[ ١٦ ]
(المفضل بن محمد يعلى الضبّي) وأقدم مؤلف لكتاب في الأمثال، من هذا النوع، هو المفضل الضبي الكوفي، (الذي سبق أن ذكر في صفحة ٢٩ وما بعدها) . انظر «بروكلمان.١٧٩ Gal ٨١١ ;SI: «وقد اشترك المفضل هذا في عام ١٤٥ هـ/ ٦٧٢ م، في الثورة التي قام بها «إبراهيم بن عبد الله بن الحسن»، أحد العلويين، ضد الخليفة المنصور «١» (١٣٦ هـ/ ٧٥٤ م- ١٥٨ هـ/ ٧٧٥ م) . ودخل المفضل السجن، بعد وفاة إبراهيم، وهزيمة الثوار، [٦٤] غير أن الخليفة عفا عنه، وعهد إليه بتأديب ولده المهدي، الذي صار خليفة بعد ذلك؛ فجمع المفضل لهذا الأمير مختارات من القصائد العربية القديمة، اشتهرت فيما بعد باسم «المفضليات» . وكان المفضل أديبا، ولم يكن لغويا؛ فكان يهتم بأيام العرب، وأنساب البدو، وعلى الأخص الشعر العربي. ولم تكن تعنيه قضايا النحو واللغة. وكان من بين تلامذته، من علماء الكوفة: ربيبه ابن الأعرابي (١٧) وأبو عمرو الشيباني (١٠)، ومن البصريين: أبو زيد الأنصاري (١٢) وخلف الأحمر. ولا يعلم بالضبط متى توفي المفضل، ولعله مات حوالي سنة ١٧٠ هـ/ ٧٨٦ م (الفهرست ٦٨ والخطيب البغدادي ١٣/١٢١ والمزهر [الطبعة الثانية] ٢/٤٠٥ و«فلوجل ١٤٢ Flugel «وغير ذلك.)
وقد نشر كتاب الأمثال، للمفضل الضبي في سنة ١٣٠٠ هـ في القسطنطينية (مطبعة الجوائب، في ٨٦ صفحة، وهي النشرة التي استخدمناها هنا)، ثم طبع عن هذه النشرة مرة أخرى في القاهرة، سنة ١٣٢٧ هـ/ ١٩٠٩ م. ويحتوي هذا الكتاب على مجموعة من الحكايات، والنتف التاريخية، والخرافات، التي تنتهي دائما بعبارة على لسان بطل القصة أو خصمه؛ فتصير هذه العبارة مثلا (يعبر عن ذلك بعبارات: «فأرسلها مثلا» أو «فذهبت مثلا» أو «فذهب قوله مثلا» أو «فصار مثلا» وما شابه ذلك) .
واعتاد المفضل الضبي أن يقدم لقصصه، بالعبارة العامة: «زعموا»، غير أنه يترك أحيانا هذا التقديم (ص ١٧ في الوسط)، أو يذكر المثل، ثم يذكر قصته (ذيل صفحة
[ ١٧ ]
٢٣؛ ص ٥٥ في الوسط) . ولا يروي المفضل في الكتاب عن غيره إلا نادرا، وممن روي عنهم فيه: أبو النجم حبيب بن عيسى (ص ٢١ في الوسط؛ ص ٢٢ في الوسط؛ ذيل ص ٤٤؛ ص ٦٧ في أعلى الصفحة)، وأبو عبد الله يزيد (ص ١٢ في الوسط) .
ويبدو أن كتاب الأمثال، للمفضل الضبي (حسب المطبوع منه بين أيدينا) قد دخلته إضافات، وتغييرات متأخرة. وعلى أية حال، فقد زاد فيه المتأخرون بعض الشروح، وتعرف أمثال هذه الزيادات بوضوح، في الأماكن التي يذكر فيها لغويون متأخرون عن المفضل؛ مثل: الكسائي (انظر فيما يلي ص ٢٧)، وابن الأعرابي (١٧): (ذيل ص ٩؛ ذيل ص ١٩ وانظر أيضا أعلى صفحة ٢٦ ووسط صفحة ٥٦ وذيل صفحة ٨٢) . كما يظن أن التفسيرات اللغوية الموجودة في صفحات: ٥؛ ١٢؛ ١٦؛ ٢٥؛ ٢٦ لم يكتبها المؤلف بنفسه.
ويحتوي الكتاب على مائة وستين مثلا تقريبا «١»، يمكن أن تقسم بقصصها، على النحو التالي: [٤٧] .
