في
مكارم الأخلاق والكرم
ومحاسن الأخلاق والشّيم
٥٥٣ - قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة الفزاري (١): بلغني عنك أخلاق شريفة، فصفها لي. فقال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن. فقال: أقسمت عليك لتفعلنّ. فقال: يا أمير المؤمنين، ما قدّمت ركبتي أمام جليسي قطّ؛ كراهة أن يظنّ ذلك تطاولا منّي عليه، ولا دعوت أحدا إلى طعامي إلا لم أزل بفضله عارفا، ولا بذل رجل لي وجهه في حاجة فرأيت أنّ شيئا من الدّنيا صغيرا أو كبيرا عوضا عن بذل وجهه، ولا شتمني أحد أو سفه عليّ إلا حملته: إمّا أن يكون لئيما فلا أساويه، أو كريما زلّ فأنا أحقّ باحتماله، أو نظيرا فأفضل عليه بحلمي عنه. فضرب عبد الملك بيده على
_________________
(١) المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق (٤١)، والحماسة الشجرية ١/ ٣٨٤، ومختصر تاريخ دمشق ٤/ ٣٧٩، وفوات الوفيات ١/ ١٦٨.
(٢) أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، أحد الأجواد من الطبقة الأولى من التابعين من الكوفة، ساد الناس بمكارم أخلاقه. توفي سنة ٦٦ للهجرة، فوات الوفيات ١/ ١٦٨.
[ ٢١٤ ]
فخذه، وقال: حقّ لك أن تكون سيّدا.
٥٥٤ - سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب وإن عظمت منه عليّ الجرائم
وما النّاس إلاّ واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأمّا الذي فوقي فأعرف فضله وألزم نفسي ظلمه وهو ظالم (١)
وأمّا الذي مثلي فإن زلّ أو هفا تفضّلت إنّ الفضل بالعزّ حاكم (٢)
وأمّا الذي دوني فإن قال منكرا أجانبه عرضي وإن لام لائم (٣)
٥٥٥ - أبو بكر العروضي:
إذا لم يكن للمرء فضل ولم يكن يدافع عن أقوامه لم يسوّد
وكيف يسود القوم من هو مثلهم بلا منّة منه عليهم ولا يد
٥٥٦ - وقيل: لما هرب يزيد بن المهلّب من الحجّاج حيث عزله عن خراسان، وغرّمه ستّة آلاف ألف درهم، وقيّده وطالبه بها، وعذّبه، فهرب ليلا وكان أعدّ دوابّا ضمّرا في مواضع من الطريق، فكان كلّما وقفت به فرس استقبلته أخرى حتّى قدم فلسطين، فنزل على سليمان بن عبد الملك، فكتب سليمان إلى أخيه الوليد يعرّفه قدومه عليه، واستجارته به، ويسأله أن يؤمّنه، وكتب: إن بعثت به إليك، قدمت معه عليك، فأنشدك الله أن تفضحني أو تحقرني (٤). فكتب إليه الوليد: لو قدمت معه لم أؤمّنه، فابعثه في وثاق.
_________________
(١) الأبيات في العقد الفريد ٢/ ٢٨٣ من غير عزو، وفي المناقب والمثالب ورقة ٩/ب لمحمود الوراق.
(٢) الشطر في العقد الفريد: وأتبع فيه الحقّ والحقّ قائم.
(٣) في العقد: إن الفضل للحرّ لازم.
(٤) في العقد: وأما الذي دوني فإن قال. صنت عن إجابته نفسي وإن لام لائم
(٥) تاريخ الطبري ٦/ ٤٤٨، والمستطرف ١٥٤،١٥٥.
(٦) في تاريخ الطبري ٦/ ٤٥١: تخفرني.
[ ٢١٥ ]
فقال يزيد لسليمان: ابعث بي إليه، والطف في الكتاب، فلست أحبّ أن أوقع بينك وبين أخيك حربا. فبعث به إليه مع ابنه في سلسلة، فلمّا دخلا على الوليد ونظر إلى ابن أخيه في الوثاق، فقال: والله، لقد أبلغنا من سليمان.
فقال الغلام: نفسي فداؤك، لا تخفرنّ ذمّة أبي، فإنّك أحقّ من منعها، ولا تقطع [منّا] رجاء من رجا السّلامة بجوارنا لمكاننا منك، ولا تذلّنّ من أمّل العزّ في انقطاعه إلينا بك. ثم دفع إليه كتاب أبيه، فلما وقف عليه، قال: لقد أشفقنا على سليمان. وتكلّم يزيد فأمّنه، وأجلسه.
٥٥٧ - لخليلي عليّ منّي ثلاث واجبات أبيحها إخواني
حفظه في المغيب إن غاب عنّي ولقاه بالبشر إن لاقاني
ثم بذلي لما حوته يميني مسعدا (١) في الخطوب أنّى دعاني
هذه عادة الصّديق فإن خان فعندي عوائد الإحسان
٥٥٨ - وقيل: من مكارم الأخلاق: الصّون للعرض، والقيام بالفرض، والأخذ بالفضل، والوفاء بالعهد، والإنجاز بالوعد.
٥٥٩ - وقيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
٥٦٠ - وقال الأصمعي: سمعت [سيّدا] (٢) من قيس يقول لقومه: إنّما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكن أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، وأقضي حقوقكم، وأعود مرضاكم، وأتبع جنائزكم، فمن فعل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير منّي، ومن قصّر عنه فأنا خير منه. قيل له: فما حملك على هذا؟ قال: أبعثكم على مكارم الأخلاق.
