يسير في أول سلف الحي، فقال: هل أحسست من بكر أورق ضلّ من إبلي، قال: ما رأيته.
ثم إن الريب ألقى سوطه كأنه وقع منه، فقال للحميت: ناولني سوطي، فأكبّ يناوله السوط فقال: أعركتين بالضفير- الضفير: السير المضفور، والضفير موضع، ثم ضربه بالسيف على مجامع كتفيه ضربة كادت تقع في جوفه، ثم مضى على فرسه، فذهب قوله: أعركتين بالضفير مثلا. يقول: أعركتين مرة على أخي ومرة على أختي.
وقال الريب بن شريق:
بكت تقن فآذاني بكاها وعزّ عليّ أن وجعت نساها
سأثأر منك عرس أبيك إني رأيتك لا تجأجىء عن حماها
يعني بالعرس هنا تقنا، يقال جأجأ بابله، إذا حثها على الشرب.
دلفت له بأبيض مشرفيّ ألمّ على الجوانح فاختلاها
دلفت: من الدليف وهو مشي سريع في تقارب خطو.
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يهلك فآجال قضاها
وكان مجربا سيفي صنيعا فيا لك نبوة سيفي نباها
رأيت عجوزهم فصددت عنها لها رحم وواق من وقاها
وخفت الصرم من حفص بن سود وأتبعت الجناية من جناها
الحفص: من قبيلة الحميت، وكان صديقا للريب بن شريق.