وكان من أمر داحس «٢» وما قيل فيه من الأشعار والأمثال أن أمه كانت فرسا لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لها جلوى، وأن أباه ذا العقّال كان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك، وإنما سميّ داحسا أن بني يربوع احتملوا ذات يوم سائرين في نجعة، وكان
[ ٥١ ]
ذو العقال مع ابنتي حوط ابن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودي- أي انعظ- فضحك شباب من الحيّ رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه، فنزا على جلوى، فوافق قبولها فأقصّت «١» . ثم أخذه لهما بعض الحيّ فلحق بهم حوط، وكان [رجلا] شريرا سيء الخلق، فلما نظر إلى عين فرسه قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه فقال: والله لا أرضى أبدا حتى آخذ «٢» ماء فرسي، قال له بنو ثعلبة:
والله ما استكرهنا فرسك إنما كان منفلتا، فلم يزل الشرّ بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء فرسكم، فسطا عليها حوط فجعل يده في تراب وماء ثم أدخلها في رحمها حتى ظنّ أنه أخرج الماء؛ واشتملت الرحم على ما فيها فنتجها قرواش مهرا فسمي داحسا بذلك، وخرج كأنه ذو العقال أبوه، وهو الذي قال ابن الخطفي فيه «٣»:
إنّ الجياد يبتن حول فنائنا من آل أعوج أو لذي العقّال
فلما تحرك المهر شيئا مرّ «٤» مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة منتجعون «٥» فرآه حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أول مرة ثم هذا الآن، فقالوا: هو فرسنا ولن نترككم أو تدفعوه إلينا «٦» فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذا لا نقاتلكم [عليه]، أنتم أعزّ علينا منه، هو فداؤكم، فدفعوه إليهم.
فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا إخوتنا مرتين وحلموا عنا وكرموا فأرسلوا به إليهم معه لقوحان، فمكث عند قرواش ما شاء الله، وخرج من أجود خيول العرب.
ثم إن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسيّ أغار على بني يربوع، فلم يصب غير ابنتي قرواش بن عوف ومائة من الإبل لقرواش وأصاب الحيّ وهم خلوف لم يشهد من رجالهم غير غلامين من بني أزنم «٧» بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن الفرس مرتدفيه وهو مقيد، فأعجلهما القوم عن حلّ قيده، واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين «٨» [ضبرا] حتى نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين أن مفتاح القيد مدفون في مذود الفرس بمكان
[ ٥٢ ]
كذا وكذا، فسبقا إليه حتى أطلقاه حيث يرودونه «١» . فلما رأى ذلك قيس بن زهير رغب في الفرس فقال: لكما حكمكما وادفعا إليّ الفرس، قالا: أو فاعل أنت هذا؟ قال: نعم، واستوثقا منه أن يردّ ما أصاب من قليل أو كثير ثم يرجع عوده على بدئه ويطلق الفتاتين ويخلي عن الإبل وينصرف عنهم راجعا، ففعل ذلك قيس، ودفعا إليه الفرس. فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا والله لا نصالحك أبدا، أصبنا مائة من الإبل وامرأتين فعمدت إلى غنيمتنا فجعلتها في فرس لك تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الإبل.
فلمّا جاء قرواش قال للغلامين: أين فرسي؟ فأخبراه الخبر فأبى أن يرضى إلا أن يدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم أن تردّ الفتاتان والإبل إلى قيس بن زهير ويردّ عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شرّ، وانصرف قيس معه داحس، فمكث ما شاء الله.
فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس وبين حذيفة بن بدر أن قيسا دخل على بعض الملوك وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بشعر امرىء القيس «٢»:
دار لهرّ والرباب وفرتنا ولميس قبل حوادث الأيام
وهنّ فيما يذكر نسوة من بني عبس، فغضب قيس بن زهير فشتمها وشق رداءها، فغضب حذيفة، فبلغ ذلك قيسا فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده أفراس له، فعابه قيس وقال «٣»: ما يرتبط مثلك مثل هذه يا أبا مسهر، فقال حذيفة:
أتعيبها؟ قال: نعم، فتجاريا حتى تراهنا.
ويزعم بعضهم أنّ ما هاج الرهان أن رجلا من بني بن غطفان ثم أحد بني جوشن- وهم أهل بيت شوم- أتى حذيفة زائرا فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما أرى فيها جوادا مبرا «٤»، قال حذيفة:
ويلك فعند من الجواد المبرّ؟ قال: عند قيس بن زهير قال: هل لك أن تراهنني عنه؟ قال: نعم قد فعلت، فراهنه على ذكر من خيله وأنثى، ثم إن العبديّ أتى قيسا فقال: إني قد راهنت على فرسين من خيلك ذكر وأنثى وأوجبت الرهان، فقال قيس: ما أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: فإني راهنت حذيفة «٥» قال له قيس:
إنك ما علمت لأنكد، قال: فأتى قيس حذيفة قال: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه، قال: ما أردت ذاك، فأبى حذيفة
[ ٥٣ ]
إلا الرهان، قال قيس: أخيرك ثلاث خصال، إن بدأت فاخترت فلي خصلتان «١» ولك الأولى، وأن بدأت فاخترت فلي الأولى ولك خصلتان، قال حذيفة: فابدأ قال قيس: الغاية من مائة غلوة، قال حذيفة: المضمار أربعون ليلة- أي يضمرون الخيل- والمجرى من ذات الإصاد، ففعلا، ووضعا السبق على يدي غلّاق ابن غلاق أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان.
