وصرفه المحن والنقم
١ - قال بعض العلماء لابنه: يا بني، عليك بالشّكر، فإنّه يديم النّعمة ويزيل المحنة، وأكثر من الدّعاء؛ فإنّه يمحّص الذّنوب.
٢ - وقيل: من صفة المؤمن أن يكون في الرّخاء شكورا، وفي البلاء صبورا.
٣ - وقيل: الكمال في ثلاث: الشّكر مع الفقر، والصّبر عند المصيبة، وحسن التّدبير في المعيشة.
٤ - وقال بعض الرّهبان: طوبى لمن شغل قلبه بشكر النّعم عن البطر بها.
٥ - وقيل: قد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاء صبرا، ولكلّ نعمة شكرا، ومن لم يعلم أن مع العسر يسرا.
٦ - وقيل: النّعمة عروس مهرها الشّكر.
٧ - وقال الجنيد (١): دخلت على السّريّ السّقطي (٢)، فقال لي:
_________________
(١) (_٧) حلية الأولياء ١٠/ ١١٩، وشعب الإيمان ٤/ ١٣٠ (٤٥٥٠).
(٢) الجنيد بن محمد بن الجنيد، صوفي مولده ومنشؤه العراق، ضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، توفي سنة ٢٩٧. وفيات الأعيان ١/ ٣٧٣.
(٣) السّري بن المغلس السّقطي، أول من تكلم في بغداد بلسان التوحيد وأحوال =
[ ٣١ ]
ما الشّكر يا غلام؟. فقلت: ألاّ نستعين بنعم الله على معاصيه.
٨ - وقيل: علامة الشّكر دوام النّعمة.
٩ - وقيل: تألّفوا النّعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزّيادة فيها بالشّكر عليها.
١٠ - وقيل: من شكر الباري فقد وجب عليه شكران: شكر النّعمة، وشكر (١) إذ وفّقه لشكره. وهذا شكر الشّكر.
١١ - محمود الورّاق (٢):
إذا كان شكري نعمة الله نعمة عليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله وإن طالت الأيام واتّسع العمر
إذا عمّ بالسرّاء عمّ سرورها وإن عمّ بالضرّاء أعقبها الأجر
فما منهما إلاّ له فيه نعمة تطول بها الأوهام والبرّ والبحر
١٢ - وقالت هند بنت المهلّب (٣): إذا رأيتم النّعم مستدرّة فبادروا بالشّكر قبل حلول الزّوال.
١٣ - وقال الحسن البصري (٤): نعم الله أكثر [من]
_________________
(١) = الصوفية، كان خال الجنيد وأستاذه، توفي سنة ٢٥٣ هـ. طبقات الصوفية ٤٨.
(٢) في الأصل: وشكرا.
(٣) الديوان صفحة (١٢١).
(٤) محمود بن الحسن الورّاق، من فضلاء الأدباء، أكثر شعره في المواعظ والحكم، مات نحو سنة (٢٢٥) في عهد المعتصم. رغبة الآمل ٤/ ١٠٤.
(٥) الكامل ١/ ٣٩٤، ومختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٩٥.
(٦) هند بنت المهلب بن أبي صفرة، زوج الحجاج بن يوسف، من ربّات الرأي والعقل والفصاحة.
(٧) الحسن البصري، حبر الأمة وإمام أهل البصرة، أحد العلماء الفقهاء =
[ ٣٢ ]
أن تشكر إلاّ ما أعان عليه. وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلاّ ما عفا عنها.
١٤ - وكان بعض النّسّاك يقول في دعائه: اللهمّ، اجعلني أواصل شكرك، وأكثر ذكرك، وأطيع أمرك؛ فإنني أعلم إذا واصلتك بالشّكر واصلتني بالإحسان، وإذا أكثرت ذكرك ذكرتني في شدّتي، وإذا أطعت أمرك جعلتني في الآخرة من الطائعين.
١٥ - وقال بعض الفضلاء: الشّكر تجارة رابحة، ومكسبة فاضلة جعله الله تعالى مفتاحا لخزائن رزقه، وبابا إلى مزيد فضله فأقيموا تجارة الشّكر تقم لكم أرباح المزيد.
١٦ - وقيل: من أعطي أربعا لم يعدم أربعا: من أعطي الشّكر لم يعدم المزيد، ومن أعطي التوبة لم يعدم القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يعدم الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يعدم الصّواب.
١٧ - وقيل: على قدر الشّكر يكون دوام النّعمة، وعلى قدر المؤنة تكون المعونة، وعلى قدر المصيبة يكون الصبر.
١٨ - وقال عمر بن الخطاب: قيّدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتاب.
١٩ - العلم صيد والكتابة قيده قيّد صيودك بالحبال الواثقهْ
_________________
(١) = الفصحاء، الشجعان، توفي سنة ١١٠ هـ. حلية الأولياء ٢/ ١٣١، وفيات الأعيان ٢/ ٦٩، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣. ما بين معقوفين زيادة يقتضيها النص.