_________________
(١) في الأصل: مسعد.
(٢) الخبر بنحوه في محاضرات الأدباء ١/ ٧٥.
(٣) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها النص.
[ ٢١٦ ]
٥٦١ - وقال بزرجمهر: خير النّاس أكرمهم عند الضّيق (١)، وأعدلهم عند الغضب، وأبعدهم من الظّلم إذا قدروا، وأرحمهم إذا سلّطوا، وأبسطهم وجها عند المسألة، وأشكرهم على النّعمة، وأصبرهم على الشدّة.
٥٦٢ - وقيل لأنوشروان العادل: من أطول النّاس عمرا؟ قال: من كثر معروفه فشرف به عقبه، ومن كثرت معرفته فيتأدّب به غيره.
٥٦٣ - وقيل أيضا لأنوشروان: من أشكر النّاس؟ قال: من حمد على كلّ حال، ورضي به.
٥٦٤ - وقال عبد الملك لقومه: يا بني مروان، كفّوا أذاكم، وابذلوا نداكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تخلفوا إذا وعدتم.
٥٦٥ - وجاء قوم إلى سلم (٢) بن قتيبة، فقالوا: جئناك فيما لا يشقّ عليك. قال: هذه أبغض الحوائج إليّ.
٥٦٦ - وروي عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشميّ [والآخر نبطيّ] (٣)، وكنّا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت لي امرأتي: يا هذا، أمّا نحن فنصبر على البؤس والشدّة، وأمّا صبياننا فقد قطّعوا قلبي رحمة لهم، لأنّهم يرون (٤) صبيان جيرانهم قد تزيّنوا في عيدهم، وأصلحوا من شأنهم، وهم على هذه الحال، فلو احتلت في شيء
_________________
(١) في الأصل: الطليق.
(٢) في الأصل: سليمان. وسلم بن قتيبة بن مسلم ولي البصرة زمن مروان بن محمد ثم وليها أيام أبي جعفر المنصور فكان من الموثوق بهم في الدولتين الأموية والعباسية، وكان من عقلاء الأمراء عادلا، حسنت سيرته، مات بالري سنة ١٤٥، الأعلام.
(٣) مروج الذهب ٤/ ٣٣٠ (٢٧٥٩)، والمستجاد ١١٠، والفرج بعد الشدة ٢/ ٣٣٢، وتاريخ بغداد ٣/ ١٩، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٤٩.
(٤) ما بين معقوفين مستدرك من المستجاد.
(٥) في الأصل: يروا.
[ ٢١٧ ]
نصرفه في كسوتهم. قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التّوسعة عليّ بما حضر. فوّجه إليّ كيسا مختوما، وذكر أنّ فيه ألف درهم. فما استقرّ قراره عندي حتى كتب إليّ الصّديق الآخر يشكو إليّ مثل ما شكوت إلى صاحبي. فوجّهت إليه بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد، فأقمت ليلتي مستحيا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان منّي، ولم تعنّفني عليه، فبينما أنا كذلك إذا وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس بحاله، وقال:
اصدقني عمّا [فعلته فيما] (١) وجهت به إليك. فعرّفته الخبر على جهته (٢)، فقال: إنّك وجّهت إليّ وما أملك على وجه الأرض غير الذي بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجّه إليّ بالكيس وهو بختمي. قال:
فتواسينا الألف درهم فيما بيننا أثلاثا بعد أن أخرجنا للمرأة مئة درهم. ونما خبرنا إلى المأمون، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكلّ منّا ألفا (٣) دينار، وللمرأة ألف دينار.
٥٦٧ - قال: وسأل معاوية خالد بن قيس عن الأحنف (٤)، فقال خالد:
إن شئت أخبرناك به ثلاثة، وإن شئت اثنتين، وإن شئت واحدة. قال: هات الثّلاثة. قال: كان لا يشره، ولا يحسد، ولا يمنع. قال: هات الاثنتين.
قال: كان موفقا للخير، معصوما عن الشّرّ. قال: فهات الواحدة. قال:
كان أقوى الناس سلطانا على نفسه.
٥٦٨ - وقال ثمامة بن أبي ثمامة: كنت في موكب يحيى بن خالد يوما إذ عرض له رجل فسبّه وذمّه، فتبادرت إليه الحجّاب ليوقعوا به. فقال لهم
_________________
(١) ما بين المعقوفين مستدرك من مروج الذهب والمستجاد.
(٢) في المستجاد: على جليته.
(٣) في الأصل: ألفي.
(٤) العقد الفريد ٢/ ٢٧٨.
(٥) في العقد: وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف. . . .
[ ٢١٨ ]
يحيى: دعوه، وكفّوا عنه. ثم دعا به، وقال: أتعلم أنّي قادر على الإساءة عليك؟ قال: نعم. قال: قدرتي تمنعني عنك.
٥٦٩ - وقال بعض أهل الفضل: إنه يعرض الإنسان (١) إليّ حاجة، فأبادر إلى قضائها مخافة أن يستغني عنها، فتذهب حلاوة الكرم.
٥٧٠ - وقال معاوية لعرابة بن أوس (٢): بم سدت على قومك؟ قال:
بإعراضي عن جاهلهم، وإعطائي سائلهم، وإسراعي في حوائجهم.