فزعموا أن حذيفة أجرى الخطّار فرسه والحنفاء، وزعم بعض بني فزارة أنه أجرى قرزلا والحنفاء، وأجرى قيس داحسا والغبراء.
وزعم بعضهم أنه هاج الرهان رجل من بني المعتم «٢» بن قطيعة بن عبس يقال له سراقة راهن شبابا من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة- الغلوة ما بين ثلاثمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع- فلما جاء قيس كره ذلك وقال: إنه لم ينته رهان قطّ إلا إلى شرّ. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة فقالوا: لا حتى تعرف»
لنا سبقنا، فإن أخذنا فحقّنا وإن تركنا فحقّنا، فغضب قيس ومحك «٤»، وقال: أما إذا فعلتم فأعظموا الخطر وأبعدوا الغاية، قالوا: فذاك لك، فجعل الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وتلك مائة غلوة، والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له حصين ويدي «٥» رجل من بني العشراء «٦»، من بني فزارة وهو ابن أخت لبني عبس، وملأوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول الخيل يكرع فيها.
ثم إن حذيفة وقيس بن زهير أتيا المدى الذي أرسلن منه «٧» ينظران إلى الخيل كيف خروجها [منه] فلما أرسلت عارضاها فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، قال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة غلوة «٨»، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس فقال حذيفة:
سبقت يا قيس، فقال قيس جري المذكيات غلاب «٩»، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة فقال حذيفة: إنك لا تركض مركضا [فأرسلها مثلا، ثم قال] سبقت خيلك
[ ٥٤ ]
يا قيس، فقال قيس: رويدا يعلون الجدد «١» - الجدد: الأرض الغليظة، فأرسلها مثلا، لأن الذكور في الوعوث أبقى وأصبر من الإناث، والإناث في الجدد أصبر وأسبق.
وقد جعل بنو فزارة كمينا بالثنية فاستقبلوا داحسا فعرفوه فأمسكوه، وهو السابق، ولم يعرفوا الغبراء وهي خلفه مصلّية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنية، ثم أرسلوه فتمطّر «٢» في آثارها فجعل يندرها «٣» فرسا فرسا حتى انتهى «٤» إلى الغاية مصليا وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية لسبقها، فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلأوها «٥» عن البركة، ثم لطموا داحسا وقد جاءا متواليين، وكان الذي لطمه عمير بن نضلة فجفّت يده فسمي جاسئا، فجاء قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو عبس لقاتلوهم، وإنما كان «٦» من شهد ذلك من بني عبس أبياتا «٧» وقال قيس إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شرا من الظلم فأعطونا حقنا، فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئا، وكان الخطر عشرين من الإبل، فقالت بنو عبس: فأعطوا «٨» بعض سبقنا، فأبوا، قالوا: فأعطونا جزورا ننحرها ونطعمها أهل الماء فإنا نكره القالة في العرب، فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور وجزور واحد سواء، والله ما كنا لنقرّ لك في السبق ولم تسبق «٩» فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيسا قد كان كارها لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإنّ الظلم لا ينتهي إلا إلى شرّ، فأعطوه جزورا من نعمكم، فأبوا فقام رجل من بني فزارة إلى جزور من إبله فعلقها ليعطيها قيسا ويرضيه، فقام ابنه فقال: إنك لكثير الخطأ تريد أن تخالف قومك وتلحق بهم ما ليس عليهم «١٠»، فأطلق الغلام عقالها فلحقت بالنعم، فلما رأى ذلك قيس بن زهير احتمل هو عنهم ومن كان معه من بني عبس، فأتى على ذلك ما شاء الله.
ثم إن قيسا أغار فلقي عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة وهمّوا بالقتال وغضبوا، فحمل الربيع بن
[ ٥٥ ]
زياد «١» أخو بني عوذ «٢» بن غالب بن قطيعة ابن عبس دية عوف بن بدر مائة عشراء «٣» متلية- أي تلاها أولادها «٤» - وأم عوف وأم حذيفة وأخوته الخمسة هي سودة بنت نضلة بن عمير بن جويّة بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة، فاصطلح القوم «٥» فمكثوا ما شاء الله، - ونضلة كان يسمى جابرا.
ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة له يقال لها مليكة بنت حارثة من بني غراب بن ظالم بن فزارة فابتنى باللقاطة قريبا من الحاجر «٦»، فبلغ ذلك حذيفة فدسّ له فرسانا على أفراس من مسان خيلهم فقال: لا تنظروا أن وجدتهم مالكا أن تقتلوه، وربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان [بن قارب العبسي] مجاور حذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع بن زياد معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فلقوا مالكا فقتلوه ثم انصرفوا عنه، فجاءوا عشية وقد أجهدوا أفراسهم، فوقفوا أفراسهم «٧» على حذيفة ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة:
أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم وعقرناه، قال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار، قال حذيفة لمّا أكثر الربيع عليه من اللائمة «٨» وهو يحسب أن الذي أصابوا حمارا: إنا لم نقتل حمارا، ولكنا قتلنا مالك بن زهير بن عوف بن بدر، فقال الربيع: بئس لعمر الله القتيل قتلت، أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره «٩»، فتراجعا شيئا ثم تفرقا، فقام الربيع يطأ الأرض وطأ شديدا، وأخذ حمل بن بدر ذا النون سيف مالك بن زهير.