(٢) كذا في الأصل عمر بن الخطاب وهو في الكامل ١/ ٣٩٤، والحلية ٥/ ٣٤٠، وشعب الإيمان ٤/ ١٣٠ (٤٥٤٦) لعمر بن عبد العزيز.
[ ٣٣ ]
فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتركتها مثل الحليلة طالقه (١)
٢٠ - وقيل: لا زوال للنّعمة إذا شكرت، ولا دوام لها إذا كفرت.
٢١ - شعر:
لو شكروا النّعمة زادتهم لكنّه كفرهم غالها
لئن شكرتم لأزيدنّكم مقالة الله التي قالها (٢)
٢٢ - وقيل: ليس يخلو الإنسان من ذنب ومن نعمة، وليس يصلحه إلاّ الاستغفار من هذا والشّكر على هذه.
٢٣ - وقيل: من أضاع الشّكر فقد خاطر بالنّعمة.
٢٤ - وقيل: شكرك نعمة سالفة تقتضي لك نعمة مستأنفة.
٢٥ - وقال المأمون لثمامة (٣): أيّما أفضل الشّاكر أو المنعم؟ فقال:
المنعم أمنّ فعلا، وأعلى في فعله فضلا، لأنّ الإنعام لقاح الشّكر وبه يستهلّ سبيل الشّاكر إلى جميل البشر؛ فجالب الشّكر أوكد سببا من الشّكر. فقال المأمون: ما علمت (٤) شيئا، بل الشّكر أفضل والقول بتقديمه أعدل، لأنّ الشّكر يمتري (٥) المزيد، ويحكم عقد النّعمة بالتوطيد، وموجب
_________________
(١) هذان البيتان كتبا على الهامش وبخطّ مغاير عن خطّ ناسخ الأصل.
(٢) مضمنا قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:٧].
(٣) ثمامة بن أشرس البصري المتكلّم، من رؤوس المعتزلة القائلين بخلق القرآن، كان أحد الفصحاء البلغاء، اتصل بالرشيد ثم المأمون، كان ذا نوادر وملح. ذكر ابن الجوزي أن الرشيد حبسه، كما ذكر خبرا عن حبسه صاحب «العقد الفريد» ٦/ ١٤٥. وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٠٣، ولسان الميزان ٢/ ٨٣.
(٤) كذا الأصل. ولعلها: ما عملت.
(٥) يمتري: يستخرج. اللسان (مرا).
[ ٣٤ ]
النّعمة أفضل من النّعمة [النعمة] (١) إلى نفاد، ويسير الشّكر (٢) باق إلى المعاد. ومن فضله ندب الله عباده إليه، وحضّهم عليه، وأوجب لهم المزيد بإدامته.
٢٦ - وقال الشاعر:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد لعزّة ملك وارتفاع مكان
لما أمر الله العباد بشكره فقال اشكروا لي أيّها الثّقلان
٢٧ - وقيل: من أراد أن يكون أقوى النّاس فليتوكّل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أكرم النّاس فليثق بالله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى النّاس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحبّ بقاء جميع ذلك فليشكر الله تعالى دائما.
٢٨ - وقيل: الشّكر عصمة من النّقمة.
٢٩ - وقيل: الشّكر قيد النّعمة؛ وأحسن كلّ حسن نعمة مشكورة.
٣٠ - وقيل: لا راحة إلاّ في بدن صابر، ولسان ذاكر، وقلب شاكر.
٣١ - وقيل: الشّكر نعمة في الدنيا وشرف (٣) في الآخرة.
٣٢ - وقيل: أفضل الخصال: الشّكر عند النّعمة، والصبر عند البليّة.
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها النص.
(٢) في الأصل: الشر.
(٣) البيتان لمحمود الوراق وهما في ديوانه (١٩٦)، وانظر: عيون الأخبار ٣/ ١٦١. مع اختلاف في الرواية. والأمالي ٤/ ٢١٣. والمحاسن والمساوئ ١/ ٢٠١، والمحاسن والأضداد ٢٥، وفضيلة الشكر لله على نعمته ٦٥. مع تغيير طفيف.
(٤) في الأصل: وشرفا.
[ ٣٥ ]
٣٣ - وقال الحسن البصريّ: الخير الذي لا شرّ فيه الصّبر مع النّازلة، والشّكر مع النّعمة.
٣٤ - وقال الشاعر:
لئن ساءني دهر لقد سرّني دهر وإن مسّني عسر لقد مسّني يسر
لكلّ من الأيام عندي عادة فإن ساءني صبر، وإن سرّني شكر
٣٥ - وقيل: من تلقّى أوائل النّعم بالشّكر ثمّ أمضاها في سبل البرّ فقد حصّنها من الزّوال، وحرسها من الانتقال.
