في
السّجن والتّعويق
ومن خرج إلى سعة من ضيق
٣٢١ - قيل: إنّ السّجن محكّ العقول، وتجربة المأمول، به يمتحن الصّبر من الأحرار، ويكشف مكنون العقل والوقار.
٣٢٢ - وقيل: السّجن قبور الأحياء، ومنزل أهل البلوى، وشماتة الأعداء، وتجربة الصديق.
٣٢٣ - ومما قيل فيه عن الشّيخ عمر ابن الشّحنة الموصلي (١):
الحبس أصبح مثل النّار مضرمة والحرّ فيه إذا فكّرت كالذّهب
يصلى بنار هموم في جوانبه تنفي المآثم من جدّ ومن لعب
٣٢٤ - لإبراهيم ابن المدبّر (٢):
_________________
(١) المحاسن والمساوئ ٢/ ٣١٧: كتب يوسف على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء. . . وعيون الأخبار ١/ ٧٩.
(٢) عمر بن محمد بن علي بن الشحنة الموصلي، عالم بالنحو واللغة، وقرأ بمستعمل القراءات وشواذها، كان خبيث اللسان هجاء سيئ العقيدة، كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، متهما على شرب الخمر. لما ولي أبو الحارث أرسلان الموصل ولاّه بعض أعماله، لكنه هجاه، فحبسه إلى أن مات سنة ٦٠٦. بغية الوعاة ٣٦٣.
(٣) إبراهيم بن محمد بن المدبر كاتب شاعر مترسل تولى الولايات الجليلة، لما دخلت الزنج الأهواز سنة (٢٥٦) هـ حبسته في دار رجل منهم، استطاع الفرار سنة (٢٥٧) وقد استوزره المعتمد العباسي، وتوفي ببغداد متقلدا ديوان الضياع. تاريخ الطبري =
[ ١٢٦ ]
تسلّ فليس طول الحبس عار وفيه لنا من الله الخيار
فلولا الحبس ما بلي اصطبار ولولا اللّيل ما عرف النّهار
فما الأيّام إلاّ معقبات وما السّلطان إلاّ مستعار
وعن قدر حبست فلا تراعي فما يغني من القدر الحذار
سيفرج ما ترى عمّا قليل معقبه وإن طال الإسار
٣٢٥ - وقيل: كتب أبو محمّد القاسم بن يحيى المريميّ إلى أبي البشر كاتب أبي الجيش ابن طولون (١)، وهو في الحبس:
هي الأيّام من نعمى وبوس وكرّات السّعود على النّحوس
فلا تجزع فليس الحبس عارا وهل عار بتأديب الرّئيس
فبدر الأنبياء غدا عزيزا عظيما ملكه بعد الحبوس
٣٢٦ - لعمر ابن الشّحنة:
لا عار في السّجن للأحرار إن سجنوا بغير جرم ولكن سجنهم شرف
كالسّيف والدّرّة الزّهراء سجنهما خوفا وضنّا بها الأغماد والصّدف
٣٢٧ - ولمؤلفه عيسى بن البحتري لما حبس مخدومه:
إن يحجبوك عن الأبصار لا عجب اللّؤلؤ الرّطب قد تكتنّه الصّدف
أو يظلموك فصبرا وانتظار غد فإن ربّ الورى لا شك ينتصف
٣٢٨ - وقيل: وجد في صدر الحبس بالبصرة مكتوب:
لا تيّأسنّ من الفرج من كان قبلك قد خرج
_________________
(١) = ٩/ ٤٧٣،٤٧٧، ومعجم الأدباء ١/ ٢٢٦، والكامل ٧/ ٢٣٧،٢٤٢،٤٦٠، والأعلام.
(٢) أبو الجيش بن طولون هو خمارويه بن أحمد بن طولون أبو الجيش ثاني ملوك الدولة الطولونية بمصر، كان شجاعا حازما فيه ميل للهو والمجون، اتسع الملك في أيامه فكان له من الفرات إلى بلاد النوبة، قتله غلمانه في دمشق وهو مخمور سنة ٢٨٢ وحمل تابوته إلى مصر، قال ابن عساكر: وقيل دفن بحوران قريبا من قبر أبي عبيد البسري، تزوج المعتضد العباسي ابنته قطر الندى. وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٩ مختصر ابن عساكر ٨/ ٨٨، الأعلام.
[ ١٢٧ ]
٣٢٩ - أبو الحسين بن أبي البغل (١):
حزنت وذو الأحزان يحرج صدره ألا ربّ حزن جاء من بعده الفرج
كأنّك بالمحبوب قد لاح نجمه وباليسر من بين المضائق قد خرج
٣٣٠ - وقيل: حبس الحجّاج إبراهيم التّيمي (٢) بواسط، فلمّا دخل السّجن وقف على مكان مشرف، ونادى بأعلى صوته: يا أهل بلاء الله في عافيته، ويا أهل عافية الله في بلائه، اصبروا. فنادوه جميعا: لبيك لبيك لبيك.
٣٣١ - وللأمير أحمد بن عضد الدولة (٣) وهو يومئذ في الحبس:
هل الدّهر أرضاني وأعتب صرفه وأعقب بالحسنى من القيد والأسر
فمن لي بأيام الشّباب الذي مضت ومن لي بمن قد فات في الحبس من عمري (٤)
٣٣٢ - ولعلي بن الجهم الأبيات المشهورة:
_________________
(١) في الأصل أبو الحسن بن أبو البغل. والتصحيح من الوافي بالوفيات ٢/ ٤٨، ونشوار المحاضرة ٢/ ١٥٢. وهو أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل الكاتب، من أعيان كتاب الدواوين وولي الجبل وأصبهان مدّة، سجن وصودرت أمواله، مات سنة (٣١٣) له نظم ونثر.
(٢) الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا صفحة (٨٢).
(٣) إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، أبو أسماء الكوفي. كان من الثقات عابدا، يقال قتله الحجاج، وقيل بل مات في حبسه سنة ٩٢ ولم يبلغ أربعين سنة. سير أعلام النبلاء ٥/ ٦٠.
(٤) وهو أبو الحسين أحمد تاج الدولة بن عضد الدولة ابن بويه. معجم الأنساب والأسرات الحاكمة (٦٥) وفيات الأعيان ٤/ ٥٠.
(٥) الديوان صفحة (٤١).
(٦) كذا الأصل، والوجه: التي مضت. . . بما فات.
[ ١٢٨ ]
قالوا (١): حبست. فقلت: ليس بضائري حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
٣٣٣ - وقيل: إنّ أنو شروان حبس بزرجمهر بن البختكان الحكيم-وكان وزيره-عند غضبه عليه في بيت كالقبر ظلمة وضيقا، وصفّده بالحديد، وألبسه الخشن من الصّوف، وأمر أن لا يزاد كلّ يوم على قرصين خبزا شعيرا وكفّ ملح جريشا وشربة ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزرجمهر شهورا لا يسمع له كلمة. فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه الكلام، واسمعوا ما يجري بينهم وعرّفونيه. فدخل إليه جماعة من المختصّين به، فقالوا: أيّها الحكيم، نراك في هذا الضّيق والحديد والصّوف والشّدة التي دفعت إليها، ومع هذا فإن سحنة (٢) وجهك، وصحّة جسمك على حالهما لم يتغيّرا، فما السّبب في ذلك؟ فقال: إني عملت جوارش (٣) من ستّة أخلاط [آخذ منه كلّ يوم شيئا] (٤) فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنصفه له، أو نستعمله. قال: الخلط الأوّل: الثّقة بالله تعالى.
الثاني: علمي بأنّ كلّ مقدور كائن. الثالث: الصّبر خير ما استعمله الممتحن. الرّابع: إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل. الخامس: قد يمكن أن أكون في شرّ ممّا أنا فيه. السّادس: من ساعة إلى ساعة فرج.
_________________
(١) في الديوان ومصادر تخريج القصيدة به (قالت).
(٢) الفرج بعد الشدة ١/ ١٥٩.
(٣) في الأصل: سحيّة. وما أثبت من الفرج بعد الشدة.
(٤) في الأصل جوارشا.
(٥) ما بين معقوفين من الفرج بعد الشدة.
[ ١٢٩ ]
٣٣٤ - المبرّد:
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصّدر الرّحيب
وأوطنت المكاره واطمأنّت وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضّرّ وجها وقد أعيا بحيلته الأريب (١)
أتاك على قنوط منك غوث يمنّ به اللّطيف المستجيب
فكلّ الحادثات وإن تناهت فمقرون بها فرج قريب (٢)
٣٣٥ - ولسلم بن قتيبة لمّا حبسه مصعب بن الزّبير من أبيات:
تحدّث (٣) من لاقيت أنّك عائذ بل العائذ المظلوم في سجن عازم (٤)
فما ورق الدّنيا بباق لأهلها ولا شدّة الدّنيا بضربة لازم (٥)
٣٣٦ - آخر:
يضيق صدري بغمّ عند حادثة وربّما خير لي في الغمّ أحيانا
_________________
(١) الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (١١٤): أنشدني محمد بن إبراهيم. وفي الفرج بعد الشدة ٥/ ٤٦. سمعت أبا علي بن مقلة ينشد في نكبته، وفي الحماسة البصرية ٢/ ١ قال علي بن أبي طالب، وتروى لحسان بن ثابت، ديوان علي بن أبي طالب (١٠). ديوان المعاني ٢/ ٢٤٣ المستطرف ٣١٦، حل العقال ١٢٠.
(٢) في الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (أغفى) وفي الفرج بعد الشدة والحماسة البصرية (أغنى).
(٣) في مصادر الخبر كلها: فموصول بها.
(٤) في الديوان: تخبّر.
(٥) كذا في الأصل عازم وجاء في الكامل ٣/ ١١٢٤، ومروج الذهب ٣/ ٢٧٤ (١٩٤١)، وديوان كثير عزة (٢٢٤) ومعجم ما استعجم ٣/ ٩١١، ومعجم البلدان (عارم) أن عبد الله بن الزبير لمّا قام بالخلافة سمى نفسه العائذ وحبس محمد بن الحنفية (في المروج حبس الحسن بن محمد بن الحنفية) بحبس عارم، وهو حبس وحش مظلم-قال ياقوت: ولا أعرف موضعه وأظنه بالطائف، وقال البكري صاحب معجم ما استعجم: سجن بمكة-وأراد قتله، فعمل الحيلة حتى تخلّص من السجن، وفي ذلك يقول كثير.
(٦) جاء في حاشية الديوان: ورق الدنيا: رونقها وزهرتها، ضربة لازم: يريد ضرب لازب، واللازب الثابت.
[ ١٣٠ ]
وربّ يوم يكون الغمّ أوّله وعند آخره روحا وريحانا
ما ضقت ذرعا بغمّ عند حادثة إلاّ ولي فرج قد حلّ أو حانا
٣٣٧ - وقال الحسن بن يحيى الكاتب: لقيت محمّد بن العلوي الحمّاني بعد خلاصه من حبس الموفّق (١) فهنّأته بالسّلامة، وقلت: قد عدت إلى وطنك الذي تألفه، وإخوانك الذين تحبّهم. فقال: يا أبا علي، وكيف!؟ وقد ذهب الأتراب والأصحاب والشّباب، ثمّ أنشد:
هبني بقيت على الأيّام والأبد ونلت ما شئت من مال ومن ولد
من لي برؤية من قد كنت آلفه وبالشّباب الذي ولّى ولم يعد
٣٣٨ - وقال الشّيخ عمر ابن الشّحنة: كنت آوي إلى كوخ أيّام محبسي بقلعة الموصل، فسمعت حمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، وعارضني عارض وجدت معه راحة بالبكاء، فقلت لله درّ غيلان (٢) كأنّما أوحي إليه حيث يقول (٣):
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة من الوجد، أو يشفي نجيّ البلابل (٤)
_________________
(١) الموفق بالله طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم، أمير من رجال السياسة والإدارة والحزم، لم يل الخلافة اسما، ولكنه تولاّها فعلا، ابتدأت حياته العملية بتولي أخيه المعتمد على الله الخلافة سنة ٢٥٦، وآلت إليه ولاية العهد، وظهر ضعف المعتمد عن القيام بأعباء الدولة فنهض بها الموفق. كان شجاعا موفقا عادلا عالما بالأدب والأنساب والقضاء، توفي في أيام المعتمد حوالي سنة ٢٧٨ هـ. الأعلام.
(٢) غيلان بن عقبة، أبو الحارث المعروف بذي الرمة أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، من فحول الطبقة الثانية في عصره، كان شديد القصر، دميما أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، توفي سنة ١١٧ هـ وفيات الأعيان ٤/ ١١، الأعلام.
