سلوت من بعدهم هيف القدود فلم استثن إلا غصونا شبهت بهم
الاستثناء هو المذكور في كتب النحو، وحده إخراج (بألا) أو إحدى أخواتها تحقيقا أو تقديرا من مذكور أو متروك، والمراد بالمخرج تحقيقا: المتصل، كقام القوم إلا زيدا، فزيد مخرج تحقيقا من القوم، لأنه داخل فيهم تحقيقا، وبالمخرج تقديرا: المنقطع، نحو (ما لهم به من علم إلا إتباع الظن)، فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، فهو مخرج منه تقديرا، وبالمذكور التام كهذين المثالين، وبالمتروك المفرغ نحو: ما ضربت إلا زيدا.
إذا علمت ذلك فليس كل استثناء يعد من المحسنات البديعية، بل يشترط فيه اشتماله على معنى يزيد على معنى الاستثناء اللغوي، حتى يستحق به نظمه في سلك أنواع البديع كما قلناه في الاستدراك، وإلا لم يكن منه.
[ ١ / ١٩١ ]
ومن أعظم شواهده قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) فإن في هذا الكلام معنى زائدا على معنى الاستثناء اللغوي، وهو تعظيم أمر الكبيرة التي ارتكبها إبليس عليه لعنة الله، مع كونه خرق إجماع الملائكة المؤكدين (بكل) و(أجمع) مع أنهم الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم ﵇، وذلك مثل قولك - ولله المثل الأعلى -: أمر أمير المؤمنين بالمثول بين يديه، فامتثل أمره الناس جميعا، من وزير، وأمير، وصغير، وكبير؛ إلا فلانا. فأنت ترى ما في التعبير عن الأخبار بمعصية هذا العاصي من التعظيم والتهويل اللذين يستحق بهما الذم وزيادة التوبيخ، ولا كذلك قولك، أمر أمير المؤمنين بكذا فعصى فلان.
ومثل ذلك قوله تعالى إخبارا عن نوح ﵇: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) . فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة من التهويل ما يمهد عذر نوح ﵇ في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم، إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لم يكن فيه من التهويل ما في الأول، لأن لفظ الألف في الأول، أول ما يطرق السمع، ويشتغل به عن سماع بقية الكلام. وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف، مع ما في هذا التعبير من الاختصار والإيجاز.
ومثاله من الشعر قول النميري:
فلو كنت كالعنقاء أو في أطومها لخلتك
إلا أن تصد تراني
فإن في قوله (إلا أن تصد) وتأخير مفعول خلتك عن حرف الاستثناء زيادة حلاوة، مع تضمنه المبالغة في زيادة المدح، إذ معناه: لو كنت في حال العدم (لأن العنقاء عند العرب اسم لا حقيقة لمسماه، ولهذا يضربون المثل بها لكل شيء متعذر الوجود) لخلتك متمكنا من رؤيتي، ليس لك مانع منها، إلا أن تكون أنت الممتنع، فأنت في القدرة علي غير ممنوع.
وهذا غاية المبالغة في المدح. واعتراض بعضهم: أن هذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم ليس بشيء.
ومنه قول الآخر:
تبت يد سألت سواك وأجدبت أرض بغير بحار جودك توسم
فالعز إلا في حياتك ذلة والمال إلا من يديك محرم
وقال أبو بكر بن حجاج:
يقولون إن السحر في أرض بابل وما السحر إلا ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده وما الدعص إلا ما طوته مآزره
وما الدر إلا ثغره وكلامه وما الليل إلا صدغه وغدائره
ومن الاستثناء الذي ما خرق حجاب السمع ألطف منه قول الصالح طلائع بن رزيك، وقد ألزم الأمير ابن سنان بمال رفع عليه، لكونه كان يتولى أموالا له، واعتقله، فأرسل إليه يمت بقديم الخدمة والتشيع الموافق لمذهبه فقال الصالح:
أتى ابن سنان ببهتانه يحصن بالدين ما في يديه
برئت من الرفض إلا له وتبت من النصب إلا عليه
وكان قدر المال ستين ألف دينار، فأخذ منه اثني عشر ألف وترك له الباقي.