٣٦ - وقال إبراهيم بن هلال الصّابئ (١): إنّ للنعم من الشّكر شرطا (٢) ما يريم (٣) ما وجدته، ولا يقيم ما فقدته.
٣٧ - وقيل: من كانت فيه ثلاث خلال رزقه الله التوفيق في الدّنيا والنعيم في الآخرة: إذا أعطى شكر، وإذا منع صبر، وإذا قدر غفر.
٣٨ - وقال بعض الرّهبان: الصّلاة التامّة حمد الله وشكره والتّسليم لأمره.
٣٩ - وأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بني، كن كريم القدرة إذا قدرت، شريف الهمّة إذا ظفرت، صبورا إذا امتحنت؛ لا تردنّ حوض لئيم
_________________
(١) تنسب الأبيات لعلي بن أبي طالب ﵁، انظر الديوان صفحة ٤٤.
(٢) إبراهيم بن هلال الصابئ الأديب البليغ، صاحب الترسل البديع المشرك، حرصوا على إسلامه فأبى، وكان يصوم رمضان ويحفظ القرآن. كان كاتب الإنشاء ببغداد. سجنه عضد الدولة، ثم أطلقه سنة ٣٧١. كان مكثرا من الآداب، توفي سنة ٣٨٤ هـ. معجم الأدباء ٢/ ٢٠، ووفيات الأعيان ١/ ٥٢، وسير أعلام النبلاء:١٦/ ٥٢٣. وفي الأصل «هليل».
(٣) في الأصل: شرط.
(٤) في الأصل: يريم.
[ ٣٦ ]
لظمئك (١)، ولا تأتينّ دنيّة لضيق حالك، واستجلب النّعم بالشّكر، واستدفع البلاء بالصبر.
٤٠ - وقيل: الشّكر مغنم، والكف [عنه] (٢) مغرم.
٤١ - وقيل: ثمرة المعروف الشّكر، وثمرة الشّكر الرّضا.
٤٢ - وقال بعض الصالحين: إنّي لأصاب بالمصيبة فأشكر الله تعالى عليها أربع مرار: شكرا إذ (٣) لم تكن أعظم مما هي، وشكرا إذ رزقني الصّبر عليها، وشكرا لما أرجوه من زوالها، وشكرا إذ لم تكن في ديني.
٤٣ - اشكر فإنّك واجد أبدا مع الشّكر الزّياده
لا تتّكل في الرّزق منك-م- على التّصرف والجلاده
٤٤ - وقيل: حقّ الله في العسر الرّضى والصبر، وفي اليسر البرّ والشّكر.
٤٥ - وقيل: إذا أحببت نعمة وأحببت طول مجاورتها فتعهّدها بالحمد، واستدمها (٤) بالشّكر.
٤٦ - وقال بعض العلماء: ما رأيت أثبت أركانا، ولا أشرف بنيانا ولا أحدث لنعمة، ولا أصرف لنقمة من الشّكر لله تعالى.
٤٧ - وقيل: ثلاثة يبلغ بها الإنسان ما يحبّ: حسن الظنّ بالله تعالى، والمكافأة على القبيح بالجميل، وشكر الله على الشدّة.
_________________
(١) في الأصل: لضمئك.
(٢) زيادة يقتضيها النص.
(٣) في الأصل: إذا.
(٤) في الأصل: استديمها.
[ ٣٧ ]
٤٨ - وقال أبو الفرج الببّغاء (١):
صبرت ولم أحمد على الصّبر شيمتي لأنّ مآلي لو جزعت إلى الصّبر
ولله في أثناء كلّ ملمّة وإن آلمت لطف يحضّ على الشّكر
٤٩ - وقيل: من أخلاق المؤمن الفضل في الغنى، والقنوع في الفاقة والصّبر في الشّدّة، والشّكر في الرّخاء.
٥٠ - وقيل: من شكر النّعمة فليثق بالزيادة والدوام، ومن كفرها فليثق بالزوال والنّقصان.
٥١ - وقيل: إنّ الشّكر وإن قلّ ثمن لكلّ نوال وإن جلّ.
٥٢ - وكان المأمون إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا.
٥٣ - وزعم الأصمعيّ (٢) أنّ حربا كانت بالبادية، ثمّ اتّصلت بالبصرة، فتفاقم الأمر ثمّ مشي بين الناس بالصّلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع.
قال: فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن العقفاني (٣) فاستأذنت
_________________
(١) الفرج بعد الشدّة ٥/ ٧٦.
(٢) عبد الواحد بن نصر، أبو الفرج الببغاء شاعر وقته، مدح سيف الدولة، ودخل بغداد، ونادم الملوك، لقّب بالببغاء لفصاحته، وقيل: بل للثغة في لسانه. توفي سنة ٣٩٨ هـ. يتيمة الدهر للثعالبي ١/ ٢٠٠، والمنتظم ٧/ ٢٤١، ووفيات الأعيان ٣/ ١٩٩، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٩١.