(٣) الديوان ٢/ ١٣٣٣، من قصيدة مطلعها: خليليّ عوجا من صدور الرّواحل بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
(٤) قال شارح الديوان، النجيّ: ما يتحدّث به في نفسه. والبلابل: أن تجد حسّا في نفسك. وجاء في الهامش: في (ق): والبلابل: الهموم في الصدر.
[ ١٣١ ]
ومثله:
فقلت لها: إنّ البكاء لراحة به يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا
وعملت في الحال أبياتا، وكتبتها على حائط ذلك الموضع وهي:
وحمائم غنّين في دار الضّحى طربا فقلت مقالة المحزون
غنّين فالوجد الذي تبدينه وجدي المكتّم والشّجون شجوني
ما جامدات الدّمع كالجاري ولا حال الطّليق كحالة المسجون
٣٣٩ - ولأبي فراس بن حمدان في أسره، وقد سمع حمامة تهتف على شجرة عالية:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتي هل بات حالك حالي (١)
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوى ولا خطرت منك الهموم ببال (٢)
أيحمل محزون الفؤاد قوادم إلى غصن نائي المسافة عال (٣)
أيا جارتي ما أنصف الدّهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تري روحا لديّ ضعيفة تردّد في جسم يعذّب بال
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سال
لقد كنت أولى منك بالدّمع مقلة ولكنّ دمعي في الحوادث غال
٣٤٠ - ولبعضهم:
_________________
(١) الديوان صفحة (٢٤٦).
(٢) في الديوان جارتا.
(٣) في الأصل طارقة الهوى، والمثبت في الديوان.
(٤) القوادم: أربع أو عشر ريشات في مقدّم الجناح، الواحدة قادمة. القاموس (قدم).
(٥) عيون الأخبار ١/ ٨١ من غير عزو؛ ومروج الذهب ٤/ ٢٥٦ (٢٦٠٩) منسوبة إلى الفضل بن يحيى، وفي أمالي المرتضى ١/ ١٤٥ ومعجم الأدباء ٣/ ١٥٥، وإنباه الرواة ١/ ٦٢ منسوبة لصالح بن عبد القدوس، وفي المحاسن والمساوئ ٢/ ٣٥٠ من غير عزو. وفي المحاسن والأضداد صفحة ٤٧ نسبت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.
[ ١٣٢ ]
إلى الله فيما نابنا نرفع الشّكوى ففي يده كشف المصيبة والبلوى (١)
خرجنا من الدّنيا ونحن من اهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا (٢)
إذا دخل السّجان يوما لحاجة فرحنا وقلنا: جاء هذا من الدّنيا (٣)
٣٤١ - آخر:
ما يدخل السّجن إنسان فنسأله ما بال سجنك؟ إلاّ قال: مظلوم
٣٤٢ - لمؤلفه ابن البحتري:
ما حلّ بالسّجن امرؤ ساعة إلاّ وكانت بالأذى ألف عام
ولا غدا ألفا أخو غبطة إلاّ وكانت غبطة كالمنام
٣٤٣ - وله:
جزى الله ربع السّجن عني كرامة وأخلى ببعدي عن حماه مكاني
فإنّ له حقّا عليّ لأنّني كشفت به أهلي وصحبي وإخواني
_________________
(١) في الأصل: فيما بيننا، والتصحيح من مروج الذهب، والمحاسن والمساوئ، وفي عيون الأخبار ومعجم الأدباء: إلى الله أشكو إنه موضع الشكوى.
(٢) في الأصل فليس، والتصحيح من أمالي المرتضى، والمحاسن والمساوئ، وفي عيون الأخبار ومعجم الأدباء: فما نحن بالأحياء فيها ولا الموتى.
(٣) في إنباه الرواة: إذا ما أتانا زائر متفقّد. وتتمة الأبيات في أمالي المرتضى: ونفرح بالرّؤيا فجلّ حديثنا إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع له حارس تهدا العيون ولا يهدا قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل من الناس لا نخشى فنغشى ولا نخشى ألا أحد يأوي لأهل محلّة مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
(٤) عيون الأخبار ١/ ٧٩، والبيان والتبيين ٣/ ١٦٩. وروايته فيه: لم يخلق الله مسجونا تسائله ما بال سجنك إلا قال: مظلوم
[ ١٣٣ ]
٣٤٤ - وقيل: دخل الفرزدق على يزيد بن المهلّب وهو في الحبس فأنشده:
أصبح في قيدك السّماحة وال جود وحمل الدّيات والإفضال (١)
فقال له: أتمدحني وأنا على هذه الحال؟ فقال: نعم، وجدتك رخيصا فأسلفتك.
٣٤٥ - ولمؤلفه ابن البحتري:
بكت حرقة لما رأتني مقيّدا وقد قلّ مني جمعها وعديدها
فقلت لها: لا تحزني ويك وانظري إلى فرجة تؤدي ليحسن سعودها
فإنّ خلاليل النّساء تزينها وزينة سوق الأوفياء قيودها
٣٤٦ - وقيل إن عبيد الله بن زياد (٢) أتي برجل فشتمه، وقال: أحروريّ أنت (٣)؟ فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحرويّ. فقال: أما والله لأفعلنّ بك
_________________
(١) الشعر والشعراء ٤٥٢، والعقد الفريد ١/ ٣٠٣، ووفيات الأعيان ٦/ ٣٠٠.
(٢) في وفيات الأعيان: أصبح في قيدك السماحة وال جود وحمل الديات والحسب ورواية العقد الفريد: صحّ في قيدك السماحة والجو د وفك العناة والإفضال
(٣) الخبر بنحوه في الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا صفحة (١٠٦)، والفرج بعد الشدة ٤/ ١١٩ ومحاضرات الأدباء ٢/ ١٦٩.
(٤) عبيد الله بن زياد بن أبيه ابن مرجانة، أمير العراق، ولي البصرة وسنّه ثنتان وعشرون سنة، وهو أول عربي قطع جيحون، وافتتح بيكند، وكان جميل الصورة قبيح السريرة، شديد القسوة، جبانا، به لكنة فارسية سأل أحدهم: أهروري؟ يريد أحروري. قاتل الخوارج واشتد عليهم، كانت فاجعة كربلاء على يديه، قتله إبراهيم بن الأشتر سنة (٦٧) ولم يبلغ الأربعين. سير أعلام النبلاء ٣/ ٥٤٥، البيان والتبيين ١/ ٧٢، الأعلام. وفي الأصل عبد الله بن زياد.
(٥) الحرورية: نسبة إلى حروراء موضع بظاهر الكوفة نزل به الخوارج الذين خالفوا عليا ﵁، وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم. نسبوا إليها.
[ ١٣٤ ]
ولأصنعنّ، انطلقوا به إلى السّجن، فانطلقوا به، فلمّا ولّى سمعه ابن زياد وهو يهمس بشيء، فردّه وقال له: ماذا قلت؟ قال: عنّ لي بيتان من الشّعر.
قال: إنّك لفارغ، أنت قلتهما أم شيء سمعته؟ قال: بل أنا قلتهما. قال: ما قلت؟ قال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه له كلّ يوم في خليقته أمر
إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنّه قضى الله أنّ العسر يتبعه يسر (١)
قال: فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الله ﷿ بالفرج، خلّوا سبيله.
٣٤٧ - وللأعرابي:
قلّ وجه يضيق إلاّ ودونه مذهب فسيح
من فرّج الله عنه هبّت من كلّ وجه إليه ريح
٣٤٨ - ولسعيد بن بيضاء الأسدي:
فما نوب الحوادث باقيات ولا البوسا تدوم ولا النّعيم
كما يمضي سرورك وهو جمّ كذلك ما يسؤوك لا يدوم
فلا تهلك على ما فات وجدا ولا تعروك بالأسف الهموم
٣٤٩ - وقيل: كان المأمون غضب على فرج الرّخّجيّ (٢)، وحبسه فكلمه
_________________
(١) البيتان في حل العقال ١٢٧ والأرج في الفرج ١٨٣ منسوبان لابن النجار.
(٢) الفرج بعد الشدة ٢/ ١٥٩.
(٣) فرج بن زياد الرخجي، منسوب إلى رخّج مدينة في نواحي كابل، مولى حمدونة بنت الرشيد، كان أبوه من سبي معن بن زائدة، من عمّال الدولة العباسية ولي الأهواز للرشيد فظلم وسرق، وهو صاحب قصر فرج ببغداد. الهفوات النادرة ٧٧، الوزراء والكتاب (٢٧٠).
[ ١٣٥ ]
عبد الله بن طاهر (١)، ومسرور الخادم (٢) في أمره وسألاه إطلاقه، فأمر بذلك. قال فرج: بتّ ليلتي تلك وأنا مفكّر، إذ أتاني آت في منامي فقال لي:
لمّا أتى فرجا من ربّه فرج جئنا إلى فرج نبغي به الفرجا
فلمّا أصبحت لم أشعر إلاّ واللّواء عقد لي على الأهواز وفارس ولاية، وأطلق لي معونة خمس مئة ألف درهم، وإذا أبو الينبغيّ (٣) الشّاعر قائم على باب داري، وقد كتب هذا البيت في رقعة ودفعها لي. فقلت له: متى قلت هذا البيت؟ فقال لي: في هذا الوقت الذي رضي عنك. فازددت بذلك تعجّبا، وأمرت له بعشرة آلاف (٤) درهم.
٣٥٠ - ولمولاي ركن الدّين أحمد بن قرطاء (٥)، وهو يومئذ محبوس:
_________________
(١) عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب المصعبي الخزاعي أمير خراسان ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، كان سيدا نبيلا عالي الهمة أديبا فاضلا جوادا عالما بأخبار الناس، سميت داره بالحريم الطاهر لأن من لجأ إليها أمن، مات أميرا في نيسابور سنة (٢٣٠) معجم الأدباء ٦/ ٩٦، الأعلام.
(٢) مسرور الخادم، أبو هاشم، خدم المهدي والرشيد، كان أثيرا عند الرشيد موضع سرّه ومنفذ أمره. واستمرت حرمته أيام الرشيد والمعتصم. ومات في أيامه.
(٣) أبو الينبغي، العباس بن طرخان شاعر محسن، ذو مزاح وهجو ومدح للخلفاء والقواد، خدم المنصور وله ثلاث عشرة سنة، وعاش إلى دولة المعتصم. سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦١٥. الكتاب والوزاء ٢٠١.
(٤) في الأصل ألف.
(٥) في المنهل الصافي ٢/ ٦٢: أحمد بن قرطاي الأمير ركن الدين أبو شجاع التركي الإربلي، مولى السلطان المظفر صاحب الإربل ولد سنة (٥٩٨) وحدث عن مسمار بن العويس، وكان له شعر جيد، غضب عليه أستاذه مظفر الدين فحبسه حتى مات، فلما توفي مظفر الدين قدم ابن قرطاي هذا وإخوته حلب، وخدم عند الملك العزيز صاحب حلب، ولما توفي العزيز عاد المذكور إلى بغداد، وزادت حرمته بها، واستوطنها إلى أن توفي فجأة سنة خمس وخمسين وست مئة. وانظر الوافي بالوفيات ٧/ ٢٩٦.
[ ١٣٦ ]
أأحبابنا ذاك المتيّم مالكم على البعد والتّفريق لا تذكرونه
تناسيتم مذ طال في السّجن عهده كأنّكم ما كنتم تعرفونه
لئن خنتم منه الوداد فإنّه مقيم على العهد الذي تعرفونه
٣٥١ - ولمؤلفه:
قالت حبيبة قلبي حين أحزنها وقد رأت سجنا في السّجن مأسور
في محبس لا يرى حيّا يلمّ به من لم يعش فيه يوما فهو معذور
في السّجن أوطنت أو في القبر؟ قلت لها سيّان عندي مسجون ومقبور
إذ ساكن القبر قد حلّت سكينته وساكن السّجن مرعوب ومذعور
والنّاس في ترك من بالسّجن مسكنه كترك من هو وسط القبر محصور
وجاهل ظنّ سكنى السّجن عن زلل قبحا له ذاك في المقدور مقدور
غاض الوقار ومات الجود قاطبة فالغدر متّبع والجود مهجور
والخلّ في اليسر معك الدّهر منتظم وفي الشّقاوة سلك الودّ منثور
جرّب جميع الورى تحظى (١) بتجربة فكلّ خلّ إذا جرّبته زور
ولا تعرّج عن العلياء خوف ردى فليس في الموت تقديم وتأخير
والله في كلّ ما يجري القضاء به إن ساء أو سرّ محمود ومشكور
٣٥٢ - ولأبي فراس بن حمدان وهو مأسور:
مصابي جليل والعزاء جزيل وظنّي بأنّ الله سوف يديل (٢)
جراح تحاماها الأساة مخوفة وسقمان باد منهما ودخيل (٣)
_________________
(١) في الأصل تحضى. ولم يجزم للوزن.