٥٧١ - وقال بعض العقلاء: ما ذللت إلا لأحد رجلين: رجل له عندي صنيعة، ورجل لي عنده صنيعة، فأمّا الذي له عندي صنيعة فيذلّني له الشّكر، وأمّا الذي لي عنده صنيعة فيذلّني الخوف من فسادها.
٥٧٢ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إذا أقبلت الدّنيا عليك فأنفق، فإنّه لا يفنى، وإذا أدبرت، فأنفق فإنّه لا يبقى.
وأخذ هذا المعنى شاعر فقال:
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت بين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولّية ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
٥٧٣ - وقال المأمون: بلوت رعيّتي بالكرم والسّيف، فكان الكرم أنجع
_________________
(١) في عيون الأخبار ٣/ ١٧٥: قال جعفر بن محمد: إن الحاجة تعرض للرجل قبلي، فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها، أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع.
(٢) في الأصل: للإنسان.
(٣) انظر الكامل ١/ ١٦٦، والعقد الفريد ٢/ ٢٨٨، ومحاضرات الأدباء ١/ ٧٥.
(٤) عرابة بن أوس بن قيظي الأوسي الأنصاري، من سادات المدينة الأجواد المشهورين، أدرك حياة النبي ﷺ وأسلم صغيرا، قدم الشام في أيام معاوية وله أخبار معه، توفي بالمدينة نحو سنة ٦٠. الأعلام.
(٥) الخبر في عيون الأخبار ٣/ ١٧٩، والعقد الفريد ١/ ٢٢٨، ونهاية الأرب ٣/ ٢٠٦ عن بزرجمهر.
[ ٢١٩ ]
فيهم من السّيف.
٥٧٤ - وقيل: ما استعبد الكريم بمثل الإكرام.
٥٧٥ - وسئل بعض مشايخ العرب: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: إدخال السّرور على قلوب النّاس. قيل: فما بقي من لذّاتك؛ قال:
التّفضّل على الإخوان.
٥٧٦ - وأوصى رجل بنيه، فقال: يا بنيّ، اقصدوا العدل وما هو خير منه. قالوا: وما هو الذي خير من العدل؟ قال: التّفضّل.
٥٧٧ - وقال الأصمعيّ: نزلت على رجل من جعدة في سنة مجاعة فقدّم لي كسيرات وتميرات، وأقبل يعتذر ويقول: إن الله ﷿ يقول في كتابه:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ولا تجود يد إلا بما تجد (١)
فقلت: يا هذا، ليس هذا من كتاب الله، فقال: إنه حسن فألصقوه به.
٥٧٨ - إبراهيم بن هرمة:
قوم لهم شرف الدّنيا وسؤددها صفوا على النّاس لم يخلط بهم رنق (٢)
إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا أو عاقدوا ضمنوا أو حدّثوا صدقوا
٥٧٩ - وقال: أيّها النّاس، لا تملّوا المعروف؛ فإنّ صاحبه يعوّض خيرا: إمّا شكرا في الدّنيا، أو ثوابا في الآخرة.
٥٨٠ - وقال بعض أهل الكرم: ما أصبحت ذا صباح قطّ ولم أر ببابي أحدا يطلب حاجة أو يستعين بي على أمر إلا وكان ذلك عليّ من المصائب التي
_________________
(١) البيت في العقد الفريد ١/ ٢٣٦ لجعفر بن أبي طالب. وهو في الحماسة المغربية ٢/ ١٢٢٤.
(٢) الديوان صفحة (٢٣٩) وفيه: قال ابن هرمة، أو طريح بن إسماعيل الثقفي.
(٣) في الأصل: به رنق، والمثبت من الديوان.
[ ٢٢٠ ]
أسأل الله العون عليها.
٥٨١ - وقال بعض أهل الكرم: أيّها النّاس، لا يعدّنّ أحدكم المعروف معروفا إذا لم يخرج عنه وهو في إخراجه مسرور، والله لو رأيتم المعروف لرأيتموه حسنا جميلا، ولو رأيتم البخل لرأيتموه قبيحا دميما، وأنشد:
ولم أر كالمعروف أمّا مذاقه فحلو وأمّا وجهه فجميل
٥٨٢ - وسأل معاوية الأحنف بن قيس، فقال له: أنت سيّد قومك؟ فقال: ألجأهم الدّهر إليّ. فقال معاوية: هكذا تكون مخادعة الكريم وأهل الشّرف.
٥٨٣ - وقيل: إنّ أخت شرف الدّولة بن حمدان (١) خرجت من بلد قاصدة إلى الموصل في هودج ومعها إماؤها وخدمها، فلقيها الصّيّاد الشّاعر البلدي في بعض الطّريق، فأنشدها:
ته كيف شئت وسر على مهل كلّ الجمال عليك يا جمل
وعليّ أن لا تشتكي كللا ما دام فوقك هذه الكلل
فألقت إليه جميع ما عليها من الحليّ والحلل، وكان ينيف على ثلاثة آلاف دينار. فلما وصلت إلى الموصل وأخبر شرف الدّولة بذلك عاتبها على فعلها، وقال: الكرم في الرّجال محمود، وفي النّساء مذموم. قالت:
صدقت، بأعجازهنّ لا بأموالهن. فلم يحر جوابا.