(٣) الكامل ١/ ١٨١، والمستجاد ٢٠٨، وعيون الأخبار ١/ ٣٣٢، وثمار القلوب ٥٣٢.
(٤) في سنده نقص والأصمعي يروي الخبر عن شيخين أحدهما هارون الأعور عن قتيبة بن سليم وهو الذي ذهب إلى ضرار بن القعقاع. ثمار القلوب ٢/ ٧٦٧.
(٥) في المستجاد: القعقاع بن الضرار الدارمي، وفي ثمار القلوب: هزار بن القعقاع بن سعيد بن زرارة، والصواب ما ذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وضرار هذا وفد على النبيّ ﷺ مع أبيه =
[ ٣٨ ]
عليه، فأذن لي، فدخلت فإذا هو في شملة (١) يخلط بزرا لعنز له حلوب، فخبّرته بمجتمع الناس، فأمهل حتى أكلت العنز، ثم غسل الصّحفة، وصاح: يا جارية، غدّينا. فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني، فقذرته أن آكل معه (٢)، حتى إذا قضى من أكله، وثب إلى طين ملقى في الدار، فغسل به يده، ثم صاح: يا جارية، اسقيني ماء. فأتته بماء، فشربه، ومسح فضله على وجهه، ثمّ قال: الحمد لله ماء الفرات، بتمر البصرة، وزيت الشّام، متى نؤدّي شكر هذه النعمة! ثمّ قال: عليّ بردائي. فأتته برداء عدنيّ فارتدى به على تلك الشّملة.
قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحا لزيّه، فلمّا دخل المسجد صلّى ركعتين، ثمّ مشى إلى القوم، فلم تبق حبوة (٣) إلاّ حلّت إعظاما له، ثمّ جلس فتحمّل جميع ما كان بين الأحياء (٤) في ماله، وانصرف.
٥٤ - وقال بعض الحكماء: إنّ عندنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فما ندري ما نشكر له: جميل ما نشر، أم قبيح ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما أعفى؟
_________________
(١) = وهو صغير. انظر أسد الغابة ٣/ ٤٠. وكتب في الهامش: في نسخة القعقاع.
(٢) الشّملة: كساء دون القطيفة، أو مئزر من صوف وشعر يؤتزر به. اللسان (شمل).
(٣) في الهامش: وفي المستجاد: قال: فدعاني لآكل معه، فوافقته حتى قضى إربه من الأكل-وفي المطبوع من المستجاد ٢٠٩: فدعاني لآكل معه فأكلت. وفي نسخة (ز) من المستجاد: فاستقذرته؛ فامتنعت.
(٤) احتبى بالثوب اشتمل، أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها.
(٥) في الهامش كتب ما نصّه: بين الحيين من الديات، ونهض وهو سيد القوم لفعله.
[ ٣٩ ]
٥٥ - وقيل: احتمل ما تكره لما ترجو، أو دع ما تهوى لما تخشى، وكما تهادي أكفاءك فواس أتباعك، وكما تشكر لمن أنعم عليك فأنعم على من شكرك.
٥٦ - وقال الشاعر:
يد المعروف غنم حيث كانت تحمّلها كفور (١) أم شكور
فعند الشّاكرين لها جزاء وعند الله ما كفر الكفور
٥٧ - وقال عمر بن الخطّاب ﵁: لو كان الصّبر والشّكر بعيرين ما باليت أيّهما ركبت.
٥٨ - وقيل: لا انقطاع للنعم مع الشّكر، ولا دوام لها مع الكفر.
٥٩ - وسئل بعض الفضلاء: من أحق بالصّنيعة؟ فقال: الذي إذا أعطي شكر، وإذا منع عذر، وإذا موطل صبر.
٦٠ - وقيل: إنّ بعض الرّهبان أصابته محنة، فقال: يا ربّ، ليت شعري، أيّ شيء عملت لك حتّى شكرتني عليه فأبليتني بما أرى حتى أدوم لك عليه.
٦١ - وقال الأحنف (٢): كنت في إبل لي فاشتكيت بطني، فتمنّيت من
_________________
(١) المحاسن والأضداد للجاحظ (٢٥)، وشعب الإيمان ٦/ ٥٢٢، وهما لابن عائشة. قال البيهقي: وقد يروى هذان البيتان عن ابن المبارك أنه أنشدهما.
(٢) في الأصل: كفوا.
(٣) كتاب التعازي ٧٤، والبيان والتبيين ٣/ ١٢٦، ومحاضرات الأدباء ٢/ ٢٢٦.