(٢) الديوان صفحة (٢١٨). قال ابن خالويه: قال أبو فراس هذه القصيدة وقد ثقل من الجراح التي نالته، ويئس من نفسه وهو في الأسر، فكتب إلى والدته يعزيها.
(٣) في الديوان: والعزاء جميل.
(٤) في الأصل تحاماه الأساء. والأساة: مفردها آس وهو الطبيب، وكذلك في الأصل حجول، وما أثبته من الديوان.
[ ١٣٧ ]
وأسرا أقاسيه وليل نجومه أرى كلّ شيء غيرهنّ يزول
تطول به السّاعات وهي قصيرة وفي كلّ دهر لا يسرّك طول (١)
تجافاني الأصحاب إلاّ عصيبة ستلحق بالأخرى غدا وتحول (٢)
ومن ذا الذي يبقى على العهد إنّهم وإن كثرت دعواهم لقليل
أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب يميل مع النّعماء حيث تميل
فيا حسرتي من لي بخلّ موافق أقول بشجوي مرّة ويقول (٣)
٣٥٣ - وذكر موسى بن عبد الملك (٤) قال: رأيت وأنا في الحبس [كأنّ] (٥) قائلا يقول لي:
لا زلت تعلو بك الجدود نعم وحفّت بك السّعود
أبشر فقد آن ما تريد يبيد أعداءك المبيد (٦)
لم يمهلوا ثم لم يقالوا والله يقضي بما يريد
فاصبر فصبر الفتى حميد والشكر ففي شكرك المزيد
قال: فما مضت عليّ تلك الأيام حتّى أطلقت.
٣٥٤ - وحدّث خالد بن يزيد قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب بن داود قال:
_________________
(١) في الديوان: تطول بي.
(٢) في الديوان: تناساني.
(٣) في الديوان: فيا حسرتا.
(٤) الفرج بعد الشدة ٢/ ٣٢٦.
(٥) موسى بن عبد الملك الأصبهاني، أبو عمران كان على ديوان الخراج في أيام المتوكل. طالبه المتوكل بضمان ضمنه له لم يستطع تسديده، مات سنة (٢٤٥) للهجرة. تاريخ الطبري ٩/ ٢١٤ وما بعدها.
(٦) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
(٧) في الفرج بعد الشدة: أبشر فقد نلت ما تريد.
(٨) الفرج بعد الشدة ٢/ ٢٣٤.
[ ١٣٨ ]
قال أبي (١): لمّا حبسني المهديّ في بئر، وبنى عليّ قبّة، فمكثت فيها خمس عشرة (٢) سنة حتّى مضى صدر من خلافة الرّشيد، وكان يدلّى لي في كلّ يوم رغيف وكوز ماء، وأوذن بأوقات الصّلاة، فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة (٣) حجّة أتاني آت في منامي فقال:
حنا على يوسف ربّ فأخرجه من قعر بئر وجبّ حوله غمم
قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتى الفرج. قال: فمكثت حولا لا أرى شيئا، فلمّا كان في رأس الثاني أتاني ذلك الآتي فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه له كلّ يوم في خليقته أمر (٤)
ثم أقمت حولا لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه الفرج القريب
فيأمن خائف ويفكّ عان ويأتي أهله الرّجل الغريب (٥)
فلمّا أصبحت نوديت، فظننت أنّي أوذن للصّلاة، ودلّي لي حبل، فقيل: شدّ به وسطك. ففعلت ما قالوا، وأخرجوني من البئر، فلمّا تأمّلت
_________________
(١) يعقوب بن داود بن عمر السلمي، من أكابر الوزراء تقرّب من المهدي، وعلت منزلته عنده حتى صدر مرسوم إلى الدواوين يقول: إن أمير المؤمنين المهدي قد آخى يعقوب بن داود. واستوزره، فغلب على الأمور كلها. كان ذا صلة بالعلويين مما أدى إلى سخط المهدي عليه فعزله وأمر بحبسه في المطبق وصادر أمواله، وقد ردّ عليه الرشيد ماله، وخيّره في الإقامة حيث يريد، فاختار مكة، وأقام بها إلى أن مات، وفيه قال بشار: بني أمية هبوا طال نومكم إن الخليفة يعقوب بن داود
(٢) في الأصل خمسة عشر.
(٣) في الأصل ثلاثة عشر.
(٤) تقدم البيت في الخبر (٣٤٦) صفحة ١٣٥.
(٥) في الأصل: فيأمن خائفا. ورواية الفرج بعد الشدة: ويأتي أهله النائي. والبيتان لهدبة بن خشرم ديوانه صفحة ٥٤.
[ ١٣٩ ]
الضّوء عشي بصري، فانطلقوا بي، فلمّا دخلت على الرّشيد، قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين. فقلت: السّلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] (١) وبركاته، المهديّ. قال: من أمير المؤمنين؟ قلت: المهديّ. قال: لست به. فقلت: الهادي؟ قال: لست به. قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] (١) وبركاته الرّشيد؟ فقال الرّشيد: يا يعقوب بن داود، إنّه والله ما شفع إليّ فيك أحد، غير أنّي حملت البارحة صبيّة لي على عنقي، فذكرت حملك إيّاي على عنقك فرثيت لك من المحلّ الذي كنت فيه فأخرجتك. قال: ثم أكرمني وقرّب مجلسي، فتنكر يحيى بن خالد (٢) كأنّه خاف أن أغلب على الرّشيد دونه، فخفته، واستأذنت في الحجّ، فأذن ولم أزل مقيما بمكة.
٣٥٥ - ولبعضهم:
لا تيأسنّ فربّما عظم البلاء وفرّجا
قد ينسخ الخوف الأما ن ويغلب اليأس الرجا
٣٥٦ - لسعد بن محمد بن [علي المعروف ب] الوحيد (٣):
_________________
(١) ما بين معقوفين من الفرج بعد الشدة.
(٢) يحيى بن خالد بن برمك، أبو الفضل الوزير السري الجواد، سيد بني برمك وأفضلهم، وهو مؤدب الرشيد ومعلمه ومربيه، رضع الرشيد من زوجة يحيى مع الفضل فكان يدعوه: يا أبي، لما ولي هارون الرشيد الخلافة دفع خاتمه إلى يحيى، وقلده أمره، واشتهر يحيى بجوده وحسن سياسته، واستمر إلى أن نكب الرشيد البرامكة، فقبض عليه وسجنه في الرقة إلى أن مات سنة (١٩٠) هـ. الأعلام.
(٣) حل العقال ١٣١.
(٤) سعد بن محمد بن علي الأزدي، أبو طالب، المعروف بالوحيد البغدادي، كان عالما بالنحو واللغة والعروض بارعا بالأدب، له شرح ديوان المتنبي، مات سنة (٣٨٥) معجم الأدباء ١١/ ١٩٧، بغية الوعاة (٢٥٣) وفي الأصل: سعيد بن محمد بن الوحيد والمثبت من مصادر ترجمته.
[ ١٤٠ ]
إن راعني منك الصّدود فلعلّ أيامي تعود
ولعلّ عهدك باللّوى (١) يحيا فقد تحيا العهود
فالعود ييبس تارة وتراه مخضرّا يميد
إنّي (٢) لأرجو عطفة يبكي لها الواشي الحسود
فرجا تقرّ به العيون فينجلي عنها السّهود
٣٥٧ - وقال عبد الله بن المعتز (٣): لما أمر المكتفي بحبسي في بغداد، نالني خوف عظيم، وبقيت محبوسا إلى أن قدم المكتفي إلى بغداد، وازداد خوفي بقدومه ولم أنم تلك الليلة خوفا وقلقا بوروده، فمرّت بي في السّحر طيور، فتمنّيت أن أكون مخلّى مثلها، لما يجري عليّ من النّكبات، ثمّ فكّرت في نعم الله تعالى، وما حازه لي من الإسلام، والقربة من رسول الله ﷺ، وما أؤمّله من البقاء الدّائم في الآخرة. وقلت في الحال:
يا نفس صبرا فإنّ الخير عقباك (٤) خانتك من بعد طول الأمن دنياك
مرّت بنا سحرا طير فقلت لها طوباك يا ليتني إيّاك طوباك
لكن هو الدّهر فالقيه على حذر فربّ مثلك تنزو تحت أشراك (٥)
فما أصبحت إلا قد سأل المكتفي عنيّ، وأمر باطلاقي، وأطلق لي مالا.
_________________
(١) في الأصل «النوى» والمثبت من حل العقال.
(٢) في الأصل «لإني» والمثبت من حل العقال.
(٣) الفرج بعد الشدة ٢/ ١٠، وتاريخ بغداد ٩/ ٩٨، والبداية والنهاية ١١/ ١٠٩، ومعاهد التنصيص ٢/ ٤٥.
(٤) عبد الله بن محمد المعتز، كان متقدما في الأدب، غزير العلم، بارع الفضل، حسن الشعر يقصد فصحاء العرب ويأخذ عنهم، صنف كتبا منها «البديع» و«طبقات الشعراء». آلت الخلافة إلى المقتدر، فاستصغره القواد وخلعوه، وأقبلوا على ابن المعتز وبايعوه على الخلافة، فأقام يوما وليلة وثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وعاد المقتدر، وأمر بقتله سنة (٢٩٦). تاريخ بغداد. الأعلام.
(٥) في الديوان ٢/ ١٤٠، وفي الفرج بعد الشدة. لعل الخير.
(٦) في الديوان: لقياه، وفيه أيضا: فربّ حارس نفسي تحت.
[ ١٤١ ]
وأنشدت لمعاوية بن أبي سفيان متمثّلا بقوله:
فلا تيأسن واستغن بالله إنّه إذا شاء [يوما] حلّ عقد تيسرا (١)
٣٥٨ - لأبي العتاهية:
إنّما الدّنيا هبات وعوار مستردّه (٢)
شدّة بعد رخاء ورخاء بعد شدّه
٣٥٩ - وروي عن أحمد بن أبي دواد قال: كنت بحضرة المعتصم، وقد أحضر تميم بن جميل الطّوسي (٣) مصفّدا بالحديد، وقد بسط له النّطع وانتضي السّيف وأمر بضرب عنقه. وكان رجلا جسيما وسيما، فأحبّ المعتصم أن يستنطقه لينظر أين مخبره من منظره (٤)، فقال له: تكلّم. فقال أما إذ أذن لي أمير المؤمنين في الكلام: فالحمد لله اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [السجدة:٧] يا أمير المؤمنين، جبر الله بك صدع الدّين، ولمّ بك شعث المسلمين. إنّ الذّنوب تخرس الألسنة، وتخلع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجّة، وساء الظّنّ ولم يبق إلا عفوك وإبقاؤك (٥). ثم قال:
_________________
(١) ما بين معقوفين ليس من الأصل استدركته لإقامة الوزن.
(٢) الديوان صفحة (٥٢٤) من تكملة الديوان.
(٣) في الأصل: وعواري.
(٤) العقد الفريد ٢/ ١٥٨، المستجاد (١١٧)، الفرج بعد الشدة ٤/ ٨٩، زهر الآداب ٣/ ٢٠٠، معجم البلدان (رحبة مالك) ٣/ ٣٤ والخبر فيه بين مالك بن طوق التغلبي والخليفة هارون الرشيد. وكذا هو في فوات الوفيات ٣/ ٢٣١. والذي في زهر الآداب: كان تميم بن جميل بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه.
(٥) في المستجاد، وزهر الآداب: تميم بن جميل السدوسي الخارجي.
(٦) جاء في الحاشية: وفي نسخة: أين عقله في ذلك الوقت. فقال له: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به. فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين في الكلام.
(٧) في مصادر الخبر: ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك.
[ ١٤٢ ]
أرى الموت بين السّيف والنّطع كامنا يلاحظني من حيث ما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي وأيّ امرىء ممّا قضى الله يفلت
وأيّ امرىء يدلي بعذر وحجّة وسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعي أنّي أموت وإنّني لأعلم أنّ الموت حقّ موقّت (١)
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أراهم حين أنعى إليهم وقد خدشوا تلك الخدود وصوّتوا (٢)
فإن عشت عاشوا خافضين (٣) بغبطة أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا
فاستعبر المعتصم، وقال: قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصّبية، ثم أمر به ففكّ قيده، وخلع عليه، وعقد له على سقي الفرات (٤)
٣٦٠ - أبو العتاهية:
هي الأيام والغير (٥) وأمر الله ينتظر
أتيأس أن ترى فرجا فأين الله والقدر
٣٦١ - وقيل: كان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصّابئ (٦) محبوسا فزاره أبو الفرج الببّغاء (٧) في محبسه، وخفّف الزّورة عنده، فكتب أبو إسحاق من
_________________
(١) في مصادر الخبر: شيء موقت.
