زعموا أن زرارة بن عدس «١» بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك رأى يوما ابنه لقيطا مختالا وهو شاب فقال: والله إنك لتختال كأنك أصبت بنت قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء، قال: فإن الله عليّ لا مسّ رأسي غسل ولا أشرب خمرا حتى آتيك بابنة قيس ومائة من هجائن المنذر أو أبلي في ذلك عذرا، فسار لقيط حتى أتى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان سيد ربيعة وبيتهم، وكان عليه يمين ألا يخطب إليه إنسان علانية إلا ناله بشر، وسمّع به، فأتاه لقيط وهو جالس في القوم، فسلم عليه ثم خطب إليه علانية، فقال له قيس: ومن أنت؟ قال: أنا لقيط بن زرارة، قال: فما حملك على أن تخطب إليّ علانية؟ قال:
لأني قد عرفت إني إن أعالنك لا أشنك، وأن أناجك لا أخدعك، قال قيس: كفؤ كريم، لا جرم والله لا تبيت عندي عزبا ولا محروما، ثم أرسل إلى أمّ الجارية:
إني قد زوجت لقيطا القذور بنت قيس فاصنعيها حتى يبتني بها، وساق عنه قيس، فابتنى بها لقيط وأقام معهم ما شاء الله أن يقيم، ثم احتمل بأهله حتى أتى المنذر بن ماء السماء «٢» فأخبره بما قال أبوه، فأعطاه مائة من هجائنه، ثم انصرف إلى أبيه ومعه بنت قيس ومائة من هجائن المنذر.
وزعموا أن لقيطا «٣» لما أراد أن يرتحل بابنة قيس إلى أهله قالت له: أريد أن ألقى أبي فأسلم عليه وأودّعه ويوصيني، ففعلت، فأوصاها وقال: يا بنية كوني له أمة يكن لك عبدا، وليكن أطيب ريحك الماء حتى يكون ريحك ريح شنّ غبّ مطر- والشنّ طيب الريح غب المطر- وإن زوجك فارس من فرسان مضر، وإنه يوشك أن يقتل أو يموت، فإن كان ذلك
[ ٤٤ ]
لا تخمشي وجها ولا تحلقي شعرا.
فلما أصيب لقيط احتملت إلى قومها وقالت: يا بني عبد الله أوصيكم بالغرائب شرا فو الله ما رأيت مثل لقيط لم يخمش عليه وجه ولم يحلق عليه رأس، ولولا أني غريبة لخمشت وحلقت، فلما انصرفت إلى قومها تزوجها رجل منهم فجعل يسمعها تكثر ذكر لقيط، فقال لها: أي شيء رأيت من لقيط قطّ أحسن في عينك؟ قالت:
خرج في يوم دجن وقد تطيّب وشرب فطرد البقر وصرع منها وأتاني وبه نضح الدماء والطيب ورائحة الشراب، فضممته ضمة وشممته شمة، فودت أني كنت مت ثمة، فلم أر قطّ منظرا أحسن من لقيط، فسكت عنها زوجها حتى إذا كان يوم دجن شرب وطيب ثم ركب فصرع من البقر، فأتاها وبه نضح الدماء والطيب وريح الشراب، فضمته إليها، فقال: كيف ترينني أنا أحسن أم لقيط؟ فقالت: ماء ولا كصداء «١» فأرسلتها مثلا
وصداء ركية ليس في الأرض ماء أطيب منها مذكورة بطيب الماء قد ذكرها الشعراء، قال ضرار بن عتبة السعدي «٢»:
فإني وتهيامي بزينب كالذي يخالس من أحواض صدّاء مشربا
يرى دون برد الماء هولا وذادة إذا شدّ صاحوا قبل أن يتحببا
يتحبب: يشرب حتى يروي، وقطّ إذا أريد بها الكفاية كسرت مثل قولك: كسبت درهما فقط، وإذا أريد بها الدهر رفعت كقولك ما رأيت قطّ.
قال حبيب بن عيسى: الحديث أنه كان بين لقيط بن زرارة وبين رجل من أهل بيته يقال له زيد بن مالك ملاحاة فعيره زيد بتركه النكاح وقال: إن أكفاء أهل بيتك يرغبون عنك، ومن غيرهم من العرب عنك أرغب، فلما زوجه قيس قال:
ألم يأت زيدا حيث أصبح أنني تزوجتها إحدى النساء المواجد
عقيلة شيخ لم يكن لينالها سوى عدسي من زرارة ماجد
إذا اتصلت يوما بنسبتها انتهت إلى آل مسعود بن قيس بن خالد
كأن رضاب المسك دون لثاتها على شيم من ماء مزنة بارد
[ ٤٥ ]
لها بشر صافي الأديم كأنه لجين تراه دون حمر المجاسد
إذا ارتفعت فوق الفراش حسبتها شريجة نبع زينت بالقلائد
متى تبغ يوما مثلها تلق دونها مصاعد ليست سبلها كالمصاعد