معظم بائتلاف المعنيين له من عفو مقتدر أو عز منتقم
هذا النوع أيضًا قسم من المناسبة المعنوية وهو قسمان: أحدهما - أن يشتمل الكلام على معنى يصح معه معنيان أحدهما ملائم له بحسب نظر دقيق، والآخر ليس كذلك، فيقرن بالملائم.
كقول أبي الطيب:
فالعرب منه مع الكدري طائرة والروم طائرة منه مع الحجل
فان الكدري وهو ضرب من القطا من طير السهل؛ والعرب بلادها المفاوز؛ فقارن بينهما لمكان هذه الملائمة الدقيقة؛ والحجل من طير الجبل والروم بلادها الجبال، فقارن بينهما لهذا التناسب الدقيق. والمعنى: أن العرب تفر منه مع القطا في السهل، والروم تفر منه مع الحجل في الجبال. قال الطيبي: وعليه قول تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم) . ناسبت هذه التوبة لفظة الباري دون غيره من الأسماء، لأن الباري هو الذي خلقهم بريئا من التفاوت، وهي نعمة جسيمة، وكان من حق الشكر أن يخصوه بالعبادة، فلما عكسوا وقابلوها بالكفران حيث عبدوا مالا تميز له أصلًا استردت منهم تلك النعمة بالقتل والانفكاك عن الحياة.
وثانيهما - أن يشتمل الكلام على معنى له ملائمان، يصح أن يقرن كل منهما به، لكن يختار الأحسن منهما، وما لاقترانه به مزية على الآخر فيقرن بذلك المعنى.
كقول أبي الطيب أيضًا:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك ضحاك وثغرك باسم
[ ١ / ٣٠٧ ]
فإن عجز كل من البيتين يلائم كلا من الصدرين، ولكنه أختار ذلك الترتيب لأمرين، أحدهما أن قوله (كأنك في جفن الردى وهو نائم) مسوق لتمثيل السلامة في مقام العطب، فجعله مقررا للوقوف والبقاء في موضع يقطع على صاحبه بالهلاك، أنسب من جعله مقررا لثباته في حال مرور الأبطال به مهزومة. وثانيهما أن في تأخير قوله (ووجهك وضاح وثغرك باسم) تتميما للوصف، وتفريعًا على الأصل، اللذين يفوتان بالتقديم. فالوصف هو ثباته في الحرب، والتتميم هو أن ثباته في الحرب لاحتقاره كل خطب عظيم كما يفيده وضاحة الوجه، وتبسم الثغر في ذلك الموقف، لا لضرورة فقدان المهرب. والتفريع على الأصل هو أن وضاحة وجهه وابتسام ثغره عند مرور الأبطال مكلومين مهزومين فرع ثباته في الحرب، حين لاشك لواقف في الموت، والردى محيط به من جميع الجوانب ثم أنه يسلم منه.
ونظيره في الكتاب العزيز قوله تعالى (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فإن لم يراع فيه مناسبة الري للشبع، والاستظلال للبس، بل روعيت المناسبة بين اللبس والشبع في عدم الاستغناء عنهما وأنهما من أصول النعمة، وبين الاستظلال والري في كونهما تابعين لهما، ومكحلين لمنافعهما، وهذا أدخل في الامتنان، لما في تقديم أصول النعم وارداف التوابع من الاستيعاب.
حكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: استنشد سيف الدولة أبا الطيب المتنبي يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وكان معجبًا بها، كثير الاستعادة لها، فاندفع أبو الطيب ينشدها، فلما بلغ قوله فيها (وقفت وما في الموت شك لواقف) - البيتين - قال له سيف الدولة: لقد انتقدنا عليك هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه وهما:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين. كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الرزق الروي للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولك أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيد الله مولانا، إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان أعلم بالشعر منه، فقد أخطأ امرئ القيس، وأخطأت أنا. ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز معرفة الحائك، لأن البزاز يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شرب الخمر للاتصاف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المهزوم لا يخلو من أن يكون عبوسا، وعينه من أن تكون باكية قلت (ووجهك وضاح وثغرك باسم) لأجمع بين الأضداد في المعنى وأن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله، وأجازه بخمسين دينارا من دنانير الصلات وفيها خمسمائة دينا. انتهى بنصه.