فزعموا أن حذيفة لما قام الربيع أرسل أمة مولدة فقال: اذهبي إلى معاذة بنت بدر امرأة الربيع فانظري ما ترين الربيع يصنع، فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت فاندست بين الكفاء والنضد، فجاء الربيع فنفذ البيت حتى أتى فرسه، فقبض معرفته ومسح متنيه حتى قبض بعكوة ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه فهزه هزا شديدا ثم ركزه كما كان، ثم قال لا مرأته اطرحي لي شيئا فطعت له شيئا فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت منه: فقال: إليك، قد حدث أمر، ثم تغنّى «١٠»:
نام الخليّ وما أغمض حار من سيء النبأ الجليل الساري
[ ٥٦ ]
من مثله تمسي النساء حواسرا وتقوم معولة مع الأسحار
من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه «١» نهار
معناه أنه إذا نظر إلى النساء وما يصنعن لمقتل مالك علم أن رهطه لا يقرون لذلك حتى يدركوا بثأرهم:
يجد النساء حواسرا يندبنه يضربن أوجههنّ بالأسحار «٢»
قد كنّ يخبأن الوجوه تسترا فالآن حين بدون للنظار
يخمشن حرّات الوجوه على امرىء سهل الخليقة طيب الأخبار
أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو السناء عواقب الأطهار
ما إن أرى في قتله لذوي النهي إلا المطيّ تشدّ بالأكوار
ومجنّبات ما يذقن عذوفا يقذفن بالمهرات والأمهار «٣»
ومساعرا صدأ الحديد عليهم فكأنما تطلى»
الوجوه بقار
يا ربّ مسرور بمقتل مالك ولسوف يصرفه بشرّ محار «٥»
قال: فرجعت الأمة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين استجمع «٦» أمر أخيكم، ووقعت الحرب.
وقال الربيع لحذيفة- وهو يومئذ جار له- سيرني فإني جاركم-، فسيره ثلاث ليال «٧» ووجّه معه قوما لهم: إنّ مع الربيع فضلة من خمر فإن وجدتموه قد هراقها فهو جادّ، وقد مضى فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه فإنكم تجدونه قد مال لأدنى روضة «٨» فرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجوده قد شقّ الزقّ ومضى فانصرفوا.
فلما أتى الربيع قومه وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها فلم يرددها على قيس، فعرض قيس بن زهير لفاطمة بنت الخرشب الأنماريّة من بني أنمار بن بغيض «٩» - وهي أم الربيع بن زياد- وهي تسير في ظعائن من بني عبس، فاقتاد
[ ٥٧ ]
جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تردّ عليه، فقالت: ما رأيت كاليوم قطّ فعل رجل، أي يضل حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا فقال الناس في ذلك ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه «١»، فأرسلتها مثلا، فعرف قيس ما قالت له فخلى سبيلها وطرد إبلا لبني زياد حتى قدم بها مكة فباعها من عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فقال قيس في ذلك «٢»:
ألم يبلغك «٣» والإنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشيّ تشرى بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر وأخوته على ذات الإصاد
هم فخروا عليّ بغير فخر وردّوا دون غايته جوادي
وكنت إذا منيت بخصم سوء دلفت له بداهية نآد
بداهية تدقّ الصلب منه فتقصم أو تجوب «٤» عن الفؤاد
وكنت إذا أتاني الدهر ربق «٥» بداهية شددت له نجادي
قال العدوي: ربق وربيق الداهية، وأمّ الربيق الداهية، والنجاد حمائل السيف.
ألم يعلم بنو الميقاب أني كريم غير معتلث الزناد «٦»
أي ليس بفاسد الأصل. الوقب: الأحمق والميقاب مثله، وقالوا [الميقاب]: التي تلد الحمقى؛ ومعتلث لا خير فيه.
أطوّف ما أطوّف ثم آوي إلى جار كجار أبي دواد «٧»
جار قيس بن زهير «٨»: ربيعة [الخير] بن قرط بن غيلان بن أبي بكر بن كلاب، ويقال جار أبي دواد الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان أبو داود في جواره فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير فغمسوا بنيّ أبي دواد فمات، فخرج الحارث فقال: لا يبقى في الحيّ صبيّ إلا
[ ٥٨ ]
غرقته في الغدير، فودي ابن أبي دواد لذلك عدة ديات.
إليك ربيعة الخير بن قرط وهوبا للطريف وللتلاد
كفاني ما أخاف أبو هلال ربيعة فانتهت عني الأعادي
تظلّ جياده يجمزن حولي بذات الرّمث كالحدأ الغوادي
كأني إذ أنخت إلى ابن قرط عقلت إلى يمامة أو نضاد
ويورى: إلى يلملم أو نضاد وهما جبلان.
وقال قيس بن زهير:
إن تك حرب فلم أجنها جنتها صبارتهم «١» أو هم
صبارتهم: خلفاؤهم.