٥٨٤ - ووصف بعض العرب صديقا له، قال: بلغ من كرمه على قومه أنّه كان يعتذر إليهم إذا جاد عليهم، ويشكرهم (٢) إذا سلم منهم.
٥٨٥ - وقيل لبعض الحكماء: بأيّ خلّة نكبت عدوّك؟ قال: بأن أزداد
_________________
(١) كذا الأصل ولعله ابن بدران وهو مسلم بن قريش وانظر الحاشية رقم (٤) صفحة ٢٣٠.
(٢) كذا الأصل، ولعل الصواب: ويشكوهم.
[ ٢٢١ ]
فضلا في نفسي، وتفضّلا على غيري.
٥٨٦ - وقيل إن رجلا زوّر عن الحسن بن سهل كتابا إلى بعض أصحابه وأوصله إليه. وشكّ فيه، وأنفذه إلى صاحبه الحسن فكتب إليه وهو يعلم أنّ الكتاب مزور: أمّا بعد، أما كان في كثرة نعمائنا عليك ما تصدّق به مخيلة من توسّل بنا إليك وإن كان مبطلا، فكيف وهو محقّ؟ فلما وقف الرّجل على الكتاب أحسن إلى موصله، وقضى حوائجه وصرفه مسرورا.
٥٨٧ - وكان مخلد بن يزيد (١) من أجود أهل زمانه، فقال لأبيه:
ما الجود؟ فقال له أبوه: العطيّة لمن سأل. فقال: هذا ثمن السّؤال. فقال له أبوه: فما الجود يا بني؟ قال: العطيّة قبل السّؤال.
٥٨٨ - أبو فراس بن حمدان:
ليس جودا عطيّة بسؤال قد يهزّ السّؤال غير الجواد
إنّما الجود ما أتاك ابتداء لم تذق فيه ذلّة التّرداد
٥٨٩ - وقيل: سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة معه، فلما أخليا ابتدأ الرّجل يكلّمه، فقال عبد الملك: إيّاك أن تمدحني، فإنّي أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنّي لا أرى الكذب، أو تسعى إليّ بأحد فإن السّعاية عندي كاسدة، وإن شئت إقالتك أقلتك. قال: أقلني. قال: امض راشدا.
٥٩٠ - ووشى واش برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحبّ أن أقبل منك
_________________
(١) الخبر بنحوه في وفيات الأعيان ٢/ ١٢٢.
(٢) مخلد بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، من بيت رئاسة، كان مع أبيه في أكثر وقائعه استخلف على خراسان، وقام بشؤونها، لمّا سجن أبوه في دمشق زمن عمر بن عبد العزيز جاء مخلد دمشق يلتمس الإفراج عن أبيه، وقد ناظره عمر ورأى من عقله ما أعجبه حتى قال: هذا فتى العرب، ولم يعش بعدها غير أيام. الأعلام.
(٣) الديوان صفحة (١٠٤).
(٤) الأجوبة المسكتة ٣٥، ومختار الحكم ٢٠٤ والخبر بين أرسطو وتلميذ له.
[ ٢٢٢ ]
فيه على أن أقبل منه فيك؟ قال: لا. قال: فكفّ عن الشّرّ يكفّ عنك.
٥٩١ - وقيل: قدّم رجل رجلا في حكومة إلى زياد بن أبيه، فقال:
يا زياد، خصمي هذا يدلّ بخاصّة منك. فقال زياد: صدق، وسأخبرك بما ينفعه باختصاصه منّي، إن يكن الحقّ له عليك، أخذتك به أخذا عنيفا، وإن يكن الحقّ لك عليه قضيت لك عليه، ثم قضيت عنه.
٥٩٢ - وقيل: ولي محمّد بن عليّ إرمينية، فاجتمع يوما إلى كاتبه جماعة وقالوا: إن هاهنا ضياعا قد انقطعت، وحقوقا قد بطلت، وأموالا قد احتجنت. فكتب رقعة بما ذكره القوم إلى محمد بن عليّ، فقرأها ووقّع على ظهرها: قرأت هذه الرّقعة المذمومة وأنكرتها، وأنا أنهاك إلى مثلها، لأنّ سوق السّعاية عندنا كاسدة، وتجائرها بائرة، وألسنتهم في أيامنا معقولة.
فذمّ (١) التّكشّف والتّتبّع؛ فإنّهما يعقبان ذمّا وإثما، وأجر الناس على عوائدهم وقوانينهم، وسهّل رسومهم التي جرت عادتهم بها؛ فإنا لم نرد إلى ناحية لإحياء الرّسوم العافية، والنّظر في السّنن الخالية، فإنّما هي أيّام تمضي ومدّة تنقضي، فإمّا ذكر جميل أو جزاء طويل، وإيّاك وقول جرير (٢):
وكنت إذا حللت بدار قوم رحلت بخزية وكشفت عارا (٣)
فأجهر الدّعاء لنا ولا علينا، والسّلام.
٥٩٣ - وقيل: شتم رجل الشّعبيّ، فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
_________________
(١) الخبر بنحوه في محاضرات الأدباء ١/ ٨٠.
(٢) كذا الأصل ولعلها تحريف فدع.
(٣) البيت في ديوانه ٢/ ٨٨٧ من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق. مطلعها: ألا حيّ الديار بسعد إنّي أحبّ لحبّ فاطمة الديارا
(٤) رواية الديوان: وتركت عارا.