وضع المفضل الضبي- بوصفه من قبيلة بني ثعلبة بن السّيد بن ضبة (انظر:
«قستنفلد - (Tab.I: «في مقدمة كتابه، ثلاثة أمثال بقصصها، لضبة بن أدّبن طابخة بن إلياس بن مضر بن معد. وهناك أمثال أخرى، لقبيلة ضبة، في صفحات ٤- ٦؛ ١٤؛ ٧٧. كما روى المفضل كثيرا من الأمثال، وقصص الأمثال، لقبيلة تميم بفروعها الكثيرة (انظر: «قستنفلد (Tab.KundL: «في علاقاتها مع القبائل الأخرى وملك الحيرة (انظر فيما مضى ص ٩٣)، في صفحات: ٥- ٢٥؛ ٤٨؛ ٨١. وهو يذكر بالتفصيل أمر «داحس» وما يتعلق بها من أمثال وقصائد (ص ٢٦- ٤٤ الميداني ٢/٤٩- ٥٦)، وقد استغرق ذلك في طبعة الجوائب، فصلا كاملا مستقلا (وربما كان إضافة متأخرة) . وفيما عدا ذلك، توجد أمثال وقصص للأمثال، لبني ذبيان (ص ٤٤- ٤٦؛ ٤٨- ٤٩) وبني وائل (ص ٥٤- ٦١؛ ٦٢ وبعضها يتعلق بحرب «البسوس» انظر: «كاسكل Quellen: «ص ٣٣٦) وإياد (ص ٤٥- ٤٦؛ ٦١) وطيء (ص ٥٠: ٥٢- ٥٣) وقضاعة (ص ٥٤؛ ٦٢؛ ٧٩) وجحينة (ص ٥٤) وكلاب (ص ٦٢؛ ٧٨؛ ٨٠) وطسم (ص ٧٤) وكلب (ص ٧٤- ٨٢)
[ ١٨ ]
وقريش (ص ٨٠) وخزيمة (ص ٨٠) . ويورد المفضل الضبي كذلك، أمثالا وقصصا للأمثال، للزّبّاء وجذيمة (ص ٤- ٦٨)، ولقمان وقبيلته عاد (ص ٦٩- ٧٦) واللخميّين: (انظر فيما مضى ص ٩٣) والمنذر بن ماء السماء (ص ٨؛ ٢٠؛ ٥٠؛ ٥٢؛ ٦٨؛ ٧٩) وابنه عمرو (ص ٨٢) وحفيده امرىء القيس بن عمرو (ص ٨٢) وابن حفيده النعمان بن المنذر (ص ٧؛ ١٢؛ ١٥؛ ٧٦- ٧٧) والغسانيين:
غسان (ص ٥٤) والحارث بن جبلة (ص ٤٨؛ ٥٠؛ ٥٤؛ ٧٩) ورجل من الغساسنة لم يسمه (ص ٦٣) . هذا إلى بعض الأمثال، التي ترجع إلى الشعراء: امرىء القيس (ص ٥٢- ٥٤) وطرفة والمتلمس (صحيفة المتلمس ص ٨٢- ٨٤ وانظر:
«بلوخ» ص ١٨٥ هامش ١٣) والنمر بن تولب (ص ١٨) ومسافر بن أبي عمرو (ص ٧٧) والحطيئة (ص ٦٢) . ويندر أن يورد المفضل الضبي أمثالا (وقصصا للأمثال) لرجال أو نساء، لم يسمهم (ص ٤٧؛ ٤٨؛ ٥٢؛ ٥٣؛ ٧٦؛ ٧٨؛ ٧٩؛ ٨٠؛ ٨١؛ ٨٢؛ ٨٤؛ ٨٥)، أو لم يذكر قبائلهم (ص ٨١ دغة) .
وهكذا نرى أن المفضل الضبي، قد جمع في كتابه قصصا تماثل أخبار أيام العرب (انظر؛ «كاسكل Quellen: «ص ٣٣٥)، التي دارت رحاها في شرقي الجزيرة العربية، ووسطها على الأخص. [٤٨] والحصيلة التاريخية لهذه القصص، ضئيلة جدا، كما سبق أن ذكرنا ذلك في صفحة ٣٠، وفي كثير من الأحيان، تبدو بوضوح الخاصية التبريرية (atiologischer Charakter) في هذه القصص. وعلى ذلك، فكتاب المفضل الضبي، عبارة عن مجموعة من القصص، تفسر الأمثال وما يحيث بها. وترجع بعض الحكايات إلى مصدر أجنبي، غير عربي؛ مثل؛ قصة الزّبّاء (زنوبيا)، وقصة زواج لقيط بن زرارة (ص ٢٠ وانظر كذلك: الأغاني ١٩/١٣٠)، وقصة ولادة عمرو بن عدي (انظر: «كاسكل»: جمهرة ابن الكبي ٢/١٦٨) العجيبة (وكيف أن الجن أغوته في شبابه، ثم ملك تاج الحيرة فيما بعد- ص ٦٧ وما بعدها)، وأخيرا حكاية المتلمس وطرفة (صفحة المتلمس- ص ٨٣ وما بعدها) .
