زعموا أن رجلا من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم يقال له عياض ابن ديهث أورد إبله على ماء، فصادف عليه رعاة الحارث بن ظالم المري- مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن غيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان- فأدلى عياض بن ديهث دلوه ليسقي ماشيته، فقصر رشاؤه واستعار بعض أرشيه رعاء الحارث بن ظالم فأعاروه حتى سقى إبله، ثم أصدرها، فلقيه بعض حشم النعمان فأخذ أهله وماله، فنادى يا حار يا حاراه، فركب الحارث حتى أتى النعمان، وقد كان لقي عياضا قبل ذلك، فقال له: ويلك ومتى أجرتك؟ قال: فإني عقدت رشائي برشاء رعائك فسقيت إبلي، وأخذت وذلك الماء في بطونها، فقال له الحارث: إن في هذا
[ ٧٤ ]
لجوارا «١» ثم أتى النعمان فقال: أبيت اللعن، إنك أخذت إبل جاري وأهله وولده، فقال النعمان: أفلا تشدّما وهى من أديمك أول- يعني قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر وهو جار للأسود بن المنذر «٢» بن ماء السماء أخي النعمان.
ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيدا شديدا فقال له الحارث: هل تعدون الحيلة إلى نفسي «٣»، فأرسلها مثلا، أي هل تريد بحيلتك أن تقتلني، هذا غايتك، يريد هل يكون شيء بعد الموت. ثم انصرف، فلما انصرف تدبر النعمان كلمته فندم على تركه، ثم طلبه فلم يجده.
وكانت سلمى «٤» بنت ظالم أخت الحارث تحت سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة، وكان النعمان قد دفع إلى سنان ابن أبي حارثة ابنا له يكون عنده، فجاء الحارث إلى أخته فقال: إن سنانا يقول لك: زيّني ابن النعمان حتى آتي به أباه لعله يصنع إلينا خيرا، ففعلت، فانطلق به الحارث فضرب عنقه، ثم هرب فلحق بمكة، وكان ردّ على ابن ديهث بعض ما أخذ منه، فقال الحارث بن ظالم «٥»:
قفا فاسمعا أخبر كما إذ سألتما محارب مولاه وثكلان نادم
مولاه: أبي عمه، أي إنا نحارب ابن عمي سنان بن أبي حارثة الذي كان عنده ابن النعمان.
فأقسم لولا من تعرّض دونه لخالطه ما في الحديدة صارم
حسبت أبا قابوس أنك فائز ولما تذق ذلا «٦» وأنفك راغم
فإن تك أذواد أصبن ونسوة فهذا ابن سلمى رأسه «٧» متفاقم
علوت بذي الحيات مفرق رأسه ولا يركب المكروه لولا الأكارم «٨»
فتكت به كما فتكت بخالد وكان سلاحي تجتويه الجماجم «٩»
أخصي حمار ظلّ يكدم نجمة أيؤكل جيراني وجارك سالم «١٠»
بدأت بتيك وانثنيت بهذه «١١» وثالثة تبيضّ منه المقادم
وقال الفرزدق يذكر ذلك «١٢»:
[ ٧٥ ]
كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث وصرمته كالمعنم المنتهّب
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم وكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان جارا غير دلو تعلقت بحبليه في مستحصد العقد مكرب
مكرب: مشدود، وعقد الحبل على عراقي الدلو يقال له الكرب، ويقال للرجل اكرب دلوك.
وقال الفرزدق «١»:
أعوذ ببشر والمعلّى كلاهما بني مالك أوفى جوارا وأكرم
من الحارث المنجى عياض بن ديهث فردّ أبو ليلى له وهو أظلم
وما كان جارا غير دلو تعلقت بعقد رشاء عقده لا يجذّم
فرد أخا عمرو بن مسعود ذوده «٢» جميعا وهنّ المغنم المتقسّم
فأتى على ذلك ما شاء الله.
ثم إن الحارث قدم الحيرة فأخذ، فأتي به النعمان فأمر به ابن الخمس التغلبيّ فضرب عنقه «٣» .