قال أبو الفتح عثمان بن جني بعد حكاية انتقاد سيف الدولة بيتي أبي الطيب بما ذكرنا: ليس الملك والشجاعة في شيء من صناعة الشعر، ولا يمكن أن يكون في ملائمة بين الصدر والعجز أحسن من بيتي المتنبي، لأن قوله (كأنك جفن الردى وهو نائم) هو في معنى قوله (وقفت وما في الموت شك لواقف) فلا معدل لهذا العجز عن هذا الصدر، لأن النائم إذا أطبق جفنه أحاط بما تحته، فكأن الموت قد أظله من كل مكان كما يحدق بالجفن بما يتضمنه من جميع الجهات، وجعله نائما لسلامته من الهلاك، لأنه لم يبصره وغفل عنه بالنوم فسلم ولم يهلك.
وقوله:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
هو النهاية في البشاشة. يقول: المكان الذي تكلم فيه الأبطال فتكلح وتعبس ثم وجهك وضاح لاحتقارك الأمر العظيم، ومعرفتك به، ألا تراه يقول بعده:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى إلى قول قوم أنت بالغيب عالم
[ ١ / ٣٠٨ ]
انتهى. قال العلامة الطيبي في التبيان: ومما يواخي هذه القصة (يعني قصة المتنبي مع سيف الدولة) انتقاد الإمام فخر الدين الرازي على أبي العلاء المعري قوله:
أعن وخد القلاص كشفت حالا ومن عند الظلام طلبت مالا
قال: كان المناسب أن يضم الكشف مع الظلام، والطلب مع الوخد، فيقال غرضه الإنكار على نفسه بإدمان السفر، وآداب السير، والتأكيد فيه، ولأن قوله:
ودرا خلت أنجمه عليه فهلا خلتهن به ذبالا
لا يلتئم إلا على التأليف المذكور تنبيه - الحق بهذا النوع ما أن يشتمل الكلام على لفظ يمكن حمله على معنيين كل منهما صحيح فيختار الأولى منهما كقول بعضهم:
لما اعتنقنا للوداع وأعربت عبراتنا عنا بدمع ناطق
فرقن بين معاجر ومحاجر وجمعن بين بنفسج وشقائق
يحتمل أن المراد بالبنفسج والشقائق عارض الرجل وخد المرأة الملتقيان عند التعانق للوداع، ويحتمل أنه أراد أنها حين قامت للوداع مزقت خمارها، ولطمت وجهها حتى اخضرت من اللطم، أي جمعت بين أثر اللطم وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد وهو شبيه بالشقائق، لكن الثاني وهو حمل البنفسج على أثر اللطم أولى، لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند طريان الخضرة، وليس في الشعر ما يدل على شباب المودع. قيل: وللكلام في ترجيح الأول مجال.
وقد نص علماء البلاغة أن كلام البليغ إذا احتمل معنيين متفاوتين في البلاغة والعذوبة تعين أن يحمل على الأبلغ الأعذب، ليطابق المعنى كلام المهذب والله وأعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
من مفرد بغرار السيف منتثر ومزوج بسنان الرمح منتظم
تحامل ابن حجة على جاري عادته على الشيخ صفي الدين في هذا البيت فقال: أنه غير صالح للتجريد، وعدم صلاحيته للتجريد هو الذي عقده وحجب إيضاح معناه عن مواقع الذوق فأعلم. انتهى.
وأنا أقول: إن أراد بمواقع الذوق ذوقه فنعم، وإلا فلا يخفى على من له أدنى ذوق مناسبة المفرد للمنتثر، والموج للمنتظم، وجعل الأول بغرار السيف، لأن الغالب أن السيف لا يضرب به إلا واحدا عند المبارزة، وجعل الثاني بسنان الرمح، لأن البطل كثيرا ما ينظم برمحه فارسين في طعنة واحدة، كما يحكى أن أبا دلف لحق قوما من الأكراد قطعوا الطريق، فطعن فارسا نفذت الطعنة إلى فارس آخر أمامه فقتلهما.