(٢) في العقد الفريد وفوات الوفيات: وقد خمشوا. وفي المستجاد: وقد لطموا حرّ.
(٣) في الأصل خافظين على لهجة الناسخ.
(٤) في الفرج بعد الشدة: وعقد له ولاية على شاطئ الفرات، وفي زهر الآداب: وعقد له بشاطئ الفرات.
(٥) الديوان صفحة (٥٣٨) تكملة الديوان. وفي الأغاني ٤/ ٨٠ أن بكر بن المعتمر كتب إلى أبي العتاهية يشكو إليه ضيق القيد، وغمّ الحبس، فكتب إليه أبو العتاهية.
(٦) في الديوان، والأغاني: هي الأيام والعبر، ورواية الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب صفحة (٢٧٥) موافقة للرواية في الأصل.
(٧) يتيمة الدهر ١/ ٢١٥، وفيات الأعيان ٣/ ٢٠٠.
(٨) تقدمت ترجمته صفحة (٣٦).
(٩) تقدمت ترجمته صفحة (٣٨).
[ ١٤٣ ]
الحبس إليه (١):
أبا الفرج (٢) اسلم وابق وانعم ولا تزل يزيدك صرف الدّهر حظّا إذا نقص
مضت مدّة تستام ودّي غاليا (٣) فأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارة شفت قرما من صاحب لك قد خلص (٤)
ولكنها كانت كحسوة طائر فواقا كما يستفرص السّارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي وعادك عيد من تذكّرك القفص (٥)
كذا الكرّز اللمّاح ينجو بنفسه (٦) إذا عاين الأشراك تنصب للقنص
فحوشيت يا قسّ الطّيور بلاغة إذا ذكر المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حزّة المدى ومن بندق الرّامي ومن قصّة المقص (٧)
ومن صعدة فيها من الدّبق لهذم لفرسانكم يوم الطّعان بها قعص
فهذي دواهي الطّير وقّيت شرّها إذا الدّهر من أحداثه جرّع الغصص
فأجابه أبو الفرج الببغاء جواب رسالته (٨):
أيا ماجدا مذ يمّم الجود ما نكص (٩) وبدر تمام مذ تكمّل ما نقص
ستخلص من هذا السّرار وأيّما هلال توارى في السّرار وما خلص
_________________
(١) في مصادر الخبر: فزاره في محبسه ثم انصرف عنه ولم يعاوده.
(٢) في الأصل: أبو الفرج.
(٣) في مصدر الخبر: مضى زمن تستام وصلي.
(٤) في يتيمة الدهر: شفت كمدا. وفي وفيات الأعيان: شفت كبدا. والقرم: شدّة شهوة اللحم، وكثر حتى قيل في الشوق إلى الحبيب. القاموس (قرم).
(٥) في الأصل: أظنك استوحشت. والعيد: بالكسر: ما اعتادك من همّ أو مرض أو حزن ونحوه. القاموس (عيد) وفي مصدري الخبر: وأوجست خوفا من تذكرك القفص.
(٦) في الأصل: اللماج. وما أثبتناه من مصدري الخبر. والكرز: البازي، اللسان (كرز).
(٧) المنسر: المنقار. الشغا: اختلاف الأسنان، والشغواء: العقاب. قيل لها ذلك لفضل في منقارها الأعلى على الأسفل. اللسان (شغا) وفي وفيات الأعيان: حدّة المدى.
(٨) في مصدري الخبر: فأجابه أبو الفرج في الحال مع رسوله.
(٩) في الأصل: من يمم. والتصحيح من مصدري الخبر. وفيهما: مذ تكامل.
[ ١٤٤ ]
بإقبال تاج الملّة الملك الذي (١) بسؤدده في خطة المشتري حصص
تقنّصت شكري بالجميل ولم أكن علمت بأنّ الحرّ بالبرّ يقتنص
وآنست أسنى فرصة فانتهزتها (٢) بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
وإن كنت بالببغا قديما ملقّبا فكم لقب بالجور لا العدل مخترص (٣)
وبعد فما أخشى تقنّص جارح وقلبك لي وكر وصدرك لي قفص (٤)
قال: فلما سمع أمير المؤمنين بقصّتهما، فكانت خلاص الصّابئ (٥).
٣٦٢ - وقيل: سمع المأمون يوما إبراهيم بن مهدي (٦) عمّه لمّا حبسه ينشد في محبسه بصوت طرب (٧):
ولو أنّ خدّا من وكوف مدامع (٨) يرى معشبا لا خضرّ خدّي وأعشبا
على أنني لم أبك إلاّ مودّعا بقيّة روح فارقتني لتذهبا
قال: فرقّ له واستشار أحمد بن محمّد بن خالد (٩) في أمره، فقال: إن
_________________
(١) في المصدرين: برأفة تاج الملة.
(٢) في مصدري الخبر: وصادفت أدنى فرصة.
(٣) في مصدري الخبر: فإن كنت بالببغاء قدما. . . في الأصل: «لقبا».
(٤) في مصدري الخبر: ورأيك لي قفص.
(٥) في مصدري الخبر: فانتهى الابتداء والجواب إلى عضد الدولة، فأعجب بهما واستظرفهما، وكان ذلك أحد أسباب اطلاق أبي إسحاق.
(٦) مختصر تاريخ دمشق ٤/ ١٣٥.
(٧) إبراهيم بن محمد المهدي، أخو هارون الرشيد، ولاه الرشيد إمرة دمشق مرتين، دعا بالخلافة لنفسه، وبايعه أهل بغداد فطلبه المأمون فاستتر ست سنين وشهورا، حتى ظفر به المأمون فحبسه ستة أشهر ثم أطلقه، كان أسود حالك اللون عظيم الجثة، يعرف بالتنين وليس في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانا، ولا أجود شعرا، كان فاضلا حازما، حاذقا بصنعة الغناء. الأعلام.
(٨) كان إبراهيم إذا تنحنح، طرب من يسمعه، فإذا غنى، أصغت الوحوش. . . وكان إذا غنى لم يبق أحد إلا ذهل. سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٦٠.
(٩) وكف الدمع: سال. انظر اللسان (وكف).
(١٠) وهو أحمد بن أبي خالد الأحول، من الموالي، كان جليل القدر من عقلاء الرجال، -
[ ١٤٥ ]
عاقبت وجدت مثلك قد عاقب مثله كثيرا، وإن عفوت لم تجد مثلك عفا عن مثله. فعفا عنه، وأمر بإطلاقه.
٣٦٣ - وقيل: لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس الأشهاد، فأمر بإحضاره من محبسه فجيء به يحجل في قيوده، حتّى وقف على طرف الإيوان، وقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال المأمون: لا سلّم الله عليك، ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم. فقال له إبراهيم: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت وليّ ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التّلف.
وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذي ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ ذي عفو، فإن تعاقب فبحقّك، وإن تعف (١) فبفضلك. قال: فأطرق المأمون مليّا، ثم رفع رأسه وقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك وإذا المعتصم والعباس بن المأمون (٢). فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرّأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان، ولكنّ الله ﷿ عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا مما تخاف بما ترجو، فكفاك الله. فتبسّم المأمون، وأقبل على ثمامة وقال: إنّ من الكلام ما يفوق الدّرّ، ويغلب السّحر، وإنّ كلام عمّي منه، أطلقوا عن عمّي حديده وردّوه
_________________
(١) وكان كاتبا شديدا فصيحا لبيبا بصيرا بالأمور، استوزره المأمون، توفي سنة (٢١٠) الفخري:٢٠٠. وقول أحمد بن محمد في الأغاني ١٠/ ١١٨، ووفيات الأعيان ١/ ٤١.
(٢) الأغاني ١٠/ ١١٦، الفرج بعد الشدة ٣/ ٣٤٢، والخبر بنحوه في العقد الفريد ٢/ ١٤٨.
(٣) في الأصل: تعفو.
(٤) العباس بن المأمون بن الرشيد، أمير عباسي، ولاه أبوه الجزيرة والثغور، لما ولي المعتصم امتنع كثير من القواد من مبايعته ونادوا باسم العباس بن المأمون، فدعاه المعتصم إليه وأخذ البيعة فسكن الناس، وأقام إلى أن خرج المعتصم إلى الثغور فاتفق مع بعض القواد على قتل المعتصم، فعلم المعتصم فقبض عليه وعلى أصحابه وعذبه وسجنه إلى أن مات بمنبج سنة (٢٢٣) الأعلام.
[ ١٤٦ ]
لي مكرّما. فلمّا ردّ إليه قال: يا عمّي طب نفسا، وارجع إلى الأنس فلن ترى منيّ أبدا إلاّ ما تحبّ.
٣٦٤ - ولأبي عبادة البحتريّ يخاطب محمد بن يوسف الثّغريّ وهو محبوس:
جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّ من الحدث المشكوّ والنّازل المشكي
وما هذه الأيّام إلاّ منازل فمن منزل رحب إلى (١) منزل ضنك
وقد هذّبتك الحادثات وإنّما صفا الذّهب الإبريز يظهر بالسّبك (٢)
أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسا على الظّلم والإفك
أقام جميل الصّبر في السّجن برهة فآل به الصّبر الجميل إلى الملك
٣٦٥ - وحبس الرّشيد رجلا فكتب إليه: إنّ كلّ يوم يمضي من ملكك يمضي من بؤسي مثله، والأمد قريب، والحكم لله. فأمر بإطلاقه.
٣٦٦ - وحبس الرّشيد أبا العتاهية فكتب إليه من السّجن:
تفديك نفسي من كلّ ما كرهت نفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبي مصّور لك ما فيه لتستيقن الذي أضمر
فلما وقف الرّشيد على ذلك أمر بإطلاقه.
٣٦٧ - وحدّث محمد بن عبّاد قال: دخل حمزة بن بيض (٣) على يزيد بن
_________________
(١) تقدّم الخبر برقم (٢٨٩) صفحة ١١٨.
(٢) في الأصل: ومن منزل ضنك.
(٣) في الديوان (١٥٦٨) قبلك بالسبك، وكذا هو في الخبر (٢٨٩) صفحة ١١٨.
(٤) ديوان أبي العتاهية صفحة (٥٥٦) تكملة الديوان.
(٥) الأغاني ١٦/ ٢٠٩.
(٦) حمزة بن بيض الحنفي شاعر أموي كوفي خليع ماجن من فحول طبقته، كان كالمنقطع إلى المهلب بن أبي صفرة وولده، اكتسب في الشعر مالا عظيما وله أخبار مع عبد الملك بن مروان. الأغاني ١٦/ ٢٠٢، معجم الأدباء ١/ ٢٨٠، فوات الوفيات ١/ ٣٩٥.
[ ١٤٧ ]
المهلّب في السّجن فأنشده:
أغلق دون السّماح والجود والن نجدة باب حديده أشب (١)
ابن ثلاث وأربعين مضت لا ورع واهن ولا نكب (٢)
لا بطر إن تتابعت نعم وصابر في البلاء محتسب
برّزت سبق الجواد في مهل وقصّرت دون سعيك العرب
فقال: والله، يا حمزة، لقد أسأت حين نوّهت باسمي في وقت غير تنويه. ثم رفع مقعدا تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعنده صاحب خبر [واقف] (٣). فقال: خذ هذا الدينار فو الله ما أملك ذهبا غيره. فأخذه حمزة، وأراد ردّه. فقال له سرّا: خذه، ولا تخدع عنه. قال حمزة:
فعلمت أنّه غير ذهب، فلمّا خرجت، قال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، واستحييت أن أردّه. فلما صرت إلى منزلي حللت الصّرة وإذا فصّ ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت: والله، لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمنّ أنّي أخذته من يزيد فيؤخذ مني. فخرجت به إلى خراسان فبعته من (٤) رجل يهوديّ بثلاثين ألفا، فلمّا قبضت المال [وصار الفصّ في يده] (٥)، قال لي: والله، لو أبيت إلاّ خمسين ألفا، لأخذته منك بها. فكأنّه قذف في قلبي جمرة، فلمّا رأى تغيّر وجهي قال: لست أشكّ أنّي قد غممتك. قلت: إي والله، وقتلتني. فأخرج إليّ مئة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك؛ ليتوفّر عليك المال.