(٥) العقد الفريد ٢/ ٢٧٦.
[ ٢٢٣ ]
٥٩٤ - وقيل: دعا عليّ بن أبي طالب خادما له فلم يجبه، وهو يسمع، فلما أتاه، قال: ما لك لم تجب دعوتي؟ قال: لأنّي أمنت عقوبتك.
فقال: الحمد لله الذي جعلني مأمن (١) عقوبتي.
٥٩٥ - وقال الرّشيد لمعن بن زائدة: أعطيت على بيت من الشّعر عشرين ألف درهم (٢)؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، نالتني يدك فأحببت أن أريها النّاس كثير شكرها فيك، ويبقى ذكرها لك. فقال الرّشيد: أعطوه على هذا الكلام ما أعطى على البيت.
٥٩٦ - وقيل: دخلت ابنة زهير على عائشة وعندها ابنة هرم (٣) تسأل عائشة، فقالت ابنة هرم لابنة زهير: أوما أعطى أبي أباك ما أغناه، وأغناك عن المسألة؟! فقالت ابنة زهير: إنّ أباك أعطى أبي ما يفنى، وأبي أعطى أباك ما يبقى، ثم قالت:
فإنّك إن ذوّقتني ثمن الغنى حمدت الذي أوليك من ثمن الشّكر (٤)
_________________
(١) كذا الأصل، ولعلها مأمون العقوبة.
(٢) وكان معن بن زائدة قد أعطى مروان بن أبي حفصة ألف دينار على بيته فيه: معن بن زائدة الذي زيدت به فخرا إلى فخر بنو شيبان انظر الأغاني ١٠/ ٨٦، و٩١، والعقد الفريد ٢/ ١٦٦، ووفيات الأعيان ٥/ ٢٤٧ والحوار فيها بين المنصور ومعن، وفي سياق الخبر خلاف.
(٣) انظر الأغاني ١٠/ ٣٠٤،٣٠٥.
(٤) هرم بن سنان بن أبي حارثة المريّ، من أجواد العرب في الجاهلية، يضرب به المثل. اشتهر هو وابن عمه الحارث بن عوف بدخولهما في الإصلاح بين عبس وذبيان وفيهما قال زهير قصيدته: أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلّم وكان هرم قد حلف ألا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحا غير هرم، وخيركم استثنيت. الأغاني ١٠/ ٢٨٨، الأعلام.
(٥) الديوان صفحة (٣٦) ورواية البيت فيه: -
[ ٢٢٤ ]
وإن يفن ما تعطيه في اليوم أو غد فإنّ الذي أعطيك يبقى على الدّهر
٥٩٧ - حدثني الشيخ الصالح أوحد الدين الكرماني (١) قال: كان بهراة (٢) رجل (٣) قد خصّه الله بتشبيه الخطوط، وحكاية خطّ من شاء، قال: فكتب هذا الرّجل توقيعا عن السّلطان شهاب الدّين الغوريّ (٤)، صاحب هراة إلى النّواب بها بمبلغ خمس مئة دينار لنفسه، وحكى خطّ الكاتب، وتوقيع السّلطان، وأحضره إلى النّواب، فلمّا وقف النائب عليه قبّله وقبله بالسّمع والطّاعة، وهمّ ليوصله المبلغ في وقته، فتناول النّاظر التّوقيع ليشاهده، وكان يعرف الرّجل بالتّزوير، فلما شاهده شكّ فيه، وتقدّم إلى النّائب، وقال له مسرّا:
المصلحة تأخير المبلغ إلى حيث معاودة السّلطان في ذلك، فإنّ هذا الرّجل معروف بالتّزوير. وكان السّلطان منتزحا عن هراة في بعض حروبه، فقال له النّائب: تؤخّرنا أياما إلى حين تحصيل المبلغ. فعلم الرّجل أنّه قد علم بحاله، فقام وهو لا يعلم أين يهتدي، وركب لوقته وقصد السّلطان، فلمّا وصل مخيّمه طلب الإذن في الحضور، فلمّا أذن له، طلب الخلوة، فلمّا خلا الموضع، قال: يا مولانا، قد فعلت كيت وكيت، وذكر قصّة التّوقيع، وقد حضرت مقرّا بذنبي، فإن قتلتني فحقّ لك، وإن عفوت عنّي فبفضلك.
_________________
(١) وإنك إن أعطيتني ثمن الغنى حمدت الذي أعطيك من ثمن الشكر
(٢) تقدمت ترجمته صفحة (١٤).
(٣) هراة: مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان. معجم البلدان.
(٤) جاء في البداية والنهاية ١٣/ ٤٣ في وفيات سنة (٦٠١): أبو غالب بن كمنونة اليهودي الكاتب كان يزوّر على خط ابن مقلة من قوة خطّه، توفي لعنه الله بمطمورة واسط. . فلعله هو.
(٥) شهاب الدين الغوري، أبو المظفر محمد بن سام صاحب غزنة، وكان ملكا جليلا مجاهدا، واسع الممالك حسن السيرة، وهو الذي حضر عنده فخر الدين الرازي وقال: يا سلطان، لا سلطانك يبقى ولا الرازي يبقى وإن مردنا إلى الله. فانتحب السلطان يبكي، قتلته الإسماعيلية بعد قفوله من غزوة الهند سنة (٦٠٢). الكامل ١٢/ ٢١٢، والعبر ٥/ ٤، والبداية والنهاية ١٣/ ٤٣.