(٤) الأخبار الموفقيات ١٧٠. وقد ورد الخبر مقلوبا في مخطوطة تاريخ ابن عساكر. تصوير دار البشير ٨/ ٤٣٣: عن المغيرة: شكا ابن أخي الأحنف بن قيس وجعا بضرسه، فقال الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة، فما ذكرتها لأحد. وبه عن المغيرة أيضا قال الأحنف: ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما شكوتها. وذكر ابن حبيب في المحبر ٣٠٣ أن العور أصاب الأحنف بسمرقند.
(٥) الأحنف بن قيس الأمير الكبير، العالم النبيل، أحد من يضرب بحلمه وسؤدده المثل، اسمه الضحاك وشهر بالأحنف لحنف رجليه، وهو العوج والميل، =
[ ٤٠ ]
أشكو له علّتي، فمرّ بي عمّي (١) صعصعة بن معاوية يريد إبلا له، فركبت بعيرا لي وتبعته لأشكو إليه، وتفوّهت لأتكلّم فأسكتني، وقال: يا ابن أخي، إذا نزل بك أمر فلا تشكه (٢) إلى مخلوق مثلك؛ فإنّه ما يقدر أن يدفع عن نفسه مثل الّذي نزل بك، بل اشكه (٣) إلى الذي ابتلاك به، فهو يقدر على دفعه عنك، واعلم أنك تشكو إلى أحد رجلين: إمّا عدوّ فتسرّه، أو صديق فتسوءه، يا ابن أخي، أما ترى عيني هذه قد ذهبت مذ أربعين سنة ما أعلمت بها زوجتي (٤) ولا أهلي ولا ولدي، وشكري لله بعد ذهابها يزيد على أيام سلامتها، لأنّه أدّبني تأديبا انتفعت به من حيث لم يكشفه لغيري، ولا أوقف (٥) شيئا من أمري.
٦٢ - وقيل: إنّ صوفيا خرج من بغداد مسافرا فلقيه صوفي (٦) قد ورد من بلخ، فقال البلخيّ للبغداديّ: كيف خلّفت إخوانك ببغداد؟ فقال: إن أعطوا شكروا، وإن منعوا صبروا. فقال: كذا خلّفت الكلاب ببلخ. فقال: فكيف
_________________
(١) = كان سيد تميم، أسلم في حياة النبي ﷺ، وفد على عمر، كان من قواد علي ﵁ يوم صفين مات سنة ٦٧ هـ سير أعلام النبلاء ٤/ ٨٦.
(٢) في الأصل: خال صعصعة. والمثبت من الأخبار الموفقيات، وصعصعة بن معاوية عم الأحنف بن قيس بن معاوية، انظر المعارف ٤٢٤، ومروج الذهب ٣/ ٣٠٦، وقد ذكر محققه ٦/ ٤٢٧: قيل: إنه خال الأحنف.
(٣) في الأصل: تشكوه.
(٤) في الأصل: اشكيه.
(٥) أهل الحجاز يضعون الزوج للمذكر والمؤنث وضعا واحدا، تقول المرأة: هذا زوجي، ويقول الرجل: هذه زوجي، وبنو تميم يقولون: هي زوجته. وانظر شواهده، وتتمة المسألة في اللسان (زوج).
(٦) كذا في الأصل، ووقّف الشيء بيّنه. اللسان (وقف).
(٧) انظر الخبر في وفيات الأعيان ١/ ٣٢، والمستطرف ٩٧، وهو بين شقيق البلخي وإبراهيم بن أدهم.
(٨) في الأصل صوفيا.
[ ٤١ ]
خلّفت إخوانك ببلخ؟ فقال: إن أعطوا آثروا، وإن منعوا شكروا.
٦٣ - وقال الحجّاج بن يوسف: ما سلبت نعمة إلاّ بكفرها، ولا تمّت إلاّ بشكرها.
٦٤ - اشكر ولا تكفر تزد نعمة واتل مقالا من حكيم مجيد
لئن شكرتم لأزيدنّكم وإن كفرتم إنّ عذابي شديد (١)
٦٥ - وأوصى عبد الله بن شداد بن الهاد (٢) ولده فقال: يا بني، إنّي أرى الموت لا يقلع، ومن مضى فليس يرجع، ومن بقي فإليه يسرع، وإنّي أوصيك بوصيّة فاحفظها: اتقّ الله، وليكن أولى الأمور بك الشّكر لله، وحسّن النيّة في السّرّ والعلانية، فإنّ الشّكر مزاد، والتقوى خير زاد.
٦٦ - وقال بعض الرّهبان: الحزن على فقد الغنيات الدنياوية دليل على فقد غيرها؛ والشّكر والرّضا بفقدها دليل على سرعة خلفها.
٦٧ - وقيل: الشّكر تميمة لتمام النّعمة.
٦٨ - وقيل: كان الحسن بن سهل (٣) إذا قلّل الشّيء، يقول: هو أعزّ من نعمة مشكورة.