_________________
(١) في الأصل: حديد. والأشب: الملتف. القاموس. (أشب).
(٢) ورع: جبان. القاموس (ورع).
(٣) ما بين معقوفين من الأغاني.
(٤) في الأصل على والتصويب من الأغاني.
(٥) ما بين معقوفين مستدرك من الأغاني.
[ ١٤٨ ]
٣٦٨ - وقال القاضي التنوخي (١): من طريف ما شاهدناه: أنّ أبا تغلب (٢) فضل الله بن ناصر الدّولة أبي محمد (٣) استوحش من أخيه محمد (٤) بعد موت أبيهما، فقبض عليه واستصفى ماله، ونعمته، وقبض عقاره وضيعه، وثقّله بالحديد، وأنفذه إلى القلعة المعروفة بأردمشت (٥)، وهي مشهورة من أعمال الموصل حصينة، فحبسه فيها في مطمورة ووكّل بحفظه وإطعامه عجوزا جلدة ضابطة يقال لها نازيانوا (٦) وأمرها أن لا توصل إليه أحدا (٧)، ولا تعرّفه خبرا، وأن تخفي موضعه عن جميع شحنة (٨) القلعة وحفظها. ففعلت ذلك، وأقام على حاله تلك نحو ثمان سنين.
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٢/ ١٨٤، حل العقال:٨١.
(٢) أبو علي المحسن بن علي البصري، من العلماء الأدباء الشعراء، ولد ونشأ في البصرة، ولي قضاء جزيرة ابن عمر وعسكر مكرم من كتبه: «الفرج بعد الشدة» و«نشوار المحاضرة» و«المستجاد من فعلات الأجواد» توفي ببغداد سنة (٣٨٤ هـ) الأعلام.
(٣) في الأصل: ثعلب. والتصحيح من مصادر ترجمته. انظر سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٠٦.
(٤) فضل الله الغضنفر بن الحسن ناصر الدولة أبي محمد بن عبد الله الحمداني التغلبي، أمير الموصل استولى على الإمارة من أبيه، وحارب عضد الدولة فخسر المعركة، وفرّ إلى الشام، ثم إلى فلسطين حيث أسر وقتل. الأعلام.
(٥) محمد بن ناصر الدولة أبو الفوارس، أمير حمداني شجاع، كان أسيرا عند الروم حتى أطلقه سيف الدولة مقابل أمير رومي، تولى نصيبين، خدعه أخوه واعتقله بقلعة أردمشت ثماني سنين حتى أطلقه عضد الدولة. عن حاشية الفرج بعد الشدة.
(٦) أردمشت قلعة حصينة قرب جزيرة ابن عمر، في شرقي دجلة الموصل، وقد خربّها المعتضد بالله، ثم أعاد بناءها ناصر الدولة أبو تغلب أحمد بن حمدان. معجم البلدان ١/ ١٤٦.
(٧) في الفرج بعد الشدة: نازبانو. قال محقق الكتاب: والاسم فارسي من كلمتين ناز: فخر، وبانو: السيدة الجليلة، فيكون الاسم بالعربية فخر النساء.
(٨) في الأصل: أحد.
(٩) الشّحنة في البلد: من فيه الكفاية لضبطها من جهة السلطان.
[ ١٤٩ ]
ثم اتّفق أن انحدر أبو تغلب معاونا لعزّ الدّولة أبي منصور بختيار بن معزّ الدولة (١) ومعهما العساكر يقصدان بغداد لمحاربة عضد الدولة (٢) وقد خرج للقائهما فكانت بينهما الوقعة العظيمة المشهورة بقرب قصر الجصّ (٣)، فقتل فيها عزّ الدولة، وانهزم أبو تغلب، فدخل الموصل وخاف أن يتخلّص محمد، فكتب إلى غلام له كانت القلعة مسلّمة له يقال له طاشتم (٤): في أن يمكّن رئيسا من رؤوساء الأكراد يقال له صالح كان كالشّريك لطاشتم في حفظ القلعة من محمّد ليمضي فيه ما أمره به. وكتب إلى صالح يأمره بقتل محمّد أخيه. فمكّن طاشتم صالحا، فلما أراد الدّخول على محمد ليقتله، منعت نازيانوا من ذلك وقالت: لا أمكّن من هذا إلا بكتاب يرد عليّ من الأمير.
وشارف عضد الدولة الموصل، فانجفل عنها أبو تغلب وكردته (٥) العساكر فاشتدّ عليه الطّلب، وورد عليه كتاب صالح بما قالت نازيانوا. فإلى أن أجاب عنه أحاطت بعض عساكر عضد الدّولة بقلعة أردمشت ونازلوها فانقطعت الأخبار ما بينهما وبين أبي تغلب، ولم يصل له إليها كتاب، ثم فتحها عضد
_________________
(١) بختيار بن الحسين معز الدّولة بن بويه الديلي، تولى الحكم في العراق بعد وفاة أبيه سنة ٣٥٦، وكان سيء التدبير، فأفسد عليه جنده، كان منصرفا للهو توفي سنة ٣٦٧.
(٢) عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن أبي علي الحسن ركن الدولة بن بويه، أحد المتغلبين على الملك في عهد الدولة العباسية، تولى ملك فارس ثم الموصل وبلاد الجزيرة، كان مهيبا جبارا عسوفا عالما بالعربية، كان محبا للعمران. أنشأ البيمارستان العضدي ببغداد، وعمّر القناطر والجسور، توفي سنة ٣٧٢. الأعلام.
(٣) قصر الجصّ: قصر عظيم قرب سامراء، بناه المعتصم للنزهة. معجم البلدان ٤/ ١١٠.
(٤) طاشتم من مماليك أبي تغلب، كان عاقلا أمينا دينا، أناط به سيده حفظ قلعة أردمشت شريكا لصالح بن بانويه، فلمّا حاصرها عضد الدولة، سلمها ابن بانويه إليهم وقبض على طاشتم وتسلمه عضد الدولة فبعث به إلى أبي تغلب فقتله. عن حاشية الفرج بعد الشدة.
(٥) في الأصل كدّته، وما أثبتناه من الفرج بعد الشدة: والكرد: الطرد: القاموس (كرد).
[ ١٥٠ ]
الدّولة بعد شهور، بأن واطأه صالح على قبض طاشتم وكتب إليه يعرّفه عمل (١)، ويستأذنه فيما يعمله.
وكان لمحمد خادم خصيّ يلي أمر داره أسود يسمى ناصحا وكان بعد القبض على محمد قد وقع إلى عضد الدّولة وهو بفارس، فصار من وجوه خدمه، فلما ورد الخبر بفتح القلعة أذكره ناصح بوعد كان له عليه في إطلاق مولاه محمد إذا فتح القلعة. فكتب يطلبه في القلعة، فإن وجد حيّا أن يطلق عنه، وينفذ إليه مكرّما. فحين دخل صالح ومعه بعض من صعد إلى القلعة من أصحاب عضد الدّولة إلى محمد في محبسه جزع جزعا شديدا، ولم يشكّ أنّهم دخلوا بأمر أبي تغلب لقتله، فأخذ يتضرّع ويقول: ما يدعو أخي إلى قتلي؟.
فقالوا له: لا خوف عليك. فإنّما أمرنا الملك أن نطلق عنك، وتمضي إليه مكرّما، فقد ملك هذه البلاد. فقال: أغلب ملك الرّوم على هذه النواحي، وفتحت له القلعة؟ قالوا: لا، ولكن الملك عضد الدولة. قال:
الذي كان بشيراز؟ قالوا: نعم. قال محمد: فأين بختيار؟ قالوا: قتل.
قال: فأين أبو تغلب؟ قالوا: انهزم ودخل بلد الرّوم. قال: فالملك عضد الدّولة أين هو؟ قالوا: بالموصل، وقد أمر أن نحملك إليه مكرّما. فسجد حينئذ، وبكى بكاء شديدا، وحمد الله تعالى كثيرا، وجاؤوا ليفكّوا قيده، فقال: لا أمكّن من ذلك إلا بعد أن يشاهد حالي الملك.
فحمل إلى الموصل فرأيته وقد أصعد به مقيّدا من [المعبر الذي عبر فيه في] (٢) دجلة إلى دار أبي تغلب التي نزلها عضد الدّولة، وأنا إذ ذاك أتولاها له، فرأيت محمدا يمشي في أقياده حتى دخل فقبّل الأرض بين يديه، ودعا له وأخرج إلى حجرة من الدّار، فأخذ حديده، وحمل على فرس فاره بمركب
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي الفرج بعد الشدة: يعرفه بما عمله.
(٢) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
[ ١٥١ ]
ذهب، وقيّد بين يديه خمس (١) دوابّ بمراكب فضّة وخمس بجلالها، وثلاثون بغلا بوكفها (٢) محمّلة مالا صامتا، ومن صنوف الثّياب الفاخرة وغيرها إلى دار قد فرّغت له، وفرشت، وملئت بجميع ما يحتاج إليه، ثم أقطعه بعد أيام إقطاعا بثلاث مئة ألف درهم، وولاّه إمارة بلد (٣) وأعمالها.
وهو ما كان يتولاه لأخيه أبي تغلب.
٣٦٩ - قال (٤): وقيل: كان موسى الهادي قد طالب أخاه الرّشيد أن يخلع نفسه من العهد ليصيّره لابنه بعده (٥). ويخرج هارون [من الأمر] (٦) فلم يجب إلى ذلك. فأحضر يحيى بن خالد البرمكي ولطف به وداراه، ووعده ومنّاه، وسأله أن يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك، ودافعه عنه، فتهدّده وتوعّده، وجرت بينهما في ذلك خطوب عظيمة، وأشرف يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه إلى أن اعتلّ الهادي علّته التي مات فيها، واشتدّت به، فدعا يحيى وقال له:
ليس ينفعني معك شيء (٧)، وقد أفسدت أخي عليّ، وقوّيت نفسه حتى امتنع ممّا أريده، وو الله، لأقتلنّك، ثم دعا بالسّيف والنّطع، وأبرك يحيى ليضرب عنقه، فقال إبراهيم بن ذكوان الحرّاني (٨): يا أمير المؤمنين، إن ليحيى عندي
_________________
(١) في الأصل: خمسة.
(٢) في الأصل: «باكفّها» والوكاف يكون للبعير والحمار والبغل، والجمع وكف. اللسان (وكف).
(٣) بلد: مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل. معجم البلدان.
(٤) الفرج بعد الشدة ٤/ ٩٤.
(٥) القاضي التنوخي.
(٦) ابنه جعفر بن موسى الهادي، انظر الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٢٠٧.
(٧) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
(٨) في الأصل شيئا.
(٩) إبراهيم بن ذكوان من موالي المنصور، صحب الهادي وكان له ناصحا، ولما ولي الخلافة استوزره، قبض الرشيد أمواله وحبسه في دار يحيى البرمكي، ثم أذن له في-
[ ١٥٢ ]
يدا (١) أريد أن أكافئة عليها، وأحبّ أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد أعلى عينا (٢) وما تراه في أمره. فقال: وما فائدة حياة ليلة؟ فقال: إمّا أن يقود صاحبه إلى إرادتك، أو يعهد في أمر نفسه وولده. فأجابه إلى ذلك. قال يحيى: فأقمت من النّطع، وقد أيقنت بالموت، وأنه لم يبق لي من أجلي إلا بقيّة اللّيلة، فما اكتحلت غمضا إلى السّحر (٣)، ثم سمعت صوت الأقفال.
فلم أشكّ أنّ الهادي قد استدعاني للقتل لمّا [انصرف كاتبه. و] (٤) انقضت اللّيلة، فإذا خادم قد دخل، فقال: أجب السّيدة. فقلت: مالي والسّيدة؟
فقال: قم. فقمت، وأتت الخيزران (٥) فقالت: إنّ موسى قد مات، ونحن نساء، فادخل وأصلح شأنه. وأنفذ إلى هارون فجىء به. فدخلت فرأيته قد مات (٦) فوق فراشه، فشددت لحيته، وحمدت الله على لطيف صنعه، وتفريجه ما كنت فيه، وبادرت إلى هارون فوجدته نائما، فأيقظته، فلما رآني عجب وقال: ما الخبر؟ فقلت: قم يا أمير المؤمنين، إلى دار الخلافة. فقال: مات موسى؟ قلت: نعم. فقال: الحمد لله، هاتوا
_________________
(١) الانحدار إلى البصرة. الفخري (١٦٨) الطبري: انظر الفهرس.