حذار الردى إذ رأوا خيلنا مقدّمها سابح أدهم
السابح: الكثير الجري:
عليه كميّ وسرباله مضاعفة نسجها محكم
وإن شمرت لك عن ساقها قويها ربيع فلا تسأموا
زجرت ربيعا فلم ينزجر كما انزجر الحارث الأجذم «٢»
إذا نصب ربيع أراد الترخيم يا ربيعة، فلما حذف الهاء للترخيم ترك العين مفتوحة، ومن رفع ذهب به مذهب الإسم التام المفرد وإن كان مرخما، كقول ذي الرمة:
فياميّ ما يدريك «٣»
وكانت تلك الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه، فزعموا أن قيسا دسّ غلاما [له] مولّدا فقال: انطلق كأنك تطلب إبلا فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل مالك ثم احفظ ما يقولون فأتاهم العبد فسمع الربيع يتغنّى بقوله:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو النساء عواقب الأطهار
فلما رجع العبد إلى قيس أخبره بما سمع من الربيع بن زياد، فعرف قيس أنه قد غضب له، فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة، فأرسلوا إليهم أن ردوا إبلنا التي ودينا بها عوف بن بدر أخا حذيفة لأمه، قال: لا أعطيهم دية ابن أمي وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر وهو ابن الأسدية، فأنتم وهو أعلم.
ويزعم بعض الناس أنهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية- والمتالي التي في بطونها أولادها وقد تم حملها فإنما ينتظر نتاجها- وأنه أتى على تلك الإبل أربع
[ ٥٩ ]
سنين وقد توالدت، وأن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها فقال له سنان بن أبي حارثة: أتريد أن تلحق بنا خزاية فتعطيهم أكثر مما أعطونا فتسبّنا العرب بذلك؟
فأمسكها حذيفة، وأبى بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بأعيانهم، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلا له فمر على جنيدب أخي بني رواحة فرماه بسهم فقتله يوم المعنقة فقالت ابنة مالك بن بدر «١»:
لله عينا من رأى مثل مالك عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يشربا قطّ شربة «٢» وليتهما لم يرسلا لرهان
أحلّ به جنيدب أمس نذره فأيّ قتيل كان في غطفان
إذا سجعت بالرقمتين حمامة أو الرسّ فأبكي فارس الكتفان «٣»
ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم «٤» بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض مشى في الصلح ورهن بني ذبيان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حتى يصطلحوا، وجعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن ذبيان، فمات سبيع وهم على يديه «٥» فأخذهم حذيفة من بنيه فقتلهم «٦» .
ثم إن بني فزارة تجمعوا هم وبنو ثعلبة وبنو مرة فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة «٧» فهزمتهم بنو عبس وقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي- قتله الحكم بن مروان بن زنباع العبسي- وعبد العزى بن حذار الثعلبي والحارث بن بدر الفزاري، وقتلوا هرم بن ضمضم المري- قتله ورد بن حابس العبسي- ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة «٨» هرم بن ضمضم- هو من بكر بن ضمضم-:
يا لهف نفسي لهفة المفجوع ألّا أرى هرما على مودوع «٩»
من أجل سيدنا ومصرع جنبه علق الفؤاد بحنظل مصدوع
أي من أجله محترق فؤادها وكأنما أكل حنظلا.
ثم إن حذيفة جمع وتهيأ واجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس بن زهير:
أطيعوني فو الله لئن لم تفعلوا لا تكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقالوا:
[ ٦٠ ]
نطيعك، فأمرهم فسرّحوا السوام والضعفاء بليل وهم يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح فأصبحوا على ظهر دوابّهم «١»، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحوا طلعت الخيل عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم ولا يريدون بكم في أنفسكم «٢» شرا من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال:
أبعدهم الله، وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم؟! فاتبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال، فلما أدركوه ردّوا أوله على آخره، ولم يفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل فيذهب بها، وتفرقوا واشتدّ الحر، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس إن القوم قد فرق بينهم المغنم، فاعطفوا الخيل في آثارهم، ففعلوا فلم يشعر بنو ذبيان إلا بالخيل دواس «٣» - يعني متتابعة- فلم يقاتلهم كثير «٤» أحد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل منهم في غنيمته أن يحوزها وينجو بها، فوضع بنو عبس السلاح فيهم حتى ناشدهم بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين يقتفون أثره، وأرسلوا خيلا مقدمة تنفض الناس وتسألهم حتى سقط على أثر حذيفة من الجانب الأيسر أبو عنترة شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس وعمرو بن الأسلع وقرواش بن هنيّ والحارث بن زهير وجنيدب بن زيد، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه فوضع رجله على حجر مخالفة أن يقتصّ أثره، ثم شدّ الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض فعرفوه بحنف «٥» فرسه فاتبعوه، ومضى حذيفة حتى استغاث بجفر الهباءة»
- الجفر: ما لم يطو من الآبار- وقد اشتد عليه الحر فرمى بنفسه فيه، ومعه حمل بن بدر وحنش بن عمرو وورقاء بن بلال وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم ووقعوا في الماء فتمعكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطّلع وينظر فإذا لم ير شيئا رجع فنظر نظرة فقال: إني قد رأيت شخصا كالنعامة أو كالطير فوق القتادة من قبل مجيئنا، فقال حذيفة «٧» هذا شداد على جروة، فحال بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن
[ ٦١ ]
الأسلع ثم جاء قرواش حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم فاطّردها وحمل عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجفر فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقل «١» وأين الأحلام؟ فضرب حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم «٢» فأرسلها مثلا، وقتل قرواش بن هنيّ حذيفة بن بدر وقتل الحارث بن زهير حملا وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر حذيفة حوله قصد العوالي «٣»
سيخبر قومه حنش بن عمرو إذا لا قاهم وابنا بلال
ويخبرهم مكان النون مني وما أعطيته عرق الخلال
من المخالّة، أي ما أعطيته عن صداقة وصفاء ودّ.
فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض:
سيخبرك الحديث بكم خبير يجاهدك العداوة غير آل «٤»
بداءتها لقرواش وعمرو وأنت تجول جوبك في الشمال
أي فعل قرواش هذا الفعل. العرق:
العطية، والخلال: المخالة، يقول: لم تعطوني السيف عن مودة ولكني قتلته وأخذته، وقوله وأنت تجول جوبك في الشمال، الجوب: الترس، يريد أن قرواشا وعمرو بن الأسلع اقتحما الجفر وقتلا من قتلا وأنت ترسك في يدك لم تغن شيئا، ويقال: لك البداءة ولفلان العوادة.
وقال قيس بن زهير في ذلك «٥»:
تعلّم أن خير الناس ميت على جفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني فمعوجّ عليّ ومستقيم
وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي:
من يك سائلا عني فإني وجورة لا تباع «٦» ولا تعار
[ ٦٢ ]
مقربة الشتاء ولا تراها أمام الحيّ يتبعها المهار
ويروي أمام الخيل، يريد أنها فرس حرب لا يطلب نسلها.
لها بالصيف آصرة وجل وستّ من كرائمها غزار «١»
كرائم من الإبل تشرب هذه الفرس ألبانها.
ألا أبلغ بني العشراء عني علانية وما يغني السّرار
قتلت سراتكم وحسلت منكم حسيلا مثل ما حسل الوبار «٢»
الحسيل: الرديء، يقول: أنفيت شراركم، وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم.
ولم أقتلكم سرّا ولكن علانية وقد سطع الغبار «٣»
وكان ذلك اليوم يوم ذي حسي «٤» - وحسى واد فيه ماء.
ويزعم بعض بني فزارة أن حذيفة كان أصاب فيما أصاب من بني عبس تماضر بنت الشريد السلمية أم قيس بن زهير فقتلها، وكانت في المال. ثم إن بني عيس ظعنوا فحلوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان فخافوا، فقاتلتهم كلب فهزمهم بنو عبس وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي ثم أحد بني عليم بن جناب، فقال في ذلك عنترة «٥»:
ألا هل أتاها أنّ يوم عراعر شفى سقما لو كانت النفس تشتفي «٦»
أتونا على عمياء ما جمعوا لنا بأرعن لا خلّ ولا متكشّف «٧»
تماروا بنا إذ يمدرون حياضهم على ظهر مقضيّ من الأمر محصف «٨»
علالتنا في كلّ يوم كريهة بأسيافنا والقرح لم يتقرف «٩»
وما نذروا حتى غشينا بيوتهم بغيبة موت مسبل الودق مذعف «١٠»
أي تشككوا في رجوليتنا حتى استعملوا الحياض، علالتنا: أي بقيتنا.
فأجلتهم الحرب فلحقوا بهجر فامتاروا منها، ثم حلوا على بني سعد بالفروق وقد آمنهم بنو سعد ثلاث ليال فأقاموها، ثم شخصوا عنهم، فاتبعهم ناس من بني سعد فقاتلهم العبسيون فامتنعوا حتى رجع بنو سعد وقد خابوا منهم ولم يظفروا بشيء، فقال في ذلك عنترة بن شداد بن معاوية «١١»:
[ ٦٣ ]
ألا قاتل الله الطلول البواليا وقاتل ذكراك السنين الخواليا
القصيدة كلها «١» .
ثم سئل قيس بن زهير: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب لم نكثر فنفشل ولم نقلّ فنضعف.
ثم سار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إنّ بني حنيفة قوم لهم عزّ وحصون فحالفوهم، فخرج قيس حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي «٢» وهو يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يردّ مثلكم، ولكنّ لي في قومي أمراء لا بدّ من مشاورتهم، وما ننكر حسبك ولا نكايتك؛ فلما خرج قيس من عنده قيل له: ما تصنع، أتعمد إلى أفتك العرب وأحزمهم «٣» فتدخله أرضك ليعلم وجوه أرضك وعورة قومك ومن أين يؤتون؟! فقال: كيف أصنع وقد وعدت له على نفسي «٤»، وأنا أستحيي من رجوعي؟
فقال له السمين الحنفي: أنا أكفيك قيسا، وهو رجل حازم متوثّق لا يقبل إلا الوثيقة، فلما أصبح قيس غدا عليه، ولقيه السمين فقال: إنك على خير وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قيس ومرّ على جمجمة بالية فضربها برجله ثم قال: رب خسف قد أقرّت به هذه الجمجمة مخافة مثل هذا اليوم، وما أراها وألت منه «٥» وإن مثلي لا يرضى إلا القويّ من الأمر، فلما لم ير ما يحبّ احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، وهم بنو اختهم، وبنو شكل هم من بني الحريش ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم، فكانوا يرون عليهم «٦» أثرة وسوء جوار وأشياء تريبهم، ويستخفّون بهم، فقال نابغة بني ذبيان «٧»:
لحا الله عبسا عبس آل بغيض «٨» كلحى الكلاب العاويات وقد فعل
فأصبحتم والله يفعل ذاكم يعزّكم مولى مواليكم شكل
إذا شاء منهم ناشيء دربخت له لطيفة طيّ البطن رابية الكفل
دربخت المرأة: أي جبّت له وخضعت وقامت على أربع حتى يأتيها.