وكان الملك الصالح هذا متشيعا وكان شاعرا مجيدا، وله ديوان مشهور ذكر منه ابن خلكان في تاريخه جملة جيدة.
ومن شعره قصيدته التي وازن بها قصيدة دعبل الخزاعي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
وأول قصيدة الملك المذكور قوله:
ألائم دع لومي على صبواتي فما فات يمحوه الذي هو آت
وما جزعي من سيئات تقدمت ذهابا إذا اتبعتها حسنات
إلا أنني أقلعت عن كل شبهة وجانبت غرقى أبحر الشبهات
شغلت عن الدنيا بحبي معشرا بهم يصفح الرحمن عن هفواتي
وقال في آخرها:
أعارض من قول الخزاعي دعبلا وإن كنت قد أقللت من مدحاتي
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
قال ابن حجة: ومن الاستثناء نوع سماه ابن أبي الإصبع، استثناء الحصر، وهو غير الاستثناء بإخراج القليل من الكثير، ونظم فيه قوله:
إليك وإلا لا تحث الركائب وعنك وإلا فالمحدث كاذب
فإن خلاصة هذا البيت: لا تحث الركائب إلا إليك، ولا يصدق المحدث إلا عنك. انتهى.
[ ١ / ١٩٢ ]
وأنا أقول: أما لفظ البيت فليس فيه استثناء و(إلا) المذكورة في صدره وعجزه ليست هي الاستثنائية، وإنما هي بمعنى (إن لم) فهي كلمتان (إن) الشرطية و(لا) النافية. مثلها في قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) . لأن تقدير البيت هكذا: إليك تحث الركائب وإلا، أي وإن لم يحدث عنك فالمحدث كاذب. وأما معناه الذي ذكره، فالاستثناء فيه ظاهر، فعلى هذا فالأليق أن يسمى هذا استثناء معنويا لئلا يتوهم من لا له دربة في العربية، أن (إلا) فيه هي الاستثنائية فيخبط خبط عشواء.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي بناه على أسلوب بيت النميري المقدم ذكره فقال:
فكلما سر قلبي واستراح به إلا الدموع عصاني بعد بعدهم
فأخر خبر (كلما) وهو (عصاني) عن الاستثناء، كما أخر النميري مفعول (خلتك) عنه. وقد قال هو في شرح بديعيته: أن في تلك زيادة حلاوة.
وجعل ابن حجة ذلك من العقادة. فما أحقه أن ينشد:
إذا محاسني اللائي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف اعتذر
ومعنى البيت أن كل شيء كان يسره ويستريح به ويطيعه قبل الفراق عصاه بعده إلا الدموع فإنها أطاعته. وفي هذا المعنى من الرقة الزائدة على معنى الاستثناء ما لا يخفى على أهل الذوق.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
الناس كل ولا استثناء لي عذروا إلا العذول عصاني في ولائهم
مراده في زيادة معناه على الاستثناء: أن عذوله خرق الإجماع بمعصيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
عفت القدود ولم أستثن بعدهم إلا معاطف أغصان بذي سلم
ابن حجة تبجح بهذا البيت، وحق له ذلك، فإنه أجاد فيه ما شاء، فإن زيادة معناه على الاستثناء، وحسن انسجامه، وسهولة ألفاظه، ومراعاة نظيره، لا ينكرها إلا متعنت خارج عن أوصاف الإنصاف. وما أحسن ترشيحه تورية الاستثناء بذكر القد=ود والمعاطف والتكميل بذي سلم لكون القصيدة نبوية، في غاية الكمال.
غير أن لقائل أن يقول: أن مهيار الديلمي كان أغزل منه حيث يقول من قصيدة فريدة:
بانت وبقتني وليس خلفا على ظباء رامة وبانها
فما خدعت عن لحاظ عينها بما رنا إلي من غزلانها
ولا عتبت عن تثني قدها بأن أحالتني على أغصانها
فابن حجة صبا إلى معاطف الأغصان بعد معاطف أحبابه، ومهيار لم يرض بلحاظ الغزلان، وتثني أغصان البان خلفا عن لحظ حبيبته، وتثني قدها، فبين صبابتي الرجلين بعد المشرقين.
وبيت بديعية الطبري قوله:
رفضت جانبهم مما جنوه فلم استثن إلا ذوي لطف بصبهم
أنى الوادي فطم على القري. ولله ابن النبيه حيث يقول:
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه حلوا فقد جهل المحبة وادعى
وانظر المعنى الزائد على معنى الاستثناء في هذا البيت ما هو؟ فإن ركة لفظه ومعناه لم تبق للسامع جلدا يتأمل به ذلك.
وبيت بديعيتي هو قولي:
سلوت من بعدهم هيف القدود فلم استثن إلا غصونا شبهت بهم
زيادة معنى هذا البيت على معنى الاستثناء، ومراعاة نظيره، وترشيح تورية الاستثناء فيه بذكر الهيف، هيف القدود والغصون، مثلها في بيت ابن حجة على حد سواء، غير أن في التكميل بقولي: شبهت بهم، أمرين: أحدهما - التقصي عن الانتقاد الذي أوردناه عليه من أبيات مهيار الديلمي، فإن الاستثناء إنما وقع للغصون التي شبهت بهم، فالاستثناء لها إنما هو من هذه الحيثية لا لمعاطفها وتثنيها، فلولا تشبيهها بهم لم يستثنها ولا أعارها طرفه.
وعلى ذلك فما أرق قول مهيار الديلمي أيضًا:
أراك بوجه الشمس والبعد بيننا فاقنع تشبيها بها وتمثلا
واذكر عذبا من رضا بك مسكرا فما أشرب الصهباء إلا تعللا
وقوله أيضًا:
إذا استوحشت عيني أنست بأن أرى نظائر تصبيني إليها وأشباها
فاعتنق الغصن القويم لقدها وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها
والأمر الثاني - إن فيه من المبالغة ما جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا. وهذا فصل من فصول العربية طريف، عقد له ابن جني في كتاب الخصائص بابا وسماه: غلبة الفروع على الأصول، قال: والغرض فيه المبالغة.
فمما جاء في ذلك للعرب قول ذي الرمة:
[ ١ / ١٩٣ ]
ورمل كأوراك العذارى قطعته إذا لبسته المظلمات الحنادس
أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا؟ وذاك أن العادة والعرف في نحو هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الانقاء، ألا ترى إلى قوله:
ليلى قضيب تحته كثيب وفي القلاد رشأ ربيب
فقلب ذو الرمة العرف والعادة في هذا، فشبه كثبات الانقاء بإعجاز النساء، وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع، وهذا المعنى لإعجاز النساء، وصار كأنه الأصل، فشبه به كثبان الانقاء.
مثله للطائي الصغير - يعين أبا عبادة البحتري -:
في طلعة البدر شيء من ملاحتها وللقضيب نصيب من تثنيها
وآخر من جاء به شاعرنا - يعني أبا الطيب المتنبي - فقال:
نحن ركب ملجن في زي ناس فوق طير لها شخوص الجمال
فجعل كونهم جنا أصلا، وكونهم ناسا فرعا، وجعل كون مطاياهم طيرا أصلا، وكونها جمالا فرعا. انتهى ملخصا.
فقولي (إلا غصونا شبهت بهم) من هذا الباب، لأن العرف والعادة تشبيه القدود بالغصون فقلبت ذلك، وجعلت الغصون مشبهة بقدودهم مبالغة.
ومنه أيضًا قولي من قطعة تقدم إنشادها في نوع الافتنان وهو:
في ليلة مدت غياهبها من فرعها كالفاحم الجعد
فإن العرف تشبيه الشعر الفاحم بالظلمة، فقلبت ذلك وشبهت الظلمة به.
إذا عرفت ذلك، فالتكميل في بيت بديعيتي باشتماله على هذين المعنيين أكمل منه في بيت ابن حجة والله أعلم.
وبيت بديعية الشرف المقري قوله:
أهوى حياتي إلا حيث لم أرهم وأكره الموت إلا في جوارهم
فالمعنى الزائد على معنى الاستثناء في هذا البيت أظهر من أن ينبه عليه.