هم وشحوني بمنثور الدموع وقد توشحوا من لآليهم بمنتظم
التوشيح هو أن يكون في أول الكلام ما يستلزم القافية ويدل على لفظها، ولذلك سمي توشيحًا، لأن الكلام لما دل أوله على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح، ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، والفرق بينه وبين رد العجز على الصدر، أن هذا دلالته معنوية، وذاك لفظية.
ومن أعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فإن اصطفى يدل على أن الفاصلة (العالمين) لا باللفظ، لأن لفظ العالمين غير لفظ اصطفى ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من لوازم اصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفون العالمون. وقوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) .
قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة (مظلمون) لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمة.
ومن أمثلته الشعرية قول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي وجدت حصى ضريبتهم رزينا
قال قدامة في كتابه نقد الشعر: إن الإنسان إذا سمع هذا البيت وقد عرف قافية القصيدة، علم أن وزن الحصى سيأتي بعده رزين لأمرين: أحدهما أن قافية القصيدة نونية، والثاني أن نظام البيت يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى وهو العقل، يلزمه أن يقول في حصاه أنه رزين. انتهى.
ونحوه قول الفرزدق من قصيدته التي أجاب بها جريرا:
وأغلق من وراء بني كليب عطية من مخازي اللؤم بابا
فإن السامع إذا تحقق أن القافية مجردة منطلقة رويها الباء وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الإغلاق، لم يعتره شك في أن القافية (بابا) .
وذكر ابن حجة وغيره في هذا النوع أمثلة هي من نوع التسهيم، ستقف عليها هناك، وتعلم أنها منه لا من باب التوشيح.
ومما وقع لي أنا في هذا النوع، أني أنشدت مرة شيخنا العلامة جعفر ابن كمال الدين البحراني سقى الله غيث الرحمة ثراه أبياتا من شعري أولها:
سقى الله أيامنا بالحجاز ولا جازها الغيدق الهاطل
[ ١ / ١٧٤ ]
فما كان أطيب عيشي بها إذ المنزل القفر بي آهل
إلى أن وصلت إلى قولي فيها:
أتعذلني جاهلا حاله لك الويل يا أيها العاذل
فلما بلغت (حاله) لإنشاد قولي (لك الويل) سبقني هو فقال (يا أيها العاذل) .
ومن شواهده أيضًا قول الشريف الرضي ﵁ في قصيدة:
ما أنصف الفاسق في لحظه لما أرانا عفة العابد
تعزز الحب إلي ذلة وناقص الحب إلى زائد
وقوله منها:
يا عذبة المبسم بلي الجوى بنهلة من ريقك البارد
أرى غديرا شبما ماؤه فهل لذاك الماء من وارد
من لي به من عسل ذائب يجري خلال البرد الجامد
وقول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم لك الحسب المهذب والبناء
كريم لا يغيره صباح عن الخلق السني ولا مساء
الشاهد في البيت الثالث، فإن السامع إذا سمع صدره وقد عرف القافية لا يختلجه شك في أن القافية (مساء) .
وقول أبي فراس بن حمدان:
ولما ثار سيف الدين ثرنا كما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعانا صوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعات فكنا عند دعوته الجوابا
الشاهد في البيت الثالث أيضًا وهو ظاهر.