[ ٢٢٥ ]
فأطرق شهاب الدين مليّا، وقال: اخرج؛ لأفكّر في أمرك. فلما خرج أحضر الكاتب وقال: اكتب كتابا للنّواب بهراة، وقل لهم: نكتب توقيعا بخمس مئة دينار تماطلوه بها، كيف جسرتم على فعل ذلك؟ ومرهم أن يعطوه المبلغ لوقته.
فحين كتب الكاتب التوقيع وقّع عليه، وتركه بين يديه، وأمر أن يعطى الرّجل خلعة سنيّة، وبغلة بسرجها ولجامها، فلمّا أعطي ذلك أحضره بين يديه، وقال له: ذنبك عظيم، والعفو عن مثلك من مكارم الأخلاق، ولكنّي لو أظهرت العفو عن جرمك لكان سمة عليك وعلى عقبك إلى يوم القيامة، وأصعب من القتل، فيقال: هذا الذي زوّر عن السّلطان وعفا عنه، فتتّسم بذلك مدى الأيام، ولكن خذ التوقيع، وامض خذ المبلغ في كلّ سنة لك علينا بمثله. وكلّما احتجت إلى شيء فعرّفنا نوصله إليك، ولا تعاود فعل شيء ممّا كان منك. فقبّل الرّجل الأرض بين يديه، ودعا له بالبقاء، وأخذ التّوقيع وعاد إلى هراة، وأوصله إلى النّائب، فلمّا وقف عليه أوصله المبلغ وصرفه مسرورا.
٥٩٨ - وقيل: أخذ مصعب بن الزّبير رجلا من أصحاب المختار (١)، فأمر بضرب عنقه، فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الجميل الذي يستضاء به فأتعلّق بك، ثم
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٤/ ٢٠، والعقد الفريد ٢/ ١٧٣.
(٢) المختار بن أبي عبيد الثقفي ولد عام الهجرة وليس له صحبة، كان مشهورا بالفضل والعلم والخير، وكان ذلك منه بخلاف ما يبطنه، مكث بالمدينة منقطعا إلى بني هاشم، ولما قتل الحسين ﵁ أرسله عبد الله بن الزبير إلى الكوفة ليدعو الناس إلى طاعته، وكان همه قتل قتلة الحسين ﵁، ثم فارق عبد الله بن الزبير وطلب الإمارة، وأظهر ما كان يبطن من فساد الرأي والعقيدة والهوى إلى أن ظهر منه أسباب كثيرة تخالف الدين ولم يزل كذلك إلى أن قتل سنة ٦٧ في إمارة مصعب بن الزبير في الكوفة. جامع الأصول ١٥/ ٣٠٢، سير أعلام النبلاء ٣/ ٥٣٨.
[ ٢٢٦ ]
أقول: يا ربّ، سل مصعبا فيم قتلني؟ فقال مصعب: قد عفوت عنك.
فقال: أيّها الأمير، اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، فإنّه لا عيش للفقير. فقال: ردّوا عليه عطاءه، وأعطوه مئة ألف درهم. فقال: أشهد الله أنّي قد جعلت نصفها لابن قيس الرّقيات (١). قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله فيك (٢):
إنّما مصعب شهاب من اللّ ـه تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه جبروت ولا به كبرياء (٣)
يتّقي الله في الأمور وقد أف لح من كان همّه الاتّقاء (٤)
فضحك مصعب وقال: إنّي أرى فيك موضعا للصنيعة. وجعله في جملة ندمائه، وأحسن صلته.
٥٩٩ - وقيل: كان داود كاتب أمّ جعفر (٥) قد حبس وكيلا لها وجب لها عليه مئتا ألف درهم، فكتب الوكيل إلى عيسى بن هلال (٦)، وسهل بن
_________________
(١) عبيد الله بن قيس الرقيات شاعر قريش في العصر الأموي، خرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان، ثم انصرف إلى الكوفة بعد مقتل عبد الله ومصعب ابني الزبير، وقصد الشام ولجأ إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فسأل عبد الملك في أمره، فأمّنه، لقب بابن قيس الرقيات لأنه كان يتغزل بثلاث نسوة، اسم كل واحدة منهن رقية. توفي سنة (٨٥) للهجرة. الأعلام.
(٢) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات (٩١) من قصيدة يمدح بها مصعبا، ويفتخر بقريش مطلعها: أقفرت بعد عبد شمس كداء فكديّ فالرّكن فالبطحاء
(٣) في الأصل: جبروت لا ولا كبرياء، والمثبت من الديوان.
(٤) في الأصل: يتقي في الأمور.
(٥) الوزراء والكتاب ١٦٥، والفرج بعد الشدة ٢/ ١٢٠، والفخري ١٦٤.
(٦) أم جعفر أمة العزيز بنت جعفر بن المنصور لقّبها جدها المنصور زبيدة لبياضها ونعومتها، تزوج بها هارون الرشيد، وولدت له الأمين. كانت وافرة العقل والغنى فصيحة. لها خيرات ومبرّات توفيت سنة (٢١٦) الأعلام.
(٧) في الوزراء والكتاب عيسى بن داود، وفي الفرج بعد الشدة عيسى بن فلان.
