وكان من حديث بيهس «٨» أنه كان رجلا
[ ٧١ ]
من بني غراب بن فزارة بن ذبيان بن بغيض وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من أشجع وبينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا ستة وبقي بيهس، وكان يحمّق، وكان أصغرهم، فأرادوا قتله ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا يحسب عليكم برجل ولا خير فيه، فتركوه فقال:
دعوني أتوصل معكم إلى أهلي فإنكم أن تركتموني وحدي أكلتني السباع وقتلني العطش، ففعلوا فأقبل معهم، فلما كان في الغد نزلوا فنحروا جزورا في يوم شديد الحر فقالوا: اظلوا لحم جزوركم لا يفسد، فقال بيهس: لكنّ بالأثلات لحما لا يظلل «١» فقالوا: إنه لمنكر وهمّوا أن يقتلوه، ثم تركوه «٢» ففارقهم حتى انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين أخوتك؟
فقال: لو خيرك القوم لاخترت «٣»، فأرسلها مثلا. ثم إن أمه عطفت عليه ورقت فقال الناس: أحبت أم بيهس بيهسا ورقت له، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولدا «٤» فأرسلها مثلا. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته ومتاعهم يلبسها فقال يا حبذا التراث لولا الذلة «٥»، فأرسلها مثلا.
وقال حبيب بن عيسى لما أراد بيهس أن يمضي عنهم قال بعضهم: كيف يأتي هذا الشقي أهله بغير خفير؟ فقال لهم بيهس: دعوني فكفى بالليل خفيرا فأرسلها مثلا. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم إنه مرّ على نسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطّى
[ ٧٢ ]
به رأسه، فقلن: ويحك أيّ شيء تصنع؟
فقال «١»:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها «٢»
فأرسلها مثلا، فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قتلة إخوته فيقتلهم ويتقصّاهم حتى قتل منهم ناسا فقال بيهس «٣»:
يا لها من مهجة يا لها أنيّ لها الطعم والسلامة
قد قتل القوم إخوانها في كلّ واد زقاء هامه
لأطرقنهم وهم نيام فأبركن بركة النعامة
قابض رجل وباسط أخرى والسيف أقدمه أمامه
نعامه: هو بيهس، لقب بنعامة لقوله:
فأبركن بركة النعامة.
ثم أخبر أن ناسا من أشجع في غار يشربون فيه، فانطلق بخال له يكنى أبا حشر «٤» فقال له: هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منهن؟ قال: نعم، فانطلق بيهس بأبي حشر حتى إذا قام على باب الغار دفع أبا حشر خاله في الغار فقال:
ضربا أبا حشر، فقال بعضهم: إن أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل «٥» فأرسلها مثلا، فكان بيهس مثلا في العرب، قال المتلمس «٦»:
ومن حذر الأيام ما حزانفه قصير ورام الموت بالسيف بيهس «٧»
نعامة لما صرّع القوم رهطه تبين في أثوابه كيف يلبس
وأول هذه الأبيات «٨»:
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
فلا تقلبن ضيما مخافة ميتة وموتن بها حرّا وجلدك أملس
[ ٧٣ ]
ومن حذر الأيام إلخ.
وقال بعض الشعراء من بني تغلب وهو أبو اللحام «١»:
لقمان منتصرا وقسّ ناطقا ولأنت أجرأ صولة من بيهس
يريد به الأسد وههنا وهذا البيت غلط من المفضل «٢» لأن بيهسا هو الأسد وليس ببيهس الذي يلقب بنعامة، ويدلّك على ذلك البيت الذي بعده وهو لأبي اللحام التغلبي يمدح عباد بن عمرو بن كلثوم:
يقص السباع كأن فحلا فوقه ضخم مذمّره شديد الأفحس «٣»
كان قس بن ساعدة «٤» بن إياد مفوها ناطقا فوقف بسوق عكاظ على جمل له أحمر فقال: أيها الناس اجتمعوا ثم اسمعوا وعوا، كلّ من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لمعتبرا، نجوم تمور، وبحار لا تبور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، ما للناس يذهبون ثم لا يرجعون، أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا، يحلف بالله قس بن ساعدة أن لله لدينا هو أحبّ إليه مما نحن فيه.