أحسن أسئ ظن حقق أدن أقص أطل حك وش فوف أبن أخف ارتحل أقم
التفويف: مشتق من قولهم: برد مفوف، وهو الذي فيه خطوط بيض تغاير سائر لونه. وحقيقته: إتيان المتكلم بمعان شتى من أغراض الشعر من غزل أو مدح أو غير ذلك في جمل من الكلام، كل جملة منفصلة من أختها مع تساوي الجمل في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة وهي أحسنها، لدلالتها على قدرة الشاعر وتذليله صعب الألفاظ، فأنها أصعب مسلكا مما كان بالجمل الطوال والمتوسطة، ووجه تسمية ذلك بالتفويف أن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضها من بعض، فكان الكلام حينئذ برد مفوف.
وعلى ذلك فما أحلى قول أبي محمد عبد الله بن محمد التنوخي المعروف بابن قاضي ميلة من قصيدته المشهورة:
ولما التقينا محرمين وسيرنا بلبيك ربا والركائب تعسف
نظرت إليها والمطي كأنما غواربها منها معاطس رعف
فقالت أما فيكن من يعرف الفتى فقد رابني من طول ما يتشوف
أردنا إذا سرنا يسير حذاءنا ونوقف أخفاف المطي فيوقف
فقلت لتربيها أبلغاها بأنني بها مستهام قالتا نتطلف
وقولا لها يا أم عمر وأليس ذي منى والمنى في خيفه ليس تخلف
تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا بأن عن لي منك البنان المطرف
وفي عرفات ما يخبر أنني بعارفه من عطف قلبك أسعف
وأما دماء الهدي فهي هدى لنا يؤم ورأي في الهوى يتألف
وتقبيل ركن البيت إقبال دولة لنا وزمان بالمودة يعطف
فأوصلتا ما قلته فتبسمت وقالت أحاديث العيافة زخرف
بعيشي ألم أخبركما أنه فتى على لفظه برد الكلام المفوف
وما أحسن ما قال بعده:
فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه وقولا سدري أينا اليوم أعيف
إذا كنت في منى الفوز بالمنى ففي الخيف من أعراضنا تتخوف
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا حرام وأنا عن مزارك نصدف
[ ١ / ١٤٩ ]
وهذا وقذفي بالحصى لك مخبر بأن النوى بي عن ديارك تقذف
وحاذر نفاري ليلة النفر أنه سريع فقل من بالعيافة أعرف
فلم أر مثلينا خليلي مودة لكل لسان ذو غرارين مرهف
وبعده وهو مثال التفويف بالجمل الطويلة:
إلا أنه لولا أغن مهفهف وأشنب براق واحور أوطف
لراجع مشتاق ونام مسهد وأيقن مرتاب وأقصر مدنف
ومن ذلك قول النابغة أيضًا:
فلله عينا من رأى أهل قبة أضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما واكبر سيدا وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
وقول ابن عنين:
دعت في أعالي السعد يوما حمامة على فنن في ظل ريان باليم
فهاجت مشوقا واستفزت متيما وأبكت غربيا واستخفت أخا حلم
وقول الآخر:
ولو أن ما بي بالجبال لدكدكت وبالنار أطفاها وبالماء لم يجر
وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر
وقول بديع الزمان الهمداني:
ما الليث مقتحما والسيل مرتطما والبحر ملتطما والليل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقة أجدى يمينا وأدنى منك مطلبا
وكاد يحيك صوت الغيث منسكبا لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقوله من قصيدة يذكر فيها أباه ويمدح خلف بن أحمد والي سجستان:
يذكرني قرب العراق وديعة لدى الله لا ينسيه مال ولا أهل
إذا ورد الحجاج وافي رفاقهم بفوارتي دمع هما النجل والسجل
يسائلهم كيف ابنه أين داره إلى م انتهى لم يعد هل له شغل
أضافت به حال أحالت أطالت له يد أأخره نقص أقدمه فضل
يقولون وافي حضرة الملك الذي له الكنف المألوف والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبي وخير له قصر ودر له نزل
المثال في البيت الثالث والرابع والأخير.
ومثاله بالجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واحتكم أصبر وعزَّاهن ودل أخضع وقل أسمع ومراطع
المثال البيت الأخير.
ومثال ما جاء بالجمل القصار قول المتنبي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أقل أنل اقطع احمل عل سل أعد زد هش بش تفضل ادن سر صل
روي أنه لما انشد أبو الطيب سيف الدولة هذه القصيدة التي هذان البيتان منها، وناوله نسختها وخرج، نظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى هذا البيت المفوف وقع تحت (أقل) قد أقلناك، وتحت (أنل) أنلناك وتحت (اقطع) قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة بباب حلب، وتحت (أحمل) يقاد إليك الفرس الفلاني، وتحت (عل) قد فعلنا -وهو من العلو- وتحت (سل) قد فعلنا، قاسل -وهو من السلو- وتحت (أعد) قد أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت (زد) يزاد كذا، وتحت (تفضل) قد فعلنا، وتحت (ادن) قد أديناك، وتحت (سر) قد سررناك.
قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت (سر) من السرية فأمر له بجارية، وتحت (صل) قد وصلناك.
قال: وحكى لي بعض أخوننا: أن المعقلي وهو شيخ بحضرته ظريف قال له -وحسد المتنبي على ما أمر له به-: يا مولاي (قد فعلت) به كل شيء سالكه، فهلا قلت له لما قال لك (هش بش) هه هه هه - يحكي الضحك- فضحك سيف الدولة، وقال: وأعطيناك أيضًا ما تحب، وأمر له بصلة.
ولما أنشد المتنبي هذا البيت المفوف رآهم يعدون ألفاظه فزاد فيه وقال:
أقل أنل أن صب أحمل عل سل عد زد هش بش هب اغفر أدن سر صل
أن من الأون، وهو الرفق. وصب، من صلب السهم الهدف يصيبه يقال: صاب وأصاب أو من صابت السماء بالمطر.
وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب الوساطة: أن أبا الطيب نسج على منوال ديك الجن حيث قال:
أحل وامرر وضر وانفع ولن وأخشن ورش وابر وانتدب للمعالي
وقال الواحدي: أصل هذه الطريقة من قول امرئ القيس:
[ ١ / ١٥٠ ]
أفاد وجاد وساد وزا د وذاد وقاد وعاد وافضل
ومثله لأبي العميثل في عبد الله بن طاهر ذي اليمنين:
يا من يؤمل أن تكون خصاله كخصال عبد الله أنصت واسمع
أصدق وعف وبر واصبر واحتمل واحلم ودار وكاف وابذل وأشجع
ومنه قول بعض المعاصرين من قصيدة يمدح بها سيدي الوالد متع الله بحياته:
وابق دم راع رع تأبد تأيد اخفض ارفع من العلوم منارا
انتصر اخذل أقل أنل اغن أفقر أنه مر سد أذق عداك البوارا
أفد أرفد اعز تعزز تمنع جد تفضل أول العديم اليسارا
وأول هذه القصيدة قوله:
ما نضت ليلة المزار الأزارا هند إلا لتهتك الأستارا
طرقتنا ولات حين طروق حبذا زائرا إذا النجم غارا
رق بعد الصدود عطفا لرق ورعى حرمة العهود فزارا
غير ما موعد ألم ولما نرتقب للمام منه ازديارا
قابلتنا بطلعة قد أرتنا الشمس ليلا فأوهمتنا النهارا
طفلة تخلب العقول بطرف وبدل يستبعد الأحرارا
دمية لو تصورت لمجوس تخذوها لاها وعافوا النارا
ناهد تسلب النفوس بطرف غنج زاده الفتور احورارا
ذات خدٍ جنى لنا الورد غضا وشتيت جلى علينا العقارا
وفم مثل خاتم من عقيق عمر الدر في نواحيه دارا
ولحاظ تصمي القلوب وخصر زاده باسط الجمال اختصارا
غادة لذ لي بها هتك سري في طريق الهوى وخلعي العذارا
وعجيب ممن توغل أمرا في الهوى أن يروم منه استتارا
أيسر الهوى وشأن دموع الصب بالصب يظهر الأسرار
والذي عقله غدا بيد الغي د أسيرا لا يستبد اختيارا
ولم أورد منها هذه النبذة إلا لانسجامها وبلاغتها، وكلها من جيد الشعر.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
أقصر أطل أعذل أعذر سل خل اعن حن هن عز ترفق لج كف لم
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
فوف أرف أنظم انثر خص عم أفد أعتب أدر أبرق أرعد اضحك ابك لم
قال ابن حجة: هذا البيت ما نحت من الجبال ولكن الجبال نحتت منه.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
اخشن ألن احزن افرح امنع أعط انل فوف أجد وش رقق شد حب لم
لا يقول (اخشن) في أول بيته ثم يطنب في مدحه إلا ابن حجة.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
تجن أصبر تدلل أرض عز أهن ته أحتمل مر أطع صل مفوفا ادم
ما أبرد قوله: مفوفا ادم وبيت بديعيتي هو قولي:
أحسن أسئ ظن حقق ادن أقص اطل حك وش فوف ابن أخف ارتحل أقم
الخطاب في ذلك للعاذل، يعني أن كل ما تفعله من هذه الأشياء في العذل فهو غير مقبول، ولا ملتفت إليه. وكذا الكلام في سائر أبيات البديعيات المذكورة إلا بيت بديعية الشيخ عبد القادر فأن الخطاب فيه للمحبوب.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
فأعذل وجر واقتصر أو طل وعز وهن وانقص وزد وامض وارجع وانقطع ودم