كتاب الأمثال للمفضل بن محمد الضبي المفضل الضبي راوية أديب، من علماء الكوفة الأفذاذ، كان عالما بالأخبار والشعر والعربية «٢»، وهو أوثق من روى الشعر من الكوفيين «٣»، ويذكر ابن النديم أنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فظفر به المنصور فعفا عنه، وألزمه المهدي، فعمل له
[ ٢١ ]
الأشعار المسماة «المفضليات» «١» وكانت وفاته نحو ١٧٠ هـ.
ومن حسن حظنا أن كتابه في الأمثال قد أفلت من قبضة الضياع فوصل إلينا، فكان بذلك أول كتاب نقرؤه في الأمثال العربية «٢» .
والكتاب صغير الحجم إذا قيس بما ظهر بعده من كتب الأمثال، إذ يشتمل على مائة وسبعين مثلا فقط، منها ثمانية على وزن (أفعل من) .
.. وأهم ما لا حظناه عليه أنه مفعم بالوقائع والأحداث الجاهلية التي تدور حول سادة القبائل والعشائر وشيوخها وشعرائها، والتي يتصل بعضها بأيام العرب في الجاهلية.
وقد أحصى المستشرق الألماني «زلهايم» هذه القبائل والعشائر وهؤلاء الشعراء في كتابه القيم عن الأمثال العربية القديمة «٣» .
ويبدأ الكتاب بقصة ضبّة بن أدّبن طابخة وابنيه سعد وسعيد، وما أرسله ضبة خلالها من الأمثال الثلاثة المشهور (أسعد أم سعيد؟ إن الحديث ذو شجون، سبق السيف العذل: «٤» وينتهي بخرافة «الحية والفأس» التي قيل فيها المثل السائر (كيف أعاودك وهذا أثر فأسك) «٥» .
وبين بدايته ونهايته تفصيل واف لبعض أيام العرب في الجاهلية، والوقائع التي حدثت فيها، وما قيل فيها من أمثال وأشعار، كحروب داحس والغبراء، وحرب البسوس.
وبينهما كذلك تفصيل دقيق لقصة الزبّاء وجذيمة الأبرش، تتخلله الأشعار والأمثال التي بلغت اثني عشر مثلا. وينطوي الكتاب كذلك على أخبار شتى عن لقمان العادي، تساق خلالها الأمثال التي أطلقها أو التي تتصل بهذه الأخبار. وفيه أخبار عن الشعراء:
[ ٢٢ ]
امرىء القيس، وطرفة، والمتلمّس، والسّليك بن سلكة، والنّمر بن تولب، والحطيئة.
وإذا قرأت الكتاب أحسست، لأول وهلة، أنه كتاب أخبار وأشعار وأنساب قبل أن يكون كتاب أمثال، ووجدت فيه قرابة المائة حادثة، سردت سردا قصصيا، يجيء خلاله، أو عقبه، المثل أو الأمثال، والبيت من الشعر أو الأبيات.
وقد اعتاد المفضل أن يقول عقب كل مثل عبارة من تلك العبارات المأثورة، وهي «فأرسلها مثلا» أو «فذهبت مثلا» أو «فصارت مثلا»، وهذا يشعر بأن الحادثة هي الأصل عنده، وفي أثناء سردها يجيء ما يتصل بها من أمثال وأشعار.
وهذا المسلك يذكرنا بما جاء في كتب الأخبار والتاريخ والأنساب من وقائع وأحداث، لم ينس مؤلفوها أن يذكروا معها ما يتصل بها من أمثال سائرة وأشعار.
ونضرب لذلك مثالا قوله في «حروب داحس والغبراء»: «وكان من أمر داحس وما قيل فيه من الأشعار والأمثال أن أمه كانت فرسا لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لها: جلوى، وأن أباه ذا العقال كان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك، وإنما سمي داحسا أن بني يربوع احتملوا ذات يوم سائرين في نجعة » «١» ثم يذكر سبب التسمية، وينتقل إلى ذلك السبب في هذه الحروب، ووصف وقائعها التي استمرت أربعين عاما، ذاكرا خلال ذلك ما قيل فيها من أشعار وأمثال، إلى أن يقول: «تمّ حديث داحس، والحمد لله رب العالمين» «٢» .
وهذا المنزع في تناول الأمثال العربية يتفق وطبيعة المفضل ومواهبه، إذ كان بارعا في الرواية، ماهرا في معرفة أشعار العرب وأخبارهم القديمة، ولم يكن رجل غريب ولا نحو ولغة «٣»، ومن ثم لم نجده يفسر كلمة غريبة واحدة من كلمات أمثاله التي تبلغ المائة والسبعين.
وكل هذا يجعلنا لا نتردد في أن نضع هذا الكتاب إلى جانب كتب: صحار وعبيد
[ ٢٣ ]
وعلاقة والشرقي، ونسلكها في سلك واحد، فتصبح لدينا خمسة كتب تتشابه في طريقة تناولها للأمثال العربية.
ولم يلبث كتاب المفضل أن صادف قبولا كريما لدى العلماء، فأقبلوا على قراءته، واعتمد عليه كثير ممن أتى بعده من مدوني الأمثال، واقتبسوا منه قصص الأمثال وأخبارها وأوائل من قالها.
ويكفي أن نذكر من المتقدمين الذين اعتمدوا عليه القاسم بن سلام، الذي نقل عنه في سبعة وخمسين موضعا، ومن المتأخرين أبا الفضل الميداني، الذي صرح في مقدمة كتابه بأنه رجع إليه فقال: «ونظرت فيما جمعه المفضل بن محمد، والمفضل بن سلمة» ثم نقل عنه في مواضع كثيرة من كتابه.
وكما انتشر الكتاب في المشرق انتشر في الأندلس، إذ يذكر أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) أن كتاب المفضل كان معروفا في الأندلس «١» .
[ ٢٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الطوسي: أخبرنا محمد بن زياد ابن الأعرابي أبو عبد الله عن المفضل الضبي قال: