زعموا أن قوما شردت إبل بني صحار بن وهب بن قيس بن طريف، وهو أخو «٥» الطماح بن عمرو بن قعين، حتى وقعت في بلاد بني عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، فركب الجميح- وهو منقذ ابن الطماح بن قيس «٦» - في طلب الإبل حتى وقع في بلاد بني مرة، قال: فانتهيت إلى بيت عظيم فأنخت إليه ووضعت رحلي عنده في عشية متغيمة، فإذا في البيت الذي انخت بفنائه رجل شاب مضاجع ربة البيت، قد غلبته عينه فنام، فحسبته ربّ هذا البيت، فلم ألبث إلا قليلا حتى راح الشاء فحبست في العطن، ثم راحت الإبل وفيها أفراس ومعها رعاؤها، فحبست في العطن، ثم طلع رجل على فرس يصهل فارتاحت له الخيل، وارتاحت العبيد لذلك، وجاء حتى وقف عليهم فقال: ماذا كم السواد بفناء البيت؟ قالوا: ضيف، قال: فلما رأيت ذلك عرفت أنه ربّ البيت، وأن الفتى ليس
[ ٧٨ ]
منها في شيء، فدخلت البيت فاحتملت الفتى حتى أبرزته من وراء البيت، فاستيقظ بي فقال: أمّا أنت فقد أنعمت عليّ فمن أنت؟ فقلت: أنا منقذ بن الطماح، قال:
أو في الإبل جئت؟ «١» قلت: نعم، فقال:
أدركت، أمكث ليلتك هذه عند صاحب رحلك، فإذا أصبحت فأت ذاك العلم الذي ترى، فقف عليه ثم ناد يا صباحاه، فإذا اجتمع إليك الناس فإني سآتيك على فرس ذنوب «٢» بين بردين، فأعرّض لك الفرس مرتين حتى تثب عليه، فإذا فعلت ذلك فثب خلفي ثم ناد يا حار يا حار المخاض، فإنك إذا فعلت ذلك أدركت، قال: وإذا هو الحارث بن ظالم»
فلما أصبحت فعلت الذي أمرني به، فناديت يا صباحاه، فأتاني الناس حتى جاءني آخر من جاء، فعرض لي فرسه فوثبت عليه فإذا أنا خلفه، فقلت يا حار يا حار المخاض، فأجارني وحولت رحلي إليه، فمكثت عنده أياما لا يصنع شيئا، ثم قال: سبني يغضب لحمي «٤» . فقلت: لا أسبك أبدا، قال:
فقل قولا يعذرني به قومي، قال: فمكثت حتى إذا أوردوا النعم جعلت أسقي وأرتجز فقلت- وكانت في الإبل الذي ذهبت ناقة يقال لها اللفاع- «٥»:
إني سمعت حنّة اللفاع في النعم المقسّم الأوزاع
ناقة ما وليدة جياع أما أذا أجدبت المراعي
فإنها تحلب في المجاع أما إذا أخصبت المراعي
فإنها نهي من النقاع فادعي أبا ليلى ولا تراعي
ذلك راعيك فنعم الراعي إلا يكن قام عليه ناعي
لا تؤكلي العام ولا تضاعي منتطقا بصارم قطّاع
يفري «٦» به مجامع الصداع فلما سمع بذلك الحارث- وكان يكنى أبا ليلى- أقبل يسعى مخترطا سيفه فقال «٧»:
هل يخرجن ذودك ضرب تشذيب ونسب في الحيّ غير مأشوب
هذا أواني وأوان المعلوب «٨» ثم نادى الحارث: من كان عنده من هذه الإبل شيء فلا يصدرنّ بشيء فلا من ذمتنا حتى يردها، قال: فردت جميعا مكانها غير الناقة التي يقال لها اللفاع، فانطلق وانطلقت معه نطوف عليها، فوجدناها مع رجلين
[ ٧٩ ]
يحلبانها فقال لهما الحارث: خليا عنها فليست لكما، فضرط البائن منهما- البائن:
الذي يقف من جانب الحلوبة الأيمن، ويقال للحالبين البائن والمستعلي، والمستعلي الذي من جانب الناقة الأيسر- فقال المستعلي: والله ما هي لكما، فقال الحارث: است البائن اعلم «١» فأرسلها مثلا وردّ الإبل على الجميح فانصرف بها.