(٢) في الأصل يدي.
(٣) في الفرج بعد الشدة: وأنت في غد تفعل به ما تحبّ.
(٤) جاء في هامش المخطوط: لا تخش من ظالم عنادا واصبر لكي تبلغ المرادا وانتظر اللّطف من إله بفضله يرحم العبادا ولا تخافنّ من وعيد كم جمرة أصبحت رمادا
(٥) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
(٦) الخيزران زوجة المهدي وأم ولديه الهادي والرشيد، ملكة حازمه فقيهة، كانت وراء ثبات ولاية العهد للرشيد، حجت وأنفقت أموالا في الصدقات وأبواب البر. ماتت ببغداد. الأعلام.
(٧) جاء في هامش المخطوط: وفي نسخة يا من إذا حاط البلى وتكاثرت محن الدّواهي فرّجتها بدقيقة من بعض لطفك يا إلهي
[ ١٥٣ ]
ثيابي، فإلى أن لبسها جاءني سرّا من عرّفني أنّه ولد له ابن من مراجل.
فقلت: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين بابن من مراجل. ولم يكن عرف الخبر. فحمد الله كثيرا، وسمّاه عبد الله وهو المأمون، وركب وأنا معه إلى دار الخلافة.
٣٧٠ - قال (١): وحدّث أبو الحسن بن أبي طاهر محمّد بن الحسن الكاتب قال: قبض أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله (٢) في وزارته على أبي وعليّ معه فحبسنا في حجرة من داره ضيّقة وأجلسنا على التراب وشدّد علينا، وكان يخرجنا كلّ يوم فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب بحضرته ولا يضرب هو، ولا قينا من ذلك شدائد صعبة، فلما كان بعد أيام قال أبي:
إنّ هؤلاء الموكّلين بنا قد صارت لهم بنا حرمة فتوصّل (٣) إلى مكاتبة أبي بكر الصّيرفي-وكان صديقه-لينفذ لنا ثلاثة آلاف درهم نفرّقها عليهم. ففعلت ذلك، وأنفذ الدراهم من يومه.
فقلت للموكّلين في عشاء ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق فخذوا هذه الدّراهم فانتفعوا بها. فامتنعوا، فقلت: ما سبب امتناعكم؟ فورّوا (٤) عن ذلك. فقلت: إمّا قبلتم (٥) الدراهم، وإمّا عرّفونا السّبب.
فقالوا: نشفق عليكم من ذكره، ونستحي. فقلت لأبي، فقال: قل لهم اذكروه على كلّ حال. فقلت لهم، فقالوا: قد عزم الوزير على أن يقتلكما
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ١/ ٢٧٧. حل العقال ٦٩.
(٢) ما زال القول مسندا للقاضي التنوخي.
(٣) محمد بن القاسم الحارثي، كان عاملا على جند قنسرين والعواصم، استوزره القاهر بالله، ثم قبض عليه بعد ثلاثة شهور، مات بعد اعتقاله بثلاثة أيام. وفي الأصل: ابن عبد الله، والتصحيح من الفرج بعد الشدة.
(٤) في الأصل: قد صارت لنا بهم حرمة فنتوصل. وما أثبتناه من الفرج بعد الشدة.
(٥) في الأصل فزووا. وما أثبتناه من الفرج بعد الشدة.
(٦) في الأصل قبلتوا. وما أثبتناه من الفرج بعد الشدة.
[ ١٥٤ ]
اللّيلة، ولا نستحسن أن نأخذ شيئا منكما مع هذا. فقلقت، ودخلت إلى أبي في غير تلك الصّورة، فقال: مالك؟ فأخبرته الخبر. فقال: اردد الدّارهم على أبي بكر. فدفعتها إلى من جاء بها فردّها عليه.
وكان أبي يصوم تلك الأيّام كلّها، فلما غابت الشّمس تطهّر ولم يفطر، وصلّى المغرب، وصلّيت معه، ثم أقبل على الصّلاة والدّعاء إلى أن صلّى عشاء الآخرة، ثمّ دعاني، فقال لي: اجلس يا بني جاثيا على ركبتيك.
ففعلت، وجلس هو كذلك، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال: يا ربّ، محمد بن القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا، فاحكم بيننا.
لا يزيد عليها، ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته ولم يزل يكرّرها بصياح وبكاء، واستغاثة إلى أن ظننت أنّه قد مضى ربع الليل، فو الله ما قطعها حتّى سمعت صوت الباب يدقّ فذهب عليّ أمري، ولم أشكّ في أنّه القتل، وفتحت الأبواب (١)، ودخل قوم بشموع، فتأمّلت فإذا فيهم سابور (٢) غلام القاهر بالله، فقال: أين أبو الطاهر؟ فقام أبي، وقال: ها أنا ذا. فقال: أين ابنك؟ فقال: هو ذا. فقال: انصرفا إلى منزلكما. فخرجنا وإذا هو قد قبض على الوزير محمد بن قاسم، وحدره إلى دار القاهر فانصرفنا.
وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ثم مات.
٣٧١ - وقال الأصمعيّ: أتي عبد الملك بن مروان برجل قد قامت عليه
_________________
(١) جاء في الهامش: نم قرير العين ممّن بات في ضرّك ساهرٌ وكل الباغي لباري وكفى بالله ناصر
(٢) سابور الخصي خادم القاهر بالله، كان أثيرا عنده، وكان يكلفه بالقبض على من يريد اعتقاله أو قتله.
(٣) عيون الأخبار ١/ ٩٩، الأجوبة المسكتة ١١١، العقد الفريد ٢/ ١٦٧، الفرج بعد الشدة-
[ ١٥٥ ]
البيّنة بسرقة، فأمر بقطع يده، فقال الرّجل:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها بعفوك من عار عليها يشينها
ولا خير في الدّنيا ولا في نعيمها إذا ما شمال فارقتها يمينها (١)
قال: هذا حدّ من حدود الله، ولا بدّ من إقامته. فقامت أمّه، وكانت عجوزا كبيرة فقالت: يا أمير المؤمنين، ولدي، وكادّي وكاسبي وواحدي. فقال: بئس الولد ولدك والكادّ والكاسب والواحد، يا غلام، اقطع يده. فقالت: يا أمير المؤمنين، أما لك ذنوب تستغفر الله عليها؟ قال: نعم. قالت: فهبه لي واجعله من الذّنوب التي تستغفر الله عليها. قال: خلّوه. فأطلق.
٣٧٢ - وذكر أبو عبد الله الباقطائي (٢) قال: سمعت عبيد الله بن سليمان (٣) يحدّث في وزارته قال: [قال لي أبي] (٤): أصبحت يوما وأنا في حبس محمد بن عبد الملك الزّيّات في خلافة الواثق آيس ما كنت من الفرج، وأشدّ محنة وغمّا، حتّى وردت عليّ ورقة أخي الحسن بن وهب (٥) وفيها شعر بعد رسالة:
_________________
(١) بعد الشدة ١/ ٣٧٥ المستطرف ٢٠٢.
(٢) في عيون الأخبار، والعقد الفريد: فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة.
(٣) الفرج بعد الشدة ١/ ١٨٦ وأبيات الحسن بن وهب في الأغاني ٢٣/ ٩٦، وفوات الوفيات ١/ ٣٦٧، والخبر بنحوه في المستطرف (٣١٤)، والأرج من أدعية الفرج (١٨١).
(٤) باقطائي نسبة إلى باقطايا، من قرى بغداد، معجم البلدان (باقطايا).
(٥) عبيد الله بن سليمان بن وهب الحارثي، أبو القاسم، وزير من أكابر الكتاب استوزره المعتمد العباسي، وأقرّه المعتضد بعده، استمرت وزارته عشر سنين إلى وفاته سنة (٢٨٨). الأعلام.
(٦) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة، وأبو عبيد الله هو سليمان بن وهب بن سعيد الحارثي من كبار الكتاب، ولي الوزارة للواثق ثم للمهتدي ثم للمعتمد، ونقم عليه فحبسه، فمات في حبسه سنة (٢٧٢) للهجرة. وهو أخو الحسن الشاعر. انظر مصادر ترجمة سليمان بن وهب: الأغاني ٢٣/ ١٤٣، وسمط اللآلي ٥٠٦، ووفيات الأعيان ٢/ ٤١٥، والفخري ٢١٨.
(٧) الحسن بن وهب بن سعيد الكاتب أبو علي، كاتب من الشعراء، استكتبه الخلفاء وهو أخو سليمان، له أخبار مع أبي تمام، رثاه البحتري لما مات. الأغاني ٢٣/ ٩٥، -
[ ١٥٦ ]
خطب أبا أيّوب جلّ محلّه فإذا جزعت من الخطوب فمن لها (١)
إنّ الذي عقد الذي انعقدت به عقد المكاره فيك يحسن حلّها
فاصبر فإنّ الله يعقب راحة ولعلّها أن تنجلي ولعلّها (٢)
وعسى تكون قريبة من حيث لا ترجو ويمحو عزّ جدّك ذلّها (٣)
فكتبت إليه:
صبّرتني ووعظتني وأنا لها وستنجلي بل لا أقول لعلّها
ويحلّها من كان صاحب حلّها ثقة به إذ كان يحسن حلّها
قال: فلم يكن العتمة من ذلك اليوم إلا وأنا في داري مطلقا.
٣٧٣ - وذكر منارة صاحب الخلفاء قال: رفع إلى هارون الرّشيد أنّ رجلا بدمشق من بقايا بني أميّة، عظيم الجاه، واسع الدّنيا، كثير المال والأملاك، مطاعا في البلد، له جماعة مماليك وأولاد وموال يركبون الخيل، ويحملون السّلاح، ويغزون الرّوم، وأنّه سمح جواد كثير الضّيافة، وأنّه لا يؤمن منه فتق يتعذّر رتقه، فعظم ذلك على الرشيد.
قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض خرجاته إلى الحجّ سنة ستّ وثمانين ومئة، وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون
_________________
(١) وفوات الوفيات ١/ ٣٦٧، الأعلام.
(٢) في الفرج بعد الشدة: محن أبا أيوب أنت محلها، وفي فوات الوفيات: اصبر أبا أيوب صبرا يرتضى.
(٣) الشطر الأول في الأغاني: فاصبر لعل الصبر يفتق ما ترى، وفي فوات الوفيات: الله يفرّج بعد ضيق كربها.
(٤) في الفرج بعد الشدة: وتمحو عن جديدك ذلها.
(٥) الفرج بعد الشدة ٢/ ٣٤، المستطرف (٩٢) حل العقال (٧٥).
[ ١٥٧ ]
والمؤتمن (١) أولاده، فدعاني وهو على حال (٢)، فقال: إنّي دعوتك لأمر يهمني قد منعني النوم، فانظر كيف تعمل وتكون؟ ثمّ قصّ عليّ قصّة الأموي، وقال: اخرج الآن فقد أعددت لك الراحلة وأزحت علّتك في الزّاد والرّاحلة والنّفقة والآلات، وضمّ إليك مئة غلام فاسلك البريّة، وهذا كتابي إلى أمير دمشق، [وهذه قيود] (٣) فادخل، فابدأ بالرجل، فإن سمع وأطاع، فقيّده بها وائتني به، وإلا فتوكّل به أنت ومن معك لئلا يهرب، وأنفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليركب في جيشه، واقبضوا عليه، وتجيئني به، وقد أجّلتك لذهابك ستا ولعودك ستا، ويوما لمقامك، وهذا محمل تجعله في شقّة وأنت في الأخرى، ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر، وإذا دخلت داره فتفقّدها وجميع ما فيها، وولده وأهله وحاشيته وغلمانه، وما يقولون، وقدّر النّعمة والحال والمحل، واحفظ ما يقوله الرّجل حرفا حرفا، وإيّاك أن يشكل عليك شيء من أمره.
قال منارة: فودّعته وانصرفت وخرجت، فركبت الإبل، وسرت أطوي المنازل، وأسير الليل والنهار، ولا أنزل إلاّ للجمع بين الصّلاتين والبول وتنفيس (٤) الناس قليلا، إلى أن وصلت دمشق في أوّل اللّيلة السّابعة، وأبواب البلد مغلقة، فكرهت طرقها، فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح بابه من غد، فدخلت على هيئتي حتّى أتيت باب الرّجل، وعليه صفف (٥) كثير عظيم،
_________________
(١) المؤتمن وهو القاسم بن هارون الرشيد، كان أبوه بايع له بالخلافة بعد المأمون، أغزاه الرشيد أرض الروم، واستخلفه على الرقة، ولمّا ولي الأمين عزله عن الجزيرة وأبقاه على قنسرين والعواصم، ولما ولي المأمون خلعه من ولاية العهد، وترك الدعاء له على المنابر. وكان هذا العزل لطيش فيه وخفه وسوء تصرف، مات بحياة المأمون. تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣، الأعلام.