فقال بكر بن النطاح:
قالوا وينظم فارسين بطعنة يوم الهياج ولا تراه كليلا
لا تعجبوا فلو أن طول قناته ميل إذا نظم الفوارس ميلا
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
ذو معنيين بصحب والعدى ائتلفا للخلف ما أشهب البازي كالرخم
قال ابن حجة: إن هذين المعنيين لشدة العقادة أتعبت الفكر على أن يتضح لي منهما معنى فعجزت عن ذلك. وهو في محله.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
سهل شديد له بالمعنيين بدا تألف في العطا والدين للعظم
قال في شرحه: سهولة النبي ﵌ قرنتها بالعطاء وشدته قرنتها بالدين لعظمته. انتهى.
ولا يخفي عدم انسجام هذا البيت.
والشيخ عبد القادر الطبري مسخ بيت أبي حجة فقال:
بر رؤوف غدا بالمعنيين له تألف بالعطا والحلم ذو نعم
وبيت بديعيتي هو قولي:
معظم بائتلاف المعنيين له من عفو مقتدر أو عز منتقم
فقرنت العفو بالقدرة، مع إمكان مقارنته بالانتقام، كأن يقال (من عز مقتدر أو عفو منتقم) لما بين العفو والقدرة من المناسبة والملائمة، فإن العفو إنما يكون مع القدرة، ولذلك قيل: إن أحسن ما قيل في حده ما قاله بعض العلماء وقد سئل ما العفو؟ فقال: هو ترك المكافأة عند المقدرة قولا وفعلا. وكان كسرى يقول: عفوي عمن أساء إلي بعد قدرتي عليه أسر لي مما ملكت.
وقال الشاعر:
فدهره يفصح عن قدرة ويغفر الذنب على علمه
كأنه يأنف من أن يرى ذنب امرئ أعظم من حلمه
[ ١ / ٣٠٩ ]
وأعظم من عفا عن قدرة، رسول الله ﵌، فإن أهل مكة كانوا يؤذونه في نفسه، ويقصدون نكايته في أهله، قتلوا أعمامه، وعذبوا أصحابه، وألبوا عليه، وأخرجوه من أحب البقاع إليه، حتى إذا فتحها الله عليه، ودخلها بغير حمدهم، وظهرت بها كلمته على رغمهم، قام فيهم خطيبا، فحمد الله وشكره على ما منحه من الظفر، ثم قال: أقول لكم كما قال أخي يوسف (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) .
وقرنت بين العز والانتقام مع صحة مقارنته بالاقتدار كما مر، لما بين العز والانتقام من الملائمة عند أهله، كما قال أبو الطيب المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
ولك أن تجعل المقارنة الأولى من النوع الثاني، والثانية من النوع الأول، لأن في الملائمة بين العز والانتقام نوع دقة، والله أعلم.
وبيت بديعة المقري قوله:
فرد المطالب لاثان لعزمته شفع الرغائب دون الوتر لم ينم
قال في شرحه يمكن أن يقال في هذا البيت:
شفع الرغائب لا ثان لعزمته فرد المطالب دون الوتر لم ينم
ولكن اخترنا الترتيب الأول لما فيه من التورية والترشيح، ومقابلة الشفع بالوتر. أما التورية فهي في قوله (لاثان لعزمته) أي لا شيء يرد عزمته، وقوله (فرد المطالب) رشحت (لاثان) للتورية، وصلحت لها. فيقول: لاثان لعزمته بل هي وحيدة. وقوله (شفع الرغائب) فيه تورية أيضًا، فإن الرغائب نوع من الصلاة معروف يسمى شفعا، والمراد بالرغائب العطايا، وإنها ليست ترد أفرادا بل أشفاعًا. وفي قوله (دون الوتر لم ينم) المراد به الذحل، ولكن ذكر الشفع قبله رشحه لصلاة الوتر، ولذلك ذكر النوم بعده وصلح له أيضًا، فأفهم ذلك. انتهى بنصه.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فرد النظير فمن والاه في نعم زوج المعالي فمن عاداه في نقم
قال في شرحه: كان يصح أن يقول:
فرد النظير فمن عاداه في نقم زوج المعالي فمن والاه في نعم
فلا يختل معناه، إلا أن تقديم الموالاة والنعم أولى من تقديم المعاداة والنقم.