[ ٢٢٧ ]
الصّباح وكانا له صديقين، ليسألهما الرّكوب إلى داود في أمره. فركبا فلقيهما الفيض بن أبي صالح (١)، فسألهما عن خبرهما، فأخبراه، فقال: أتحبّان أن أكون معكما؟ فقالا: نعم. وصاروا إلى داود وكلّموه في إطلاق الرّجل، فقال: أنا أكتب إلى أمّ جعفر. وكتب إليها يعلمها حضور القوم ومسألتهم.
فكتبت في الرّقعة: أن تعرّفهم ما وجب لنا من المال عليه، وتعلمهم أنّه لا سبيل إلى إطلاقه دون المال. فأقرأهم التوقيع، واعتذر إليهم. فقال عيسى وسهل: قد قضينا حقّ الرّجل، وقد أبت أمّ جعفر أن تطلقه إلا بالمال، فقوموا ننصرف. فقال لهما الفيض: كأنّا إنّما (٢) جئنا لنؤكّد حبس الرّجل!؟ قالا له: فماذا نصنع؟ قال: نؤدّي عنه المال. ثم أخذ الدّواة، وكتب إلى وكيله بحمل المال عن الرّجل، ودفع الكتاب إلى داود، وقال له: قد أزحنا العلّة في المال، فادفع إلينا الرّجل. فقال: لا سبيل إلى ذلك حتى أعرّفها الخبر.
وكتب إليها بذلك فوقّعت: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه كتابه بالمال، وادفع إليه الرّجل، وقل له: لا يعاود إلى مثل ما كان منه.
قال: ولم يكن الفيض يعرف الرّجل، وإنّما ساعد عيسى وسهلا على الكلام في أمره.
٦٠٠ - أراك تؤمّل حسن الثّناء ولم يرزق الله ذاك البخيلا
وكيف يسود أخو بطنة يمنّ كثيرا ويعطي قليلا
٦٠١ - قال أرسطو: الأخلاق ثمان، وهي: من النّاس من يفعل الخير
_________________
(١) الفيض بن أبي صالح، أبو جعفر: من أهل نيسابور، كان أهله نصارى، أسلموا، تأدب وبرع في ظل الدولة العباسية، وكان سخيا مفضالا متخرقا في ماله، جوادا عزيز النفس، كبير الهمة، كثير الكبر والتيه، ولاه المهدي وزارته، بقي إلى أيام الرشيد. وفيات الأعيان ٧/ ٢٦، الفخري ١٦٣.
(٢) في الأصل: كأنما إنا، والمثبت في الكتاب والوزراء، والفرج بعد الشدة.
[ ٢٢٨ ]
طبعا وهي خلق الأحرار، ومنهم من يحسن إلى من أحسن إليه وهو خلق الشّاكرين، ومنهم من ينكر المحسن إحسانه وهو خلق كافري النّعمة، ومنهم من يسيء إلى من أحسن إليه وهو خلق الأنذال، ومنهم من يقترف الشّرّ طبعا وهو خلق الحيوان السمي، ومنهم من يسيء إلى من أساء إليه وهو خلق ذوي الحقد، ومنهم من يصبر وإن أسيء إليه وهو خلق ذوي العقول، ومنهم من يحسن إلى من أساء إليه وذلك خلق الملائكة العلويّين.
٦٠٢ - من «أمالي ثعلب»:
همّته في كلّ حالاته معونة الجار وفكّ العناه (١)
يحسن حتّى يتمنّى الذي أمسى مطيعا أنّه في عماه
٦٠٣ - وأخبرت أنّ الملك الناصر صلاح الدين يوسف تغمّده الله برحمته كان نازلا بحلب، ووصله كتاب نائبه بمصر يذكر فيه أنّ أحد المعاملين عنده تخلّف عليه في حسابه نيف وعشرون (٢) ألف دينار، وأنّه هرب، ويسأل تطلّبه من بلاد الشام وغيرها، والبحث عنه. ولم يستتمّ قراءة الكتاب حتّى دخل بعض الحجاب، وقال: يا مولانا، فلان المبقى عليه المال بالباب. فقال صلاح الدّين: النائب بمصر قد يتطلّبه، فليتوار (٣) عنه، ولا يتوقّع في يده. ولم يتعرض له.
٦٠٤ - وقيل: إنّ ابن حيّوس (٤) الشّاعر قصد حلب، ومالكها يومئذ ابن
_________________
(١) لم أجده في المطبوع من مجالس ثعلب-ويسمى أيضا «أمالي ثعلب» كما يذكر البغدادي في «الخزانة» والسيوطي في «المزهر» -ولعله من الزيادات المقتبسة من «أمالي ثعلب» والتي لم ترد في النسخة المخطوطة التي حققها الأستاذ عبد السلام هارون رحمه الله تعالى، وهي نسخة وحيدة وصفها محققها بأنها مشوهة سقيمة.
(٢) العناه: جمع عاني، وهو الأسير. القاموس (عنو).
(٣) انظر الروضتين ٢/ ٢٦.
(٤) في الأصل: عشرين.
(٥) في الأصل: فليتوارى.