(٢) في الفرج بعد الشدة: فدعاني وهو خال.
(٣) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
(٤) في الأصل تنعيس، وما أثبتناه من الفرج بعد الشدة.
(٥) الصّفف: مفردها صفّة، وهي من البنيان شبه البهو الواسع الطويل السميك. اللسان-
[ ١٥٨ ]
وحاشية كثيرة، فلم أستأذن، ودخلت بغير إذن، فلما رأى القوم ذلك، سألوا بعض من كان معي عنّي، فقال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين الرّشيد إلى صاحبكم. فأمسكوا فلما صرت في صحن الدّار نزلت ورأيت مجلسا فيه جماعة جلوسا، فظننت الرّجل فيهم، فقاموا إليّ ورحّبوا بي وأكرموني، فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: لا، نحن أولاده، وهو في الحمام، قلت: استعجلوه.
فمضى بعضهم يستعجله، وأنا أتفقّد الدّار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديدا، فلم أزل كذلك حتى خرج الرّجل بعد أن أطال، واستربت به، واشتدّ قلقي وخوفي من أن يتوارى، إلى أن أقبل شيخا بزيّ (١) الحمّام، يمشي وحوله جماعة كهول وأحداث وصبيان هم أولاده وغلمان كثير فعلمت أنّه الرّجل، فجاء حتى جلس، وسلّم عليّ سلاما خفيفا، وسألني عن أمير المؤمنين، واستقامة أمر حضرته. فأخبرته بما وجب، وما قضى كلامه حتى جاؤوه بأطباق فاكهة، فقال لي: تقدّم يا منارة، فكل معنا. فقلت: ما بي إلى ذلك حاجة. فلم يعاودني، وأقبل يأكل هو والحاضرون عنده، ثم غسل يده، ودعا بالطعام، فجاؤوا بمائدة (٢) حسنة عظيمة لم أر مثلها إلاّ للخليفة، فقال: تقدّم يا منارة، فساعدنا على الأكل. لا يزيدني على أن يدعوني باسمي، كما يدعوني الخليفة، فامتنعت، فلم يعاودني، وأكل هو وأولاده، وكانوا تسعة عددهم، وجماعة كثيرة من أصحابه وحاشيته، وجماعة من أولاد أولاده، وتأمّلت أكله من نفسه، فوجدته أكل الملوك، وذلك الاضطراب الذي في داره قد سكن، ورأيت جأشه رابطا (٣) ووجدته لا يرفع من بين يديه شيء إلاّ
_________________
(١) (صفف).
(٢) في الأصل: من بزيّ.
(٣) في الأصل: فجاؤوا به بمائدة.
(٤) في الأصل: رابضا.
[ ١٥٩ ]
نهب (١).
وقد كانوا غلمانه (٢) أخذوا لما نزلت الدّار الجمال وجميع الغلمان الذي معي، فعدلوا بهم إلى دار له فما طاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي ليس بين يدي إلاّ ستة غلمان وقوف على رأسي، فقلت في نفسي: هذا جبّار عنيد، وإن امتنع عليّ من الشّخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي، ولا حفظه، إلاّ أن يلحقني أمير البلد، وجزعت، ورابني منه تهاونه بي، واستخفافه، يدعوني باسمي، ولا يفكّر في امتناعي من الأكل، ولا يسألني فيما جئت له، ويأكل مطمئنا، وأنا أفكّر في ذلك حتّى فرغ من طعامه، وغسل يده، واستدعى بالبخور، فتبخّر، وقام إلى الصّلاة، فصلّى الظّهر وأكثر من الدّعاء والابتهال، ورأيت صلاة حسنة، فلما انفتل من المحراب أقبل عليّ، وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فقلت: أمر لك من أمير المؤمنين.
ودفعت إليه الكتاب ففضّه، وقرأه، فلما استتمّ قراءته، دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق عظيم، فلم أشكّ أنّه يريد أن يوقع بي، فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيمانا عظيمة فيها الطّلاق والعتاق والحجّ والصّدقة والوقف والحبس إن اجتمع منهم اثنان في موضع، وأن ينصرفوا فيدخلوا منازلهم، فلا يظهر منهم أحد إلى أن يظهر له أمر يعمل عليه. وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمسير إلى بابه، ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة، فاستوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا، وما بي حاجة أن يصحبني غلام، هات أقيادك يا منارة.
فدعوت بها وكانت في سفط، وأحضرت حدادا، ومدّ ساقيه فقيّدته،
_________________
(١) في نسخة من الفرج بعد الشدة: إلا وهب، وفي نسخ: نهب.
(٢) على لغة أكلوني البراغيث. انظر مجلة مجمع اللغة العربية: المجلد ٦٨ الجزء الثالث صفحة ٣٩٩.
[ ١٦٠ ]
وأمرت غلماني بحمله حتى حصل في المحمل، وركبت في الشّق الآخر.
وسرت من وقتي لم ألق أمير البلد ولا غيره، وسرت بالرّجل ليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق، فابتدأ يحدّثني بانبساط إلى أن أتينا إلى بستان حسن في الغوطة، فقال: ترى هذا؟ قلت: نعم. فقال: إنّه لي، وفيه غرائب من الأشجار. ثم انتهينا إلى آخر، فقال لي مثل ما قال في الأوّل ثم انتهينا إلى مزارع حسان وقرى سريّة، فأقبل يقول: هذا لي. ويصف لي كلّ شيء من ذلك، فاشتدّ غيظي منه، وقلت: أعلمت أنّي شديد التّعجّب منك؟ قال: ولم تعجب؟ قلت: أولم تعلم أنّ أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك، حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك وولدك ومالك، وأخرجك عن جميع حالك وحيدا فريدا مقيّدا لا تدري إلى ما تصير إليه، ولا كيف تكون، وأنت فارغ البال، تصف بساتينك وضياعك، هذا بعد أن رأيتك وقد جئت وأنت لا تعلم فيم جئت. وأنت ساكن القلب، ولقد كنت عندي شيخا فاضلا.
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أخطأت فراستي فيك، ظننت أنّك رجل كامل العقل، وأنّك ما حللت من الخلفاء بذا المحلّ إلاّ بعد أن عرفوك بذلك، فإذا عقلك وكلامك يشبه عقل العوام وكلامهم، الله المستعان، أمّا قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه لي وإخراجه إيّاي على صورتي هذه، فإنّي على ثقة بالله ﷿ الذي بيده ناصية أمير المؤمنين، ولا يملك لنفسه معه ضرّا ولا نفعا إلاّ بإذن الله ومشيئته، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد ذا إذا عرف أمري وعلم سلامتي وصلاح ناحيتي، وأنّ الحسدة والأعداء رموني (١) بما لست من طريقه، وتقوّلوا عليّ الأباطيل الكاذبة، لم يستحلّ دمي، وتحرّج من إيذائي وإزعاجي يردّني مكرّما، أو أقامني ببابه معظّما، وإن كان سبق في علم الله تعالى أنّه تبدر إليّ منه بادرة سوء، وقد حضر أجلي، وحان سفك
_________________
(١) في الأصل: ارموني.
[ ١٦١ ]
دمي على يده، فلو اجتمع أهل الأرض والسّماء على صرف ذلك عنّي لما استطاعوه، فلم أتعجّل الهمّ والغمّ وأتسلّف الفكر فيما قد فرغ الله منه؟ وإنّي حسن الظنّ بالله الذي خلق ورزق، وأمات وأحيا، وفطر وجبل، وأحسن وأجمل، وأين الصّبر والرّضا، والتّفويض والتّسليم إلى من يملك الدّنيا والآخرة؟ وقد كنت أحسب أنّك تعرف هذا، فإذا قد عرفت مبلغ فهمك فإنّي لا أكلّمك كلمة حتى تفرّق بيننا حضرة أمير المؤمنين قريبا إن شاء الله.
ثم أعرض عنّي فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتّسبيح إلاّ أن يطلب ماء أو حاجة تجري مجراه، حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظّهر وإذا النّجب قد استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتحسّسون خبري، فلما رأوني رجعوا متقدّمين بالخبر إلى الرّشيد، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار، وحططت.
ودخلت على الرّشيد، فقبّلت الأرض بين يديه ووقفت، فقال: هات ما عندك، وإيّاك أن تغفل منه لفظة واحدة. فسقت الحديث من أوّله إلى آخره حتى انتهيت من فراغ الأموي من الفاكهة والطّعام والغسل والطّهور والبخور والصّلاة، وما حدّثت به نفسي من امتناعه. والغضب في وجه أمير المؤمنين يتزايد حتى انتهيت إلى فراغه من الصلاة، وانفتاله إليّ، ومسألته عن سبب قدومي، ودفعي الكتاب إليه، ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه، وحلفه ألاّ يتبعه أحد منهم، وصرفه إيّاهم، ومدّ رجليه حتّى قيّدته. فما زال وجه الرّشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إيّاه. فقال: صدق والله، صدق، ما هذا إلاّ رجل محسود على النّعمة، مكذوب عليه؛ لتزول نعمته.
ولعمري، لقد آذيناه وأزعجناه وروّعناه ورعّبنا أهله. فبادر بنزع قيوده عنه، وائتني به.
فخرجت، فنزعت قيوده، وأدخلته فما هو إلاّ أن رآه حتّى رأيت ماء
[ ١٦٢ ]
الحياء يجول في وجهه ووجه الرشيد. فدنا الأمويّ، وسلّم بالخلافة، فردّ عليه الرّشيد ردّا جميلا، وأمره بالجلوس، فجلس، وأقبل عليه الرّشيد يسائله عن حاله، ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئة، وأمور أحببنا معها أن نراك، ونسمع كلامك، ونحسن إليك، فاذكر حاجتك. فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال: مالي إلاّ حاجة واحدة. فقال: مقضيّة، فما هي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي. قال: نحن نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك؛ فإنّ مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا. فقال: عمّال أمير المؤمنين منصفون، وقد استغنيت بعدله عن مسألته من ماله، وأموري مستقيمة، وأحوالي منتظمة، وكذلك أحوال أهل بلدي بالعدل الشّامل في ظلّ دولة أمير المؤمنين، وما أغتنم ماله. فقال الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك، واكتب إلينا بأمر إن عنّ لك. فودّعه الأمويّ. فلما ولّى خارجا، قال الرّشيد: يا منارة، احمله من وقتك وسر به راجعا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه، فدعه فيه وانصرف. ففعلت ما أمر به.
٣٧٤ - قال: وقيل: كان الأفشين (١) نقم على أبي دلف العجلي (٢)، وهو مضموم إليه في حرب بابك (٣) أشياء، فلما ظفر ببابك، وقدم من سرّ من رأى
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٢/ ٧٠. والخبر بنحوه في الأغاني ٨/ ٢٥٠، ووفيات الأعيان ١/ ٨٢.
(٢) الأفشين-بكسر الهمزة وفتحها-أبو الحسن واسمه خيذر-بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها، وفتح الذال المعجمة-بن كاوس، من أعظم قواد الدولة العباسية، قضى على حركة بابك الخرمي التي استمرت عشرين سنة، أخذه المعتصم وسجنه، ومنع من الطعام حتى مات أو خنق، اتهم بالزندقة، وأعدت له محكمة لتبرير قتله، مات سنة (٢٢٦) وفيات الأعيان ٥/ ١٢٣، والعبر ١/ ٣٩٥، وتاريخ الطبري ٩/ ١٠٤ وما بعدها.
(٣) دلف: بضم الدال المهملة، وفتح اللام، وبعدها فاء، وهو اسم علم لا ينصرف لاجتماع العلمية والعدل، فإنه معدول عن دالف. وفيات الأعيان ٤/ ٧٨.
(٤) بابك الخرّمي: أظهر مذهب الباطنية في أذربيجان، وحارب الدولة العباسية عشرين-
[ ١٦٣ ]
شكاه إلى المعتصم بالله ليأمر بحبسه، فأمر بحبسه والتضييق عليه، ثم سأله أن يطلق يده عليه، فلم يفعل، وكان أحمد بن أبي دواد (١) متعصّبا لأبي دلف، يقول للمعتصم: إنّ الإفشين ظالم له، وإنّه إنّما نقم عليه نصيحته (٢) في محاربة بابك، ودفعه ما كان الإفشين يذهب إليه من مطاولة الأيّام، وإنفاق الأموال، وانبساط اليد في الأعمال، وتركه متابعته على ذلك، فألحّ الإفشين على المعتصم في إطلاق يده عليه، وكان للإفشين قدر جليل عند المعتصم يدخل إليه بغير إذن.