فمكثوا مع بني عامر، يتجنّون عليهم ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو
[ ٦٤ ]
ذبيان وبنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبان بن بدر «١» فكانوا معهم ما شاء لله.
ثم إن رجلا من الضباب أسرته بنو عبد الله بن غطفان [والضبابي هو أخو الحنبص] فدفعه الذي أسره إلى رجل من أهل تيماء يهودي، فاتهمه اليهوديّ بامرأته فخصاه، فقال الحنبص الضبابيّ لقيس بن زهير: أدّ إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله بن غطفان أصابوا صاحبنا، وهم حلفاء بني عبس، فقال: ما كنا لنفعل، فقال: والله لو أصابه «٢» مرّ الريح لوديتموه، فقال قيس بن زهير في ذلك:
لحا الله قوما أرّشوا الحرب بيننا سقونا بها مرا من الشّرب آجنا
وحرملة الناهيهم عن قتالنا وما دهره ألّا يكون مطاعنا
أكلّف ذا الخصيين إن كان ظالما وإن كان مظلوما وإن كان شاطنا
خصاه امرؤ من أهل تيماء طابن ولا يعدم الإنسيّ والجنّ طابنا «٣»
فهلّا بني ذبيان وسط بيوتهم رهنت بمرّ الريح إن كنت راهنا
وخالستهم حقي خلال بيوتهم وإن كنت ألقى من رجال ضغائنا
إذا قلت قد أفلتّ من شر حنبص لقيت بأخرى حنبصا متباطنا
فقد جعلت أكبادنا تجتويهم كما يجتوي سوق العضاة الكرازنا
العضاه: كل شجر له شوك، والكرازن:
المعاول، الواحد كرزين.
تدرّوننا بالمنكرات كأنما تدرّون ولدانا ترمّى الرهادنا «٤»
تدروننا: تختلوننا، والرهادن: جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور.
فقال النابغة الذبياني جوابا لقيس «٥»:
أبك بكاء النساء «٦» إنك لن تهبط أرضا تحبّها أبدا
نحن وهبناك للحريش وقد جاوزت في الحيّ جعفرا عددا
وأغار قرواش بن هني العبسي- وبنو عبس يومئذ في بني عامر- على بني فزارة، فأخذه أحد بني الشعراء- الأخرم بن سيار [أو ثطبة بن سيار] بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سميّ بن مازن بن فزارة «٧» - أخذه تحت الليل، فقالوا له:
من أنت؟ فقال: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني مازن، وكانت
[ ٦٥ ]
[ناكحا] في بني عبس، فقالت: أبا شريح أما والله لنعم مأوى الأضياف وفارس الخيل أنت، فقالوا له: ومن أنت؟ قال:
قرواش بن هنّي، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه، وكان قتل حذيفة، ويزعم بعض الناس أنهم دعوه إلى بني سبيع فقتلوه بمالك بن سبيع، وكان قتل مالك بن سبيع الحكم بن مروان بن زنباع فقال نهيكة بن الحارث من بني مازن بن فزارة:
صبرا بغيض بن ريث إنها رحم قطعتموها أنا ختكم بجعجاع
فما أشطّت سميّ أن هم قتلوا بني أسيد بقتلى آل زنباع
لقد جزتكم بنو ذبيان ضاحية بما فعلتم ككيل الصاع بالصاع
قتلا بقتل وتعقيرا بعقركم مهلا حميض فلا يسعى بها الساعي
وقال في ذلك عنترة «١»:
هديّكم خير أبا من أبيكم أعفّ وأوفى بالجوار وأحمد «٢»
وأحمى لدى الهيجا «٣» إذا الخيل صدّها غداة الصياح السمهريّ المقصّد
فهلّا وفي الفوغاء عمرو بن جابر بذمّته وابن اللقيطة عصيد «٤»
سيأتيكم مني وإن كنت نائيا دخان العلندي حول بتي مذود «٥»
قصائد من بزّ امرىء يجتديكم وأنتم بجسمي فارتدوا وتقلدوا «٦»
أي يطلب منكم الثأر.
وقال قيس بن زهير «٧»:
مالي أرى إبلي تحنّ كأنها نوح تجاوب موهنا أعشارا «٨»
نوح: نساء ينحن، والأعشار: جمع عشر وهو أن يرد الماء في اليوم التاسع، وهذا مثل، والموهن: بعد صدر من الليل.
