وما عليه اعتراض في نبوته وهو الصدق فثق بالحق والتزم
الاعتراض، هو أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى، بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب -لنكتة- سوى دفع الإبهام، فخرج الاحتراس. وسماه قدامة -لالتفات الصاحب بن عباد - حشو اللوزينج. ومتى خلا عن نكتة سمي حشوا، فلا يعد حينئذ من البديع، بل هو من المستهجن. والنكتة في الاعتراض كثيرة: - منها التنزيه.
كما في قوله تعالى "ويجعلون لله البنات -سبحانه- ولهم ما يشتهون" فإن قوله (سبحانه) جملة لكونه بتقدير الفعل وقعت في أثناء الكلام، لأن قوله (ولهم ما يشتهون) عطف على قوله (لله البنات)، والنكتة فيه تنزيه الله وتقديسه عما ينسبون إليه.
ومنها الدعاء كما في قول الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها وقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقوله (وبلغتها) يفيد الدعاء، وهو جملة معترضة بين اسم إن وخبرها، والواو فيه اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية.
ومثله قول عبد الرحيم بن عبد المالك يخاطب أخاه وهو في حبس الرشيد:
فلو بك ما بي لا يكن بك لا أغتدي إليك وراح البر بي والتقرب
ومنها التنبيه كما في قوله:
وأعلم فعل المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
وقول الشاعر:
لو أن الباخلين وأنت فيهم رأوك تعلموا منك المطالا
و(منها) تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر علق بهما: كقوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك" فقوله (أن أشكر لي ولوالديك) وقوله (حملته) إلى آخره، اعتراض بينهما، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا، وتذكيرا لحقها العظيم مفردا. ولذلك قيل: حق الوالد أعظم وحق الوالدة ألزم.
ومنها المطابقة والاستعطاف كما في قول أبي الطيب:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه يا جنتي لرأيت فيه جهنما
فقوله (يا جنتي) اعتراض للمطابقة مع جهنم وللاستعطاف.
ومنها بيان السبب لأمر فيه غرابة كما في قول الشاعر:
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ولا وصلة يصفو لنا فنكارمه
[ ١ / ٣٨٥ ]
فإن كون هجر الحبيب مطلوبا للمحب أمر غريب، فبين سببه: بأن في اليأس راحة.
ومنها المدح كما في قول أبي محمد الخازن:
فأية طربة للعفو أن ال كريم وأنت معناه طروب
ومما جاء بين كلامين متصلين معنى وهو أكثر من جملة أيضًا، قوله تعالى "قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم" فإن قوله تعالى (والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) ليس من قول (أم) مريم وإنما هو اعتراض من كلام الله سبحانه، والنكتة فيه تعظيم الموضوع وتجهيلها بقدر ما وهب لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وجعلها وولدها آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا علم لها به، ولذلك تحيرت وتحزنت. ثم زاده بيانا وإيضاحا بالجملة الثانية من الاعتراض فقال: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها.
قال السعد التفتازاني: ومثل هذا الاعتراض كثيرا يلتبس بالحال، والفرق دقيق أشار إليه صاحب الكشاف، حيث ذكر في قوله تعالى "ثم اتخذ تم العجل من بعده وأنتم ظالمون". إن قوله (وأنتم ظالمون) حال، أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، واعتراض، أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. انتهى.
وحاصله أن الحال مقيد، فيراد بالظلم اتخاذ العجل، وعلى تقدير الاعتراض، لا يختص الظلم به بل يراد المطلق، وأيضا يراد الدوام على تقدير الاعتراض دون الحال، وبينهما فروق أخر تطلب من مظانها.
ولنذكر جملة من محاسن أمثلة هذا النوع على جاري عادتنا في هذا الكتاب، من غير تنبيه على النكت، اعتمادا على فهم الناظر.