ومثل ذلك قصة «بيت الحائض»، المذكورة في صفحة ٢٤/٢٠ فإنها ترجع هي الأخرى إلى مصدر أجنبي (انظر: «كاسكل Qullen: «ص ٣٣٣ وكتاب «سميث W.Robertson Smith «بعنوان DieReligionen der Semiten توبنجن ١٨٩٩) . وقد رويت بعض القصص بضمير المتكلم، في بعض أجزائها (ص ٤٩/١؛ ص ٥٩/١٦) . وكثير من هذه القصص محشو بالأشعار، لشعراء معروفين أو مجهولين. كما
[ ١٩ ]
تبدأ بعض الحكايات بذكر بيت من أبيات الشعر (انظر «كاسكل Aiyam: «ص ٦٦ وما سبق في صفحة ٣٤ وما بعدها)، ولا يعلم إلى أي حدّ نصيب المفضل الضبي، في ذلك كله.
والقصص التي جمعها المفضل الضبي، في كتابه الأمثال (بالإضافة إلى الأمثال نفسها) قد نقلها عنه المتأخرون، من المؤلفين في الأمثال، وإن لم تكن بتفاصيلها، فيما عدا حوالي ٣٠ مثلا بقصصها، لا توجد في كتب الأمثال، حتى ولا في مجمع الأمثال للميداني. وفي كتاب أبي عبيد الضخم، في الأمثال، الذي ألف عقب وفاة المفضل الضبي، توجد قصص المفضل المعروفة «١»، إلى جانب أخرى تروى عنه، ولا وجود لها في كتابه «٢» . ولا يرجع سبب ذلك- فيما أعتقد- إلى أن نص المفضل قد وصل إلينا مختصرا؛ بل إلى أن المفضل [٤٩] أراد أن يضمن كتابه، مختارات مما جمعه. ولا بد أن حكاياته كانت محبوبة ومعروفة. هذه الحكايات التي ربما كان أبو عبيد يرى في بعضها، النسبة الكاذبة إلى المفضل الضبي. ولعل ما يدل على ذلك، تلك العبارة المتغافلة، التي يقدم بها أبو عبيد، للقصص التي يحكيها عن المفضل؛ مثل: حكي عن المفضل؛ روي عن المفضل؛ ما بلغنا عنه وما أشبه ذلك.
وهو مع الرواة الآخرين، أكثر دقة في تبيين طرق الرواية.
وكان كتاب الأمثال، للمفضل الضبي، موضع دراسة علماء الكوفة في مجالسهم؛ فقد قرأه (كما في طبعة الجوائب ص ٤) الطوسي، على ربيب المفضل وتلميذه:
محمد بن زياد الأعرابي. وكان ابن الأعرابي (١٧) قد ولد بالكوفة، لرجل من موالي عباس بن محمد الهاشمي، أصله من السند، واشتهر هناك فيما بعد بأنه لغوي بارع ورواية ثقة (توفي ٢٣١ هـ/ ٨٤٥ م عن ٨١ عاما. انظر طبقات الزبيدي ٢١٥ وابن الأنباري
[ ٢٠ ]
٢٠٧ وابن خلكان ٣/٢٣ و«بروكلمان (GALI ٩١١): «ويظهر اهتمامه بالأمثال، لا في أنه روى أمثال المفضل فحسب، بل في أنه ألف كتابا، لم يصل إلينا، واسمه:
«تفسير الأمثال» والفهرست ٩٩: «تفسير القبائل» وحاجي خليفة ١/١٥٠) . وكثيرا ما يذكر ابن الأعرابي أيضا، لدى جماع الأمثال المتأخرين، عند تفسير بعض الأمثال، وكذلك عند الأدباء؛ مثل القالي في كتابه الأمالي ١/١٩٥. أما علي بن عبد الله بن سنان التيمي، الملقب بالطوسي (الفهرست ٧١ وياقوت ٥/٢٢٩ و«فلوجل «١٥٦ و«بلاشير» ١١٣) فكان أكثر تلامذة ابن الأعرابي، أخذا عنه، كما روى كذلك عن أبي عبيد. وقد دبت العداوة بينه وبين ابن السكيت (١٩)؛ لأنهما اختلفا بعد وفاة شيخهما: «نصران الخراساني» (الفهرست ٧) في رواية كتبه اختلافا كبيرا.
وقد احتفظ لنا ابن خير الإشبيلي (انظر فيما يلي ص ٨٦) في فهرسته (ص ٣٨٤) بسلسلة أخرى مفصلة، لرواية كتاب الأمثال، للمفضل الضبي، تبدأ من ابن الأعرابي، عن طريق الأحول (انظر فيما يلي ص ٤٨ هامش) وثعلب (٢٨) ونفطويه (٢٩) وأبي بكر بن شذان (انظر فيما يلي ص ٨٤ هامش) وأبي ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبي سعيد الوراق، وعبد الله بن محمد، حتى تصل إلى عبد الملك بن محمد بن هشام، شيخ ابن خير. [٥٠] .