قال أحمد بن أبي دواد: ودخلت على المعتصم يوما فقال لي: يا أبا عبد الله، لم يدعني اليوم أبو (٣) الحسن الإفشين حتى أطلقت يده على القاسم بن عيسى، فقمت من بين يديه وما أبصر شيئا جزعا على أبي دلف، ودخلني أمر عظيم، وخرجت، فركبت دابتي، وخرجت أسير أشدّ سير (٤) من الجوسق (٥) إلى دار الإفشين أؤمّل أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث عليه الإفشين حادثة.
_________________
(١) سنة، احتوى خلالها على المدن والحصون، وهزم جيوش المأمون والمعتصم، قتله المعتصم بعد أن أسره الأفشين، وإنما قيل له الخرمي؛ لأنه دعا الناس إلى مقالة الخرمية وهو لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستطاب المستلذ، لأنهم يعتقدون إباحة الأشياء، وهذا راجع إلى عدم التكليف. الوافي بالوفيات ١٠/ ٦٢.
(٢) أحمد بن أبي دواد الإيادي أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، كان عارفا بالأخبار والأنساب، فاضلا، شديد الدهاء، محبا للخير اتصل بالمأمون ثم المعتصم الذي جعله قاضي قضاته. قال الذهبي: حمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن، ولولا ذلك لاجتمعت الألسنة عليه. الأعلام.
(٣) في الأصل: تصحيحه. وقد كتب في الهامش: لعلها نصيحته. وهو ما جاء في الفرج بعد الشدة.
(٤) في الأصل: أبي.
(٥) في الأصل: سيرا.
(٦) الجوسق: القصر. القاموس (الجوسق).
[ ١٦٤ ]
فلما وقفت ببابه كرهت أن أستأذن، فيعلم أنّي حضرت بسبب أبي دلف فيعجّل عليه، فدخلت على دابتي إلى الموضع الذي كنت أنزل فيه، وأوهمت حاجبه أنّي جئت برسالة المعتصم. ثمّ نزلت ورفع السّتر، فدخلت فوجدت الإفشين في مجلسه، وأبو دلف بين يديه مصفّدا بالحديد، في نطع. وهو يقرّعه، ويخاطبه بأشدّ غضب وأغلظ مخاطبة. فحين قربت منه أمسك، فسلّمت وأخذت مجلسي، ثم قلت: قد عرفت حرمتي من أمير المؤمنين، ومكاني منه، وخدمتي إيّاه وموضعي عنده، وتفرّده بالصّنيعة عندي والإحسان، وعلمت أيضا ميلي إليك ومحبّتي لك، وقد رغبت [إليك] فيما يرغب [فيه] (١) مثلي إلى مثلك ممّن قد رفع الله قدره، وأجلّ خطره، وأعلى همّته. فقال: كلّ ما قلت كما قلت، وكلّ ما أردت منيّ فهو مبذول لك خلا هذا الجالس، وإنّي لا أشفّعك فيه أبدا. فقلت: ما جئتك إلاّ في أمره، ولا ألتمس منك غيره، ولولا شدّة غضبك وما تتوعّده (٢) به من القتل لكان في جميل عفوك ما أغنى عن كلامك، ولكنّي لما عرفت غيظك وما تنقمه عليه احتجت-مع موقعه مني-إلى كلامك في أمره، واستيهاب عظيم جرمه؛ إذ مثلك في جلالتك إنّما يسأل جلائل الأمور. فقال: يا أبا عبد الله، هذا رجل طلب دمي فلم يقنعه إزالة نعمتي، فلا سبيل إلى تشفيعك فيه، ولكن هذا بيت مالي، وهذه ضياعي وكلّ ما أملك بين يديك، فخذ من ذلك كلّه ما أردت.
فقلت: بارك الله لك في أموالك وضياعك وثمرها، لم آتك في هذا، وإنّما أتيتك في مكرمة يبقى فضلها وحسن أحدوثتها، وتعتقد بها منّة (٣) في عنقي لا أزال مرتهنا بشكرها. فقال: ما عندي في هذا شيء البتّة. فقلت:
القاسم بن عيسى فارس العرب وشريفها، فاستبقه وأنعم عليه، فإن لم تره
_________________
(١) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
(٢) في الأصل: تتواعده.
(٣) في الأصل: منيّة. والتصحيح من الفرج بعد الشدة.
[ ١٦٥ ]
لهذا أهلا فهبه للعرب كلّها، فأنت تعلم أنّ ملوك العجم لم تزل تفضل على ملوك العرب، ومن ذلك ما كان من كسرى إلى النّعمان حتى ملّكه، وأنت اليوم نقيّة (١) العجم وشريفها، والقاسم شريف العرب فكن اليوم شريفا من العجم أنعم على شريف من العرب وعفا عنه. فقال: ما عندي في هذا جواب إلاّ ما سمعته مني. وتنكّر وتبيّنت الشرّ في وجهه، فقلت في نفسي:
أنصرف، وأدع هذا يقتل، لا والله، ولكنّي أمثل بين يديه قائما [وأكلّمه] (٢) فلعلّه يستحي. فقمت، وتوهّمني أريد الانصراف فتحفّز لي. فقلت: لست أريد الانصراف، وإنّما مثلت بين يديك قائما طالبا ضارعا سائلا مستوهبا هذا الرّجل منك. وكان جوابه أغلظّ فتحيّرت، وقلت في نفسي، أقبّل رأس هذا الأقلف (٣) لا يكون هذا أبدا. ثم راجعتني الشّفقة على أبي دلف، فقبّلت رأسه وضرعت إليه، فلم يجبني، فأخذت فيما قدم وحدث (٤)، وعدت فجلست، وقلت: يا أبا الحسن، قد طلبت إليك وضرعت ووضعت خدّي لك ومثلت بين يديك وقبّلت رأسك، فشفّعني، واصرفني شاكرا فهو أجمل بك. فقال:
لا والله، ما عندي إلاّ ما قلت لك. فقلت: فإنّي رسول أمير المؤمنين إليك، وهو يقول لك: لا تحدثنّ في القاسم بن عيسى حدثا، فإنّك إن قتلته، قتلت به. فقال: أمير المؤمنين يقول هذا بعد أن أطلق يدي عليه؟ قلت: نعم، أنا رسول أمير المؤمنين إليك بما قلته لك، فإن تكن في الطّاعة فاسمع وأطع، وإن كنت قد خلعت، فقل: لا طاعة، ونفضت في وجهه يدي، وقمت.
فاضطرب حتى إنّه لا يقدر أن يدعو إليّ دابتي (٥)، وركبت وأغذذت السّير إلى
_________________
(١) في الفرج بعد الشدة: بقيّة.
(٢) ما بين معقوفين من الفرج بعد الشدة.
(٣) الأقلف: من لم يختن. القاموس (قلف) وكانت هذه من أدلّة خصومه على زندقته!! ومن ثمّ الإطاحة برأسه. وانظر الخبر في تاريخ الطبري ٩/ ١١٠ و١١٣.
(٤) في الفرج بعد الشدة: فأخذني فيما قدّم وما حدث.
(٥) في الفرج بعد الشدة: لي بدابتي.
[ ١٦٦ ]
المعتصم لأخبره بالخبر، وبما اضطررت إليه من تأدية رسالة باطلة عنه، لأنّي علمت أنّه لم يقل لي ما قاله إلاّ وهو يحبّ استبقاء أبي دلف.
فانتهيت إلى الجوسق في وقت حار، والحجّاب جميعا نيام، والدار خالية، فدخلت حتى انتهيت إلى ستر الدّار التي فيها المعتصم، وجلست وقلت: إن جاء الإفشين دخلت معه وتكلّمت، وإن سهل الوصول أخبرت أمير المؤمنين بالخبر كلّه.
فبينا أنا كذلك إذ خرج خادم صغير من وراء السّتر، ثم دخل وخرج، فقال: ادخل. فدخلت، وقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي حرمة؟! مالي ذمام؟! أمالي حقّ؟! أما في فضل أمير المؤمنين ونعمته عليّ ما تجب رعايته؟! فقال: مالك يا أبا عبد الله، ما قصّتك؟ اجلس اجلس.
فجلست. ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قلت اليوم لي في القاسم بن عيسى قولا علمت معه أنّك أردت استبقاءه، وحقن دمه، فمضيت من فوري إلى أبي الحسن الإفشين، ثم قصصت عليه القصّة إلى أوّل الرسالة التي أدّيتها عنه، وهو في كلّ ذلك يتغيّظ، ويفتل سباله حتى [إذا] (١) أردت أن أعرّفه الرّسالة، قطع عليّ، وقال: يمضي قاضيّ، وصنيعتي أحمد بن أبي دواد إلى خيذر فيخضع له، ويقف بين يديه، ويقبّل رأسه فلا يشفّعه، قتلني الله إن لم أقتله. يكرّرها فما استوفى كلامه حتّى رفع السّتر، ودخل الإفشين فلقيه بأكبر اللّين واللّقاء، وقال: في هذا الوقت الحارّ يا أبا الحسن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رجل عرفت ما نالني منه، وأنّه طلب دمي، وقد أطلقت يدي عليه، يجيء هذا ويقول: إنّك بعثت إليّ تأمرني أن لا أحدث فيه حدثا، وإنّي إن قتلته قتلت به. قال فغضب المعتصم، وقال: نعم، أنا أرسلته إليك فلا تحدث على القاسم حدثا. فنهض الإفشين مغضبا يدمدم. واتّبعته لأتلافاه، فصاح بي
_________________
(١) ما بين معقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
[ ١٦٧ ]
المعتصم: ارجع، يا أبا عبد الله. فرجعت وقلت: يا أمير المؤمنين، إنّه كان بقي شيء قطعتني بكلامك عن ذكره لك. قال: تعني الرّسالة؟ قلت: نعم.
قال: قد فهمتها، والقاسم يوافيك العشيّة، فاحذر أن تتفوّه بكلمة ممّا جرى.
ومضى الإفشين، فأطلق القاسم وخلع عليه، وجاءني القاسم من عشيّة، وما أخبرت بالحديث حتى قتل الإفشين، ومات المعتصم.
٣٧٥ - ولأبي دلف يشكر أحمد بن أبي دواد على استنقاذه من القتل:
ما زلت في غمرات الموت مطّرحا قد غاب عني وجوه الأمن والحيل
فلم تزل دائبا تسعى بجهدك لي حتّى اختلست حياتي من يدي أجلي
٣٧٦ - وقيل: إنّ عاملا كان للمنصور على فلسطين كتب إليه: أنّ بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة، وعاث في العمل. فكتب إليه المنصور: دمك مرتهن به إن لم توجّه به إليّ. فصمد له العامل، وأخذه ووجّه به إليه. فلمّا مثل بين يديه، قال له: أنت المتوثّب (١) على أمير المؤمنين؟! لأنثرنّ من لحمك أكثر ممّا يبقى على عظمك. قال: وكان شيخا ضئيل الصوت (٢) فقال بين يديه:
أتروض عرسك (٣) بعد ما هرمت ومن العناء رياضة الهرم (٤)
فلم يفهم المنصور ما قال، فقال: يا ربيع (٥)، ما يقول؟ قال: إنّه يقول:
_________________
(١) الكتاب والوزراء:١٣٤،١٣٥، والفرج بعد الشدة ١/ ٣٧٦، وتاريخ الطبري ٨/ ٩٧، والهفوات النادرة:٩٥، ومجمع الأمثال:٢/ ٣٠١، والفخري ١٥٤.
(٢) في الأصل الموثوب: وما أثبتناه من مصادر الخبر.
(٣) في الأصل: السوط. والتصحيح من مصادر الخبر.
(٤) في الأصل: غرسك.
(٥) البيت في العقد الفريد ٢/ ٤٣٥، وسمط اللآلي ١/ ١٠٦ من غير عزو.
(٦) الربيع بن يونس بن محمد، تقدمت ترجمته صفحة ٨٢.
[ ١٦٨ ]
العبد عبدكم والمال مالكم فهل عذابك عنّي اليوم مصروف (١)
فقال المنصور: يا ربيع، قد عفوت عنه؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن إليه.
****
_________________
(١) نسبه الجهشياري في الكتاب والوزراء لعبد بني الحسحاس وهو في ديوانه ص ٦٢، والبيت في الأغاني ٨/ ٢٣٨ منسوب لعنترة وهو في ديوانه ص ٢٧٠.
[ ١٦٩ ]