٦٩ - وقيل: هو أحلى في عيني من نعمة مشكورة.
_________________
(١) كذا في الأصل، اقتباس وتضمين من قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:٧]. ولعل صوابه: وإن كفرتم فعذاب شديد.
(٢) عبد الله بن شداد الليثي الفقيه المدني ثم الكوفي، خرج مع ابن الأشعث، فقتل ليلة دجيل-نهر ببغداد-سنة اثنتين وثمانين. سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٨.
(٣) الحسن بن سهل: وزير المأمون، جواد، تزوّج المأمون ابنته بوران، وما زال في رفعة إلى أن توفي سنة (٢٣٦). تاريخ بغداد ٧/ ٣١٩، وفيات الأعيان ٢/ ١٢٠.
[ ٤٢ ]
٧٠ - وقيل: الشّكر أكثر من النّعمة؛ لأنّ النّعمة تفنى والشّكر يبقى.
٧١ - لا يغلونّ عليك الشّكر في ثمن فليس شكر وإن أقصرت بالغالي
الشّكر يبقى على الأيام ما بقيت ويذهب الدّهر والأيّام بالمال
٧٢ - وقيل: سمع ثلاثة أنفس كلاما بليغا، فقال أحدهم: حقّ هذا الكلام أن يكتب بالغوالي على خدود الغواني. وقال الآخر: حقّ هذا الكلام أن يكتب بأنامل الحور في ورق النّور. وقال الآخر: حقّ هذا الكلام [أن] يكتب بقلم الشّكر في ورق النّعم.
٧٣ - وقال بعضهم: إنّ الشّكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ له.
٧٤ - وقيل: من أنعم الله عليه، وأنعم [هو] على الناس فقد شكر النّعمة وأمن من المحنة.
٧٥ - وقيل: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك.
٧٦ - وقال الحسن البصري: لا زوال للنّعم إذا شكرتها، ولا إقامة لها إذا كفرتها، والشّكر زيادة في النّعم، وأمان من النّقم.
٧٧ - منصور الفقيه (١):
أعارك ما له لتقوم فيه بطاعته وتعرف فضل حقّه
فلم تشكر لنعمته ولكن قويت على معاصيه برزقه
_________________
(١) منصور بن إسماعيل التميمي العلاّمة، فقيه مصر الشافعي الضرير الشاعر، له مصنفات في المذهب، وله شعر جيد سائر. توفي سنة (٣٠٦). وفيات الأعيان ٥/ ٢٨٩. والبيتان ليسا في ديوانه ضمن مجلة المجمع الهندي، المجلد الثاني، العدد المزدوج ١ - ٢ سنة ١٩٧٧ م.
[ ٤٣ ]
٧٨ - ولأبي إسحاق هلال الصابئ (١) ابتداء رسالة: أمّا بعد، فإنّ لله قضايا نافذة وأقدارا ماضية فيهنّ النّعم السّوابغ والنّقم الدّوامغ، فأمّا النّعم فإنه يؤتيها عباده أجمعين بادئة، ثمّ يجزي بها الشّاكرين عائدة؛ وأمّا النّقم فلا تقع سلفا وابتداء لكن قصاصا وجزاء بعد إمهال وإنظار، وتحذير وإنذار؛ وإذا حلّت بالقوم الظّالمين فقد طوي في إثباتها صنع لآخرين معتبرين.
٧٩ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: الشّكر أمنة من الزّوال، وجنّة من الانتقال.
٨٠ - وقيل: الشّكر يتمّ النّعم.
٨١ - وقال الصّابئ: الشّكر قيد النّعم وشكالها (٢)، وحبسها وعقالها.
٨٢ - وقال: موضع الشّكر من النّعمة موضع القرى من الضّيف، إن وجدته لم ترم، وإن فقدته لم تقم.
٨٣ - وقال إسحاق الموصلي (٣): العفاف زينة الفقر، والشّكر زينة
_________________
(١) كذا في الأصل وأبو إسحاق هو إبراهيم بن هلال سبقت ترجمته صفحة (٣٦) أما هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال، أبو الحسن فهو حفيد أبي إسحاق. صاحب الرسائل المشهورة، أسلم في آخر عمره، وحسن إسلامه، قال عنه الخطيب البغدادي: كان ثقة صدوقا. تاريخ بغداد ١٤/ ٧٦، ووفيات الأعيان ٦/ ١٠١، ومعجم الأدباء ١٩/ ٢٩٤.
(٢) الشّكال: العقال والحبل. اللسان (شكل).
(٣) إسحاق بن إبراهيم النّديم الموصلي الإخباري، الإمام العلامة، صاحب الموسيقا والشعر الرائق والتصانيف الأدبية مع الفقه واللغة، وأيام الناس، والبصر بالحديث. قال المأمون: لولا شهرة إسحاق بالغناء، لوليته القضاء. سير أعلام النبلاء ١١/ ١١٨. .