لن تهبطي أبدا جنوب مويسل وقنا قراقرتين فالأمرارا
أجهلت من قوم هرقت دماءهم بيدي ولم أدهم بجنب تعارا
إن الهوادة لا هوادة بيننا إلا التجاهد فاجهدنّ فزارا
إلا التزاور فوق كل مقلّص يهدي الجياد إذا الخميس أغارا
فلأهبطنّ الخيل حرّ بلادكم لحق الأياطل تنبذ الأمهارا
حتى تزور بلادكم وتروا بها منكم ملاحم تخشع الأبصارا
[ ٦٦ ]
وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير ومالك بن بدر:
أخي والله خير من أخيكم إذا ما لم يجد بطل مقاما
أخي والله خير من أخيكم إذا ما لم يجد راع مساما
أخي والله خير من أخيكم إذا الخفرات أبدين الخداما
قتلت به أخاك وخير سعد فإن حربا حذيف وإن سلاما
تردّ الحرب ثعلبة بن سعد بحمد الله يرعون البهاما
وكيف تقول صبر بني حجان إذا غرضوا ولم يجدوا مقاما «١»
وتغني مرّة الأثرين عنّا عروج الشاء تتركهم قياما
ولولا آل مرة قد رأيتم نواصيهنّ ينضون القتاما «٢»
وقال نابغة بني ذبيان «٣»:
أبلغ بني ذبيان أن لا أخالهم بعبس إذا حلّوا الدماخ فأظلما «٤»
بجمع كلون الأعبل الجون لونه ترى في نواحيه زهيرا وحذيما «٥»
هم يردون الموت عند لقائه إذا كان ورد الموت لا بدّ أكرما
ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفدا فأرسلت إليهم بنو تغلب بستة عشر راكبا منهم ابن الخمس التغلبي قاتل الحارث بن ظالم، وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك. فلما أتى الوفد بني عبس قال قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا، حتى مرّ بابن الخمس، فقال قيس: إن زمانا أمنتنا فيه لزمان سوء، قال ابن الخمس: وما أخاف منك، فو الله لأنت اذل من قراد بمنسم ناقتي «٦» فقتله قيس، وإنما يقتله بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل بزهير بن جذيمة خالد بن جعفر بن كلاب، فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني عبس ارجعوا إلى قومكم فهم خير أناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا أجاور بيتا غطفانيا أبدا، فلحق بعمان فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس، فقال الربيع بن زياد في ذلك «٧»:
حرّق قيس عليّ البلاد حتى إذا استعرت أجذما
أجذم: ذهب، ويقال إنه لمجذام الركض إذا أسرع.
[ ٦٧ ]
جنيّة حرب جناها فما تفرّج عنه وما أسلما
عشية يردف آل الرباب يعجل بالركض أن يلجما
في نسخة غداة مررت بآل الرباب، والرباب امرأة يعشقها قيس بن زهير.
ونحن فوارس يوم الهرير إذ تسلم الشفتان الفما «١»
عطفنا وراءك أفراسنا وقد مال سرجك فاستقدما
إذا نفرت «٢» من بياض السيوف قلنا لها اقدمي مقدما
ولما انصرف الربيع- وكان يسمى الكامل- أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، فوقفوا عليه فقالوا له: أحسست لنا الحارث بن عوف- وهو يعالج نحيا له- فقال: هو في أهله، ثم رجعوا وقد لبس ثيابه، فقالوا: ما رأينا كاليوم قط مركوبا [إليه] قال: ومن أنتم، قالوا: بنو عبس ركبان الموت، قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، مرحبا بكم، لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة، قالوا: أنأتي غلاما حديث السن قد قتلنا أباه وأعمامه ولم نره قط؟! قال الحارث: نعم [إن] الفتى حليم وأنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه ولم يكن رآهم، فلما رآهم عرفهم، قال:
هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه فقال: من أنتم قالوا: ركبان الموت، فحياهم وقال:
بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم، هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف، قالوا: لم نأته، وكتموه اتيانهم إياه، فقال:
فأتوه، فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا، فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه، فلما أتوه حلف عليه حصن:
هل أتوك قبلي، قال نعم، قال: فقم بين عشيرتك فإني معينك بما أحببت، قال الحارث: أفأدعو معي خارجة بن سنان؟
قال نعم، فلما اجتمعا قالا لحصن: اتجيرنا من خصلتين: من الغدر بهم والخذلان لنا؟
قال: نعم، فقاما بينهما فباءوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد ألف ناقة أعانهما فيها حصن بخمسمائة ناقة.
