تخيير قلبي أضناني بهم ومحا مني الوجود والجاني إلى الندم.
التخيير هو أن يأت الشاعر ببيت يسوغ أن يقفى بقواف متعددة، فيختار منه قافية مرجحة على سائرها، تدل على حسن اختياره، لكونها أنسب وأمكن من غيرها.
كقول الحريري:
[ ١ / ١١٢ ]
إن الغريب طويل الذيل ممتهن فكيف حال غريب ماله قوت.
فأنه يسوغ أن يقال في قافيته: ماله مال، ماله نسب، ماله صفد، ماله أحد؛ ماله قوت. فإذا نظرت إلى هذه القوافي، وجدت قوله: ماله قوت؛ أبلغ من الجميع؛ لكونها أدل على الفاقة؛ وأظهر في شكوى الحال من غيرها.
وذكر ابن حجة في هذا النوع آية من كتاب الله تعالى؛ وعدها منه وهو غير صواب؛ بل هي من نوع التمكين قطعا؛ إذ مفهوم التغيير أنه يسوغ أن يؤتى في مكان الفاصلة بفاصلة أخرى؛ لولا ما حظر الشرع من ذلك؛ وليس كذلك؛ فإن القرآن العظيم نزل على أكمل الوجوه لفظا ومعنى، بحيث لا يمكن لأحد أن يغير فيه حرفا واحدا، وإن خفي على بعض الحكماء وجه الحكمة في بعض الألفاظ والفواصل، وتوهم انه يمكن تغييرها، فهو من غباوته وجهله بمواقع الألفاظ. والآية التي أعدها ابن حجة من هذا النوع عدها غيره من التمكين، وسنذكر شيئا من ذلك في نوع من التمكين، عند إفضاء النوبة إليه مع مشيئة الله تعالى.
ولم يسمع في هذا النوع الطف من أبيات ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في عظامي في فؤادي في ضلوعي في كبودي في البدن.
جسد تقلبه الأكف على الفراش من السقام من القتاد من الدموع من الوقود من الحزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك دوام من معاد من رجوع من وجود من ثمن.
فهذه القوافي المثبتة حيال كل بيت، يناسب كل منه المعنى، لكن الأولى أولى.
وذكر الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح اللامية أن ابن الذروي نظم قصيدة مطلعها:
نوى اطلعت منه القفار البسابس نخيل مطي طلعهن أوانس.
وهي تزيد على العشرين بيتا، جعل لكل بيت أربعا وعشرين قافية وهذه القصيدة تنشد أربعا وعشرين قصيدة، وهذا غاية في القدرة.
وصنع أبو القاسم علي بن منجب المعروف بابن الصيرفي بيتين وهما:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من جلت مفاخره عن كل إطراء.
تناثرت أدوات النطق فيك على ما يصنع الناس من نظم وإنشاء.
ثم أنه روى البيتين على جميع حروف المعجم.
وأما الشعر الذي على قافيتين فكثير جدا من ذلك قول ابن الرومي:
لم تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد يوضع.
وإلا فما يبكيه منها وإنها لا فسح مما كان فيه وأرغد وأوسع.
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه بما سوف يلقى من أذاها يهدد يفزع.
ولسيف الدين قصيدة على هذا النط أولها:
أسقني الراح قد تجلى النهار (الظلام) وتغنى على الأراك الهزاز الحمام.
وبدا الروض في ثياب من الزهر شذاها بنفسج وعرار وثمام.
فاسقنيها مثل الورود احمرارا وكثغر الحبيب فيه افترار ابتسام.
قهوة لزة رحيق شول قرقف لذة سلاف عقار مدام.
من يدي أوطف الجفون غرير زانه الخصر واللمى والعذار والقوام.
بدر تم يلوح في زي ظبي قصرت عن صفاته الأفكار الإفهام.
ثم أنه سار على هذا النموذج غلى تمام احد وعشرين بيتا.
ولأبي قاسم محمد بن جزى المغربي:
أيا من كففت النفس عنه تعففا وفي النفس من شوقي إليه غرام لهيب.
إلا إنما صبري كصبر وإنما على النفس من تقوى الإله لجام رقيب.
