١ - نتلمّس من خلال الكتاب ثقافة رجل من أصحاب الدواوين جمّاعة لا بأس به، صاغ تجربته التي مرّت به فأجاد، واستفاد من مخزونه الثقافي فأحاط وأفاد، وتتبدّى لنا ثقافته في منحيين:
الأول: حشد أخبار وأقوال عن السجن، وما يتعلّق به: الحاكم والأمير والزائر، حتى السامع. ولولا سعة اطلاعه وشمولية ثقافته لعجز عن هذا السّرد.
الثاني: بناء الكتاب، صحيح أن الكتاب عن «أنس المسجون» ولكن الشطر الثاني من اسم الكتاب لم يكن غائبا «سلوة المحزون» وبهذا أعطى الكتاب شمولية لها بعدان: مكاني ونفسي، وبهذا أخرج الكتاب من أن يكون تخصّصيا، فهو من كتب الأدب العامة، أقامه على تسعة أبواب. عرف كيف يسوق الفصول مع الأبواب، كما عرف كيف يدفع الأخبار ويتنقي الأقوال.
والكتاب على جودته وتفرّده لم يأت مبرّأ من العيب خاليا من الهنات، وأهم ما يؤخذ على صاحبه:
١ - تحريف كثير من الأسماء وتصحيفها، ولا أريد أن أرفق الكلام بجدول ولكن ما عليك إلا أن تراجع الأخبار (٩٢،١٣٥،١٧٢. . .).
٢ - كثيرا ما ينسب الخبر إلى غير قائله انظر الخبر (١٨).
٣ - الخروج عن المنهج الذي خطّه لنفسه، ففي الفصل السادس: في القناعة واليأس مما بأيدي الناس يسوق الأخبار (٥٠٧،. . . .٥١٢) ويستمر في الاسترسال بقصص وأخبار هي أقرب ما تكون إلى باب الحلم والجود، ثم
[ ١٥ ]
يصحو من استرساله، فيقول معقبا: ثم تمام باب القناعة واليأس.
٤ - ربّما يستحسن خبرا، لكنه ينسى أسماء الشخصيات، فيسوق الخبر بمبهمات. انظر على سبيل المثال الخبر (٦٢).
٥ - وأخيرا نأخذ عليه شيئا بسيطا هو تكرار خبرين هما (٢٨٩ و٣١٩) وقد أعادهما تحت الرقمين (٣٦٤ و٥٥٢).
وأعود فأقول عن جمعه: إنه قد أجاد وأفاد، وانتقى مكارم الأخبار وعيون الأشعار.
٢ - ثقافته من خلال أحكامه: ونتلمس في هذا الكتاب عدّة أحكام أصدرها مؤلف كتابنا هذا نستطيع أن نتبين من خلالها مشربه وثقافته بل وعقيدته وفكره وانتماءه:
أ-الخبر (٢٠٥) صفحة (٨٠) عن الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا وأبياته التي أمر أن تغنّى له حتى تفارق روحه جسده، والتي آخرها:
وبقيت لا شيئا أشاهده إلا أقول بأنه ربّي
وفي الأبيات ما فيها من فكرة وحدة الوجود، ثم يقول في آخر الخبر:
ومات من وقته مقدّس الروح مطهّرا. ولا يكتفي بهذا بل يؤكد أنه على طريقته وفكره في البيتين اللذين يسوقهما بعد هذا الخبر وهما:
فليرحم الله إخوانا لنا ذهبوا أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيتنا ولا يؤوب إلينا منهم أحد
ب-الخبر (٥٩٧) صفحة (٢٢٥) والذي يصدره بقوله: حدّثني الشيخ الصالح أوحد الدين الكرماني، ولقد سبق لنا التعريف بهذا الشيخ الصالح صفحة (١٤) وأنه من أصحاب ابن عربي، وله نفس المشرب والمصدر.
وأقول: إن غياب ترجمة المؤلف عنّا دفعنا أن نتلمّس ملامحه الثقافية والتاريخية من خلال هذا الكتاب. وتبقى هذه الأحكام عرضة للتغيير والتبدل إذا
[ ١٦ ]
وجدنا ترجمة وافية له تحدّثنا عن الرجل وعقيدته، وتخبرنا عمّا مات عليه.
ويبقى لنا جانب من جوانب ثقافته وهو شعره، فهو شاعر غير مطبوع، وشعره أقرب إلى شعر المؤدبين والعلماء، لا نجد فيه جذوة الشعر، ولا حرارة العبارة، ولا براعة التشبيه، وإنما هو شعر وجداني، أراد به أن يعبّر عن مأساته ومحنته فأتى بأبيات موزونة ذات روي واحد. وانظر إلى أشعاره في الأخبار ذات الأرقام:
خبر صفحة
٢٨٥ ١١٧
٣٠٤ ١٢١
٣٤٢ ١٣٣
٣٤٥ ١٣٤
٣٥١ ١٣٧
[ ١٧ ]