وزعموا إنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم المريّ قد حلف لا يمسّ غسلا حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن [وهب بن] الحارث بن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقي حصين بن ضمضم فقتله بأخيه، فقال حيان بن حصن «٣» أحد بني مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عبس:
سالم الله من تبرّأ من غي ظ وولّى أثامها يربوعا
[ ٦٨ ]
قتلونا بعد المواثيق بالسّح م تراهنّ في الدماء كروعا «١»
إن تعيدوا حرب القلبي علينا تجدوا أمرنا أحذّ جميعا
فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم ربيعة بن وهب، غضبوا، وغضب حصن في قتل ابن اختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، وغضبت بنو عبس فأرسل إليهم الحارث بابنه فقال: اللبن أحبّ إليكم أم أنفسكم- يعني ابنه- يقول:
إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فالدية، قالوا:
بل اللبن، فأرسل إليهم بمائة من الإبل دية ربيعة بن وهب فقبلوا الدية وتموا على الصلح، فقال في ذلك شييم بن خويلد الفزاري «٢»:
حلّت أمامة بطن التين فالرّقما واحتلّ أهلك أرضا تنبت الرتما «٣»
من ذات شكّ إلى الأعراج «٤» من إضم وما تذكّره من عاشق أمما
هم بعيد وشأو غير مؤتلف إلا بمزؤودة لا تشتكي السأما «٥»
أنضيتها من ضحاها أو عشيتها في مستتب يشقّ البيد والأكما
سمعت أصوات كدريّ الفراخ به مثل الأعاجم تغشي المهرق القلما «٦»
يا قومنا لا تعرّونا مضلمة يا قومنا واذكروا الآلاء والذمما «٧»
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله شنعاء شيّبت الأصداغ واللمما
عيّ المسود بها والسائدون ولم يوجد لها غيرنا مولىّ ولا حكما
كنّا بها بعد ما طيخت عروضهم كالهبرقية ينفي ليطها الدّسما
أي ينقطر منها الدم، طيخت: دنّست، والطيخ الفساد، والهبرقية [السيوف] والهبرقي: الحدّاد، أراد كالسيوف التي تشنّ الدم، والليط: اللون، ليط الإنسان: جلده ولونه.
إني وحصنا كذي الأنف المقول له ما منك أنفك إن أعضضته الجلما
أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغنى عن الأنف.
أإن أجار لا أبا لكم حصن تقطّر آفاق السماء دما
أدّوا ذمامة حصن أو خذوا بيد حربا تحشّ الوقود الجزل والضّرما
الضرم: صغار الحطب، أي اعطوا الرضى بدية أو غيرها أو ائذنوا بحرب.
وقال في ذلك عبد قيس بن بجرة «٨»
[ ٦٩ ]
أخو بني شمخ بن فزارة، وهو ابن عنقاء، يعتذر عن حصين بن ضمضم المري:
إن تأت عبس وتنصرها عشيرتها فليس جار ابن يربوع بمخذول
كلا الفريقين أغنى قتل صاحبه هذا القتيل بميت أمس «١» مطلول
باءت عرار بكحل «٢» والرفاق معا فلا تمنّوا أمانيّ الأضاليل «٣»
وعرار: مثل حذام وقطام، أي اتفقوا واصطلحوا، وعرار وكحل، ثور وبقرة كانا في سبطين من بني إسرائيل، فعقر كحل فعقرت به عرار، فوقع الشرّ بينهم حتى كادوا أن يتفانوا- فضربت العرب بهما مثلا.
وقال زهير بن أبي سلمى يذكر الحارث بن عوف وخارجة بن سنان وحملهما ما حمالا من دماء بني عبس وبني ذبيان «٤»:
لعمري لنعم السيدان وجدتما على كلّ حال من سحيل ومبرم
إلى آخر القصيدة.
وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباءوا بين القتلى أقبلوا يسيرون حتى نزلوا على ماء يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة وبنو فزارة لبني ثعلبة: أعرضوا عن بني عبس فقد باءونا بعض القتلى ببعض، فقالت بنو ثعلبة: كيف تباؤون بعبد العزّى بن حذار ومالك بن سبيع؟
أتهدرونهما وهما سيدا قيس؟ فو الله لا نسم هذا بأنوفنا، فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشا. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية، ويزعمون أنها كانت أول الحمالة.
فقال في ذلك معقل بن عوف بن سبيع الثعلبي:
لنعم الحيّ ثعلبة بن سعد إذا ما القوم عضّهم الحديد
هم ردّوا القبائل من بغيض بغيظهم وقد حمي الوقود
تطلّ دماؤهم والفضل فينا على قلهى ونحكم ما نريد
وقال الربيع بن زياد في حرب داحس «٥»:
إن تك حربكم أمست عوانا فإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوها وحشّوا نارها لمن اصطلاها
[ ٧٠ ]
فإني لست خاذلكم ولكن سأشفي الآن إذ بلغت إناها
ولد سودة: حذيفة وإخوته الخمسة، أمهم سودة بنت نضلة بن عمير بن جرية.
وقال عنترة بن شداد بن معاوية «١»:
سائل عميرة حين اجلب جمعها عند الحروب بأيّ حيّ تلحق «٢»
أبحيّ قيس أم بعذّرة بعد ما رفع اللواء لها وبئس الملحق
وأسأل حذيفة حين أرّش بيننا حربا ذوائبها بموت تخفق «٣»
فلتعلمنّ إذا التقت فرساننا بلوى النجيرة «٤» أنّ ظنك أحمق
فهذا ما كان من حديث داحس. وبلغنا أن الحرب التي كانت فيه أربعون سنة، وصار داحس مثلا ويقال: أشأم من داحس «٥» .
وقال بشير بن أبيّ العبسي:
إن الرباط النّكد من آل داحس جرين فلم يفلحن يوم رهان «٦»
فسببن بعد الله مقتل مالك وغرّبن قيسا من وراء عمان
ويمنع منك السبق إن كنت سابقا وتلطم إن زلّت بك القدمان
لطمن على ذات الإصاد وجمعهم يرون الأذى من ذلة وهوان
تمّ حديث داحس «٧» والحمد لله رب العالمين.