ومما يناسب ذكره هنا، ما روى أصحاب الحديث من حيث محمد بن كعب القوظي، قال: بينما عمر بن الخطاب جالسا إذ مر به رجل، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذا سواد بن قارب الذي أتاه رأيه بظهور النبي ﷺ، فقال له عمر: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت على ما أنت من الكهانة؟ فغضب، فقال عمر: سبحان الله، ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه، فاخبرني بإتيانك رأيك بظهور النبي ﵌، فقال: بينما أنا ذات ليلة نائم، إذ أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد القارب. فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، أنه قد بعث رسول من لوي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته.
ثم انشأ يقولك
عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس باقتابه.
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما صادق الجن ككذابها.
[ ١ / ١١٣ ]
فارحل إلى الصفوة من هاشم ليس قدامها كأكذابها.
قلت: دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. ولما كانت الليلة الثانية، أتاني فضربه برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، أنه قد بعث رسول من لوي غالب يدعو إلى الله وعبادته.
ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارها.
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمن الجن ككفارها.
فارحل إلى الصفوة من هاشم ليسد قدامها كأدبارها.
قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. فلما كانت الليلة الثالثة، أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، انه قد بعث رسول من لوي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته.
ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتحساسه وشدها العيس بأحلاسها.
تهوي غلى مكة تبغي الهدى ما طاهر الجن كأنجاسها.
فارحل إلى الصفوة من بني هاشم وارم بعينيك إلى رأسها.
قال: فرحلت ناقتي وأتيت المدينة، فإذا رسول الله ﵌ وأصحابه حوله، فأنشأت أقول:
أتاني نجي بين هدو ورقدة ولم أك فيما قد بلوت بكاذب.
ثلاث ليلا قوله كل ليلة أتاك رسول من لوي بن غالب.
فشمرت عن ذيلي الأزرار ووسطت بي الذعلب الوجناء بين السباسب.
فأشهد أن الله لا رب غيره وانك مأمون على كل غالب.
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب.
قال: ففرح رسول الله صلى عليه وآله وسلم وأصحابه بمقالتي، فوثب عمر بن الخطاب فالتزمه وقال: كنت اشتهي أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك اليوم؟ قال: أما مذ قرأت القرآن فلا.
والذعلب، بذال معجمة مكسورة، فعين مهملة ساكنة، فلام موحدة: الناقة السريعة.
وليسدي الوالد متع الله بحياته بيتان من هذا القبيل وهما:
طابة طابت بشرب الظب ي زاهي الخد معسول اللمى الشفاه.
يا له من منهل عذب يزي ل الكرب بل يروي الظما الظماه.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى قوله:
عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم فما حصلت على شيء سوى الندم.
فإنه لذكر (عدمته) في صدر البيت، يليق أن يكون قافيته (العدم) ولذكر (الصحة)، يليق بها (السقم والألم) ولذكر (الوثوق) يليق بها (الندم والسأم)، والأول أرجح، قاله في شرحه.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي هو قوله:
تخيير قلبي هوى السادات صح به عهدي وغني لحزني ثابت الألم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا قلبي وزادوا نحولي مت من سقم.
لو قال هذا البيت بعض صغار المتأدبين، لا ستهجن منه، فإنه معمور بالركة التي تتلو عندها الإسماع (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ولا أعجب من شغف ناظمه به وإعجابه.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
فمذ تخيرت لي مما وثقت وقد أعريت قلبي نحولا زاد في المي.
معنى هذا البيت يحتاج في فهمه إلى التوقيف من ناظمه؛ وإلا فالإفهام معترفة في التقصير عن أن تحوم حوله.
وبيت بديعيتي قولي:
تخيير قلبي أضناني بهم ومحا مني الوجود والجاني غلى الندم.
فذكر (الضنى) يليق به (السقم والألم) وذكر (الوجود) يليق به (العدم) وذكرهما معا يليق بهم (السأم) ولكن (الندم) أولى لمناسبة التخيير الذي مبنى البيت عليه لفظا ومعنى.
وبين بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
من لي بعيش حلا الزمان به وعاضني عنه زادا زاد في نهمي.
قال في شرحه: كان يمكنه أن يقول: زاد في المي، زاد في قرمي، زاد في ضرمي؛ ونحو ذلك.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فإن فيه لهيب الشوق مضطرم وكيف يخلو فؤاد الصب من ضرم.
قال ناظمه: كان ينساغ أن يقول: من سقمي، من ألم، ونحو ذلك؛ فكان ذكر (الضرم) أولى لكونه أقوى حرا من (السقم والألم) ولن فيه رد العجز على الصدر.