(٦) ابن حيوس، محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس، الأمير أبو الفتيان، شاعر الشام في عصره يلقب بالإمارة، وكان أبوه من أمراء العرب، ولد ونشأ في دمشق، وأكثر من-
[ ٢٢٩ ]
صالح (١) فأقام بها مدّة، ولم يتهّيأ له مدح ابن صالح ولا الاجتماع به، فقفل عن حلب، فلمّا سار عنها أخبر ابن صالح به، فأنفذ من ردّه، وتقدّم إلى القاصد أن يستعلم ما عنده من حمد أو ذمّ، فلّما لحقه القاصد سأله عن صناعته، قال: أقول الشّعر والأدب. فقال له: لم لا مدحت الأمير مع محبّته للأدب؟ قال: لم أجد لي عنده وجها. قال: فهلاّ هجوته؟ قال: لم يسىء فأذمّه، ولا أحسن فأشكره، وإنّما أنا صاحب سلعة إن نفقت عنده وإلا نفقت عند غيره. ثم أعاده واجتمع بابن صالح، ومدحه بقصيدة أثابه عليها ألف دينار (٢)، وأقطعه أقطاعا تغلّ في كلّ سنة جملة، وأقام في خدمته، ثم درات دوائر الدّهر، وتقلّبت صروف الزّمان، وانقرض ملك آل صالح (٣).
وملك حلب شرف الدّولة (٤)، وطلب ابن حيّوس الحضور بين يديه وامتداحه، فقيل لشرف الدولة: هذا لا ينشد شعره إلا وهو جالس، والأمير ملك عن كثب، ولا بدّ من إقامة الحرمة. قال: فما الحيلة؟ قال: يفرش
_________________
(١) مدح أمراء الفاطميين معرضا بخصومهم، نائلا منهم وبخاصة من آل مرداس، والعباسيين، ولمّا اخّتل أمرهم رحل إلى حلب سنة ٤٦٤ هـ وانقطع إلى بني مرداس فمدحهم بعد الاعتذار، وعاش في كنفهم إلى أن مات سنة ٤٧٣ هـ الأعلام، وانظر وفيات الأعيان ٤/ ٤٣٨، والوافي بالوفيات ٣/ ١١٨. وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٤١٣، ومقدمة الديوان.
(٢) وهو محمود بن نصر بن صالح المرداسي كان شجاعا حازما توفي سنة ٤٦٧ هـ.
(٣) وهذه القصيدة اعتذار ومدح مطلعها: قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمّما ولا تقتفوا من جار لمّا تحكّما
(٤) وهم بنو مرداس، وكان ابن حيّوس قد عاش في ظل محمود وابنه نصر بن محمود وأخيه سابق بن محمود. وله مدائح فيهم، وكان انقراض دولتهم سنة (٤٧٣).
(٥) شرف الدولة، مسلم بن قريش بن بدران العقيلي، كان صاحب الموصل وربيعة ومضر استولى على قلعة حلب، وأخذ الجزية من بلاد الروم، رام الاستيلاء على بغداد بعد طغرلبك، فقتل في المعركة بأرض أنطاكية سنة ٤٧٨ هـ، كان شجاعا جوادا نافذ السلطان، عمّ بلاده الأمن في أيامه. الأعلام.
[ ٢٣٠ ]
للأمير بساط (١) لا يفضل عنه، وإذا حضر ولم ير له ما يجلس عليه ينشد قائما.
فلما حضر ابن حيّوس ورأى ذلك علم أنّه قد عمل لأجله، فوقف قائما وأنشد (٢):
ما أدرك العزمات مثل مصمّم إن أحجمت أعداؤه لم يحجم
فلما بلغ إلى قوله:
أنت الذي نفق الثّناء بسوقه وجرى النّدى بعروقه قبل الدّم
اهتزّ شرف الدولة، وحرّكته الأريحيّة العربية، فأوسع له في البساط، وأجلسه إلى جانبه، وتمم إنشاده القصيدة، ثمّ سأل شرف الدّولة عمّا أعطاه ابن صالح، فقيل له: ألف دينار. فقال: ابن صالح مع بخله يعطيه ألف دينار! أعطوه ألفي دينار. وضاعف أقطاعه، وأقام في خدمته، ثم توفّي ابن حيّوس وخلّف مالا كثيرا ولم يكن له وارث. فأشار بعض أصحاب شرف الدّولة عليه بحمله إلى خزانته، فقال له: يا ويلك، أتشير عليّ أن أعمد إلى مال قد سمحت به أكفّ الكرم، وجمع من فضلات عطاياهم، فأحمله إلى خزانتي، اغرب عنّي، لا حاجة لي في خدمتك. ثمّ أمر بحرز المال فبقي مدّة محروزا، ثمّ بلغ شرف الدّولة أنّ له ببلد الجزيرة بنت بنت أخت (٣) وهي غير مستحقّة للميراث، فأمر بدفع المال إليها.
_________________
(١) في الأصل: بساطا.
(٢) الديوان ٢/ ٥٦٩. وقد قالها لمّا فتح شرف الدولة حلب في سنة (٤٧٣). قال الأستاذ خليل مردم بك محقق الديوان: لعلّ هذه القصيدة آخر ما قال ابن حيّوس من الشعر، وهي من أجود شعره. ورواية البيت في الديوان: ما أدرك الطلبات مثل مصمم إن أقدمت أعداؤه لم يحجم
(٣) جاء في «زبدة الحلب من تاريخ حلب» ٢/ ٧٤: فوجدوا له من ذوي الأرحام بنت أخ، فأعطاها ماله جميعه، وهي بنت أخيه أبي المكارم محمد بن سلطان بن حيّوس.
[ ٢٣١ ]