زعموا أن المنذر بن امرىء القيس- وهو جد النعمان بن المنذر، وكانت أمه ماء السماء امرأة من النمر بن قاسط- قال للحارث بن العيف بن عبد القيس، والمنذر يومئذ محارب للحارث بن جبلة الغساني ملك الشام: اهج الحارث بن جبلة، فقال له الحارث بن العيّف «٨»:
[ ٨٠ ]
لا همّ إن الحارث بن جبله زنا على أبيه ثم قتله «١»
وركب الشادحة المحجّلة «٢» وكان في جاراته لا عهد له
فأيّ فعل سيء لا فعله وقال لحرملة بن عسلة «٣» أخي بني مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة: اهج الحارث، وكانت أم حرملة امرأة من غسان فقال حرملة بن عسلة:
[ألم تر أني بلغت المشيبا لدى دار قومي عفّا كسوبا]
وأن الإله تنصفته بأن لا أعقّ وأن لا أحوبا
(أي عبدته، والناصف: الخادم، قال الشاعر:
وتلقى حصان تنصف ابنة عمها كما كان يلقى الناصفات الخوادم)
وأن لا أكافر «٤» ذا نعمة وإلا أخيّبه مستثيبا «٥»
وغسان قوم هم والدي «٦» فهل ينسينّهم أن أغيبا
فأوزع بها بعض من يعتريك فإن لها من معدّ كليبا
(يقال كلب وكليب مثل معز ومعيز، والإيزاع: الإغراء) .
وإن لخالك مندوحة وإن عليك بغيب رقيبا
فلما كان حين سار المنذر بن ماء السماء إلى الحارث بن جبلة فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر بن ماء السماء وهزم جيشه، وكان فيهم أخلاط من العرب من ربيعة ومضر وغيرهم، فكان ابن عسلة في الجمع يومئذ مع المنذر فأسر هو، فأحسن إليه الحارث بن جبلة وحمله وكساه وخلّى سبيله، وكان في جيش المنذر يومئذ رجل من بني حنيفة، يقال له عمرو بن شمر بن عمرو، إنما خرج متوصلا بجيش المنذر يريد أن يلحق بأخواله من غسان، وكانت أمه منهم، فرأى مصرع المنذر فأتاه فأخذ
[ ٨١ ]
بردا كان عليه، ثم أتى الحارث فأخبره أنه قتله وهذا برده، وكان ابن العيف العبديّ «١» في الأسراء، فقال له الحارث بن جبلة حين رآه: أتتك بحائن رجلاه «٢» فأرسلها مثلا. ثم قال له: إنه بلغني ما قلت، فاختر مني إحدى ثلاث خلال: إما أن أطرحك في جبّ فيه الأسد قد ضري وجوّع فتمكث معه ليلة، أو ارمي بك من رأس طمار- يعني جبل دمشق، فإن نجوت نجوت وإن هلكت هلكت، أو يضربك الدلامس «٣» - سيافه الذي يقوم على رأسه، وهو أعظم الرجال وأشدهم- بعمود له من حديد ضربة فإن نجوت نجوت وإن هلكت هلكت، فنظر في أمره فكره الأسد، وكره أن يلقى من رأس الجبل، واختار أن يضربه الدلامس تلك الضربة، فضربه على منكبه فدقّ منكبه ووركه، ثم أمر به فألقي، فاحتسب عليه راهب فداواه حتى برىء وهو مخبل «٤» .