[ ٤٤ ]
الغنى.
٨٤ - وشكا رجل إلى بشر بن الحارث (١) كثرة العيال، فقال: فرّغك فلم تشكره، فعاقبك بالشّغل.
٨٥ - وكتب محمد بن عبد الملك (٢) إلى عبد الله بن طاهر (٣): لو لم يكن من فضل الشّكر إلاّ أنّه يرى بين نعمة عليه مقصورة أو زيادة منتظرة. فقال عبد الله لكاتبه: كيف تسمع هذه (٤) الكلمتين؟ فقال: كلاهما قرطان بينهما وجه حسن.
٨٦ - وقال الفضل بن سهل (٥): من أحبّ الازدياد من النّعمة فليشكر، ومن أحبّ المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحبّ بقاء عزّه فليسقط الدّالة،
_________________
(١) بشر بن الحارث: الإمام الزاهد الرّباني المشهور بالحافي، كان رأسا في الورع والإخلاص توفي سنة (٢٢٧ هـ) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٦٩.
(٢) جاء الخبر في العقد الفريد ٤/ ٢٣٣: لو لم يكن من فضل الشكر إلاّ أنك لا تراه إلاّ بين نعمة مقصورة عليك، أو زيادة منتظرة لها [لكفى]. ثم قال لمحمد بن إبراهيم بن زياد: كيف ترى؟ قال: كأنهما قرطان بينهما وجه حسن.
(٣) محمد بن عبد الملك الزيات، ساد بالأدب وفنونه، وبراعة النظم والنثر، وزر للمعتصم وللواثق، كان يقول بخلق القرآن، ويقول: ما رحمت أحدا قطّ؛ الرحمة خور في الطبيعة. سجنه الواثق في تنور من حديد أطرافه مسامير، كان قد أعدّه محمد بن عبد الملك لسجنائه، فكان يصيح: ارحموني، فيقولون: الرحمة خور في الطبيعة. مات بالسجن بعد أربعين يوما سنة (٢٣٣) هـ له ترسل بديع وبلاغة. وفيات الأعيان ٤/ ٩٤، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٢.
(٤) عبد الله بن طاهر: الأمير العادل، حاكم خراسان وماوراء النهر، قلّده المأمون مصر وإفريقية وكان ملكا مطاعا سائسا مهيبا جوادا. مات سنة (٢٣٠) هـ سير أعلام النبلاء ١١/ ٦٨٥.
(٥) كذا في الأصل، والوجه: هاتين.
(٦) الفضل بن سهل الوزير، فوض إليه المأمون أموره كلها، وسماه ذا الرياستين لأنه تقلّد الوزارة والحرب، كان منجما، دسّ له المأمون من قتله في حمّام سرخس سنة (٢٠٢) هـ تاريخ بغداد ١٢/ ٣٤٠، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٩٩.
[ ٤٥ ]
ومن أحبّ السّلامة فليلزم الحذر.
٨٧ - وقال الحسن البصري لفرقد (١): بلغني يا أبا يعقوب أنّك لا تأكل الفالوذج. فقال: يا أبا سعيد، أخاف [أ] لاّ أؤدي شكره. فقال الحسن:
يا لكع، فهل تؤدّي شكر الماء البارد؟!.
٨٨ - وقال يحيى بن أكثم (٢): كنت عند المأمون يوما وقد أتي برجل ترعد فرائصه، فلمّا مثل بين يديه، قال له: كفرت نعمتي، ولم تشكر معروفي.
فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شكري في جنب ما أنعم الله بك (٣) عليّ.
فنظر المأمون، وأنشد متمثّلا ببيتين-تقدّم (٤) ذكرهما-:
فلو كان يستغني عن الشّكر ماجد
وأطلق سبيله.
٨٩ - وقيل: لو لم يعذّب الله على معصية، لكان ينبغي ألاّ يعصى في شكر نعمة.
٩٠ - وكان يقال: احذروا ثلاثا (٥): النّعمة تقول: يا ربّ، كفرت؛
_________________
(١) فرقد بن يعقوب السّبخي العابد، من إرمينيا، سكن البصرة، كان حائكا من عبّاد البصرة وقرّائهم، وكان فيه غفلة ورداءة حفظ مات سنة (١٣١) هـ الأنساب ٧/ ٢٨.
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ١٧٦. وفيات الأعيان ٢/ ٧١ وما بين معقوفين منه.
(٣) يحيى بن أكثم قاضي القضاة، الفقيه العلامة، من أئمة الاجتهاد، صاحب تصانيف عديدة، له دعابات، توفي سنة (٢٤٢) بالربذة منصرفه من الحج. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥.
(٤) في الأصل: لك.
(٥) صفحة (٣٥).
(٦) شعب الإيمان ٤/ ١٣ (٤٥٤٨).
(٧) شعب الإيمان ٤/ ١٠٢ (٤٤٢٢).
(٨) في الأصل: ثلاث.
[ ٤٦ ]
والأمانة تقول: يا ربّ، أكلت، والرّحم تقول: يا ربّ، قطعت.
٩١ - وقال عمر بن عبد العزيز: تذاكر النّعمة شكر.
٩٢ - وقال أبو حازم (١): إذا رأيت ربّك يتابع نعمة عليك، وأنت تعصيه، فاحذره.
٩٣ - وقال الرّبيع بن خثيم (٢): نظرت ما خير لا شرّ فيه فما وجدته إلاّ أن يعافى رجل فيشكر.
٩٤ - وكان يقال: حسب من منعه عدم القدرة عن الجزاء أن يبسط خدّه للشّكر والثّناء.
٩٥ - وقيل لأعرابي: إنّك لجيد الكدنة (٣). قال: ذلك عنوان نعم الله عندي.
٩٦ - وكان يقال: نعمة لا تشكر لسيئة.
٩٧ - وكان يقال: الشّكر ثلاثة منازل منها: ضمير القلب، وثناء اللّسان، والمكافآت بالعقل، والضمير مع خفائه أعظم ذلك وأجدر أن يكمل بنفسه، ولا يكمل غيره إلاّ به، وفي الثّناء وفاء لا يطاق إلاّ باللّسان، والمكافآت غاية الشّكر.
_________________
(١) الحلية ٣/ ٢٤٤، وشعب الإيمان ٤/ ١٢٨ (٤٥٣٨)، وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٠١.
(٢) في الأصل (ابن حازم)، وأبو حازم سلمة بن دينار، الإمام القدوة، شيخ المدينة النبوية الأعرج الأفزر (الأحدب) مات بعد سنة (١٣٣) هـ سير أعلام النبلاء ٦/ ٩٦.
(٣) الإمام القدوة العابد الكوفي، أدرك زمان النبي ﷺ توفي سنة (٦٥) هـ سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٥٨.
(٤) الكدنة: كثرة الشحم واللحم. اللسان (كدن).
[ ٤٧ ]
٩٨ - وكان يقال: من كفر النّعمة استوجب السّلب، ومنع المزيد.
٩٩ - وكتب رجل إلى أخيه: أمّا بعد، فليكن افتخارك بذكر الشّكر إذا ذكرته أعظم من استحيائك لذكره بخمول صاحبه؛ فإن الشّكر يرفعك إن كنت وضيعا، والكفر يضعك إن كنت شريفا.
١٠٠ - وعن أنس بن عياض (١) عن هشام (٢) عن محمد بن كعب القرظي (٣): أن نوحا ﵇ كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله. وإذا لبس قال: الحمد لله، فسمّاه الله: عَبْدًا شَكُورًا (٤).
١٠١ - وكان العتابي (٥) يقول: سبحان الله الذي جعل معرفة العارفين بالتّقصير عن شكره شكرا لهم، كما جعل علم العالمين بأنّهم لا يدركونه إيمانا به.
_________________
(١) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ١١٤ (٤٤٧٣)، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٤.
(٢) أنس بن عياض المدني أبو ضمرة، الإمام المحدث الصدوق توفي سنة (٢٠٠) وقد عمّر دهرا وتفرّد في زمانه. سير أعلام النبلاء ٩/ ٨٦.
(٣) هشام بن سعد المدني، صدوق له أوهام مات سنة ١٦٠ هـ، تقريب التهذيب (٥٧٢).
(٤) محمد بن كعب القرظي، أبو حمزة، متعبد زاهد، تابعي، كان من أئمة التفسير، سقط عليه سقف المسجد في المدينة، فمات هو وجماعة بعد سنة (١٠٨) سير أعلام النبلاء ٥/ ٦٥.
(٥) قال الله تعالى: إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا الإسراء:٣.
(٦) كلثوم بن عمرو العتابي من أهل قنسرين قرب حلب، من شعراء الدولة العباسية، كان يتجنب غشيان السلطان قناعة وتنزها، وصيانة وتعززا، كان يلبس الصوف، ويظهر الزهد، وصله المأمون بصلات جمّة. الأنساب ١٠/ ٢٤٢.
[ ٤٨ ]
١٠٢ - وقيل: للطّاعم الشّاكر أجر الصّائم القائم.
١٠٣ - وكان يقال: من بذل بعض عنايته لك فابذل له جميع شكرك.
١٠٤ - وكان الحسن (١) يقول: معرفة النّعمة [شكر (٢)] والحمد زيادة.
١٠٥ - وقال عمر بن الخطاب ﵁: أهل الشّكر في مزيد من الله تعالى.
****
_________________
(١) تقدمت ترجمته صفحة (٣٢).
(٢) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها النص.
[ ٤٩ ]