فمن المستحسن منها قول العباس بن الأحنف:
قد كنت أبكي وكنت راضية حذار هذا الصدود والغضب
إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ثم فمالي في العيش من أرب
وقول أبي الفتح البستي:
أراح الله قلبي من زمان محت يده سروري بالإساءة
فإن حمد الكريم صباح يوم وأنى ذاك لم يحمد مساءه
وقول الفقيه عمارة اليمني:
له راحة ينهل جود بنانها ووجه إذا قابلته يتهلل
ترى الحق للزوار حتى كأنه عليهم وحاشا قدره يتطفل
على أنه أخذه من قول أبي الطيب:
وتحتقر الدنيا احتقار مجرب يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
وأخذه أبو الحسين الجزار أيضًا فقال:
ويهتز للجدوى إذا ما مدحته كما اهتز حاشا وصفه شارب الخمر
وأخذه ابن الساعاتي أيضًا فقال:
يهزه المدح هز الجود سائله أولا وحاشاه هز الشارب الثمل
وقول ابن اللبانة في ناصر الدولة صاحب ميورقة:
وغمرت بالإحسان أفق ميورقة وبنيت فيها ما بنى الإسكندر
فكأنها بغداد أنت رشيدها ووزيرها وله السلامة جعفر
فقوله (وله السلامة) من مليح الاعتراض، مع ما فيه من التلميح إلى قصة جعفر البرمكي.
وقول أبي الوليد محمد بن يحيى بن حزم:
أتجزع من دمعي وأنت أسلته ومن نار أحشائي ومنك لهيبها
وتزعم أن النفس غيرك علقت وأنت ولا من عليك حبيبها
وقول القاسم صاحب أذربيجان:
سعاد تسبني ذكرت بخير وتزعم أنني ملق خبيث
وإن مودتي كرب ومين واني بالذي أهوى بثوت
وليس كذا ولا رد عليها ولكن الملول هو النكوث
رأت شغفي بها ونحول جسمي فصدت هكذا كان الحديث
وقول السراج الوراق:
إن عيني وهو عضو دنف ما على ما كابدته جلد
ما كفاها بعدها منك إلى أن دهاها وكفيت الرمد
ومثله قوله:
وما بي إلى ماء النيل حاجة ولو أنه أستغفر الله زمزم
وقول ابن النبيه:
سقيا لأيامنا التي سلفت كانت بطيب الحياة مقترنة
لو بيع يوم منها وكيف به كنت بعمري مسترخصا ثمنه
وقول الشريف الرضي ﵁:
لا تحسبيه وإن أسأت به يرضى الوشاة ويقبل العذلا
لو كنت أنت وأنت مهجته واشي هواك إليه ما قبلا
ويعجبني قول السيد عز الدين المرتضى:
أفي الحق أن يمضي ثلاث وأربع وخمس وسبع بعدهن ثماني
وما أن أرى شمس الضحى قمر الدجى ولا هو حاشاه الخسوف يراني
[ ١ / ٣٨٦ ]
نأى لا نأى لما دنا الهجر لا دنا فيا ليت ذا ناء وذلك داني
ومنه قولي:
لاموا على كثر البكا ناظري ولم يروا منظره الناضرا
ولو رأى العاذل لي لا أرى أصبح لا أصبح لي عاذرا
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
فإن من أنفذ الرحمن دعوته وأنت ذاك لديه الجار لم يضم
وابن جابر لم ينظم ذلك النوع.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فلا اعتراض علينا في السؤال به أعني الرسول لكي أنجو من الضرم
وبيت ابن حجة قوله:
فلا اعتراض علينا في محبته وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم
وبيت بديعية الطبري قوله:
لي منك عهد عسى أني أكون به أرعى بدون اعتراض من ذوي الخدم
وبيت بديعيتي هو:
وما عليه اعتراض في نبوته وهو الصدوق فثق بالحق والتزم
وبيت المقري قوله:
صلى الإله ووالاها عليك كما صلت ظباك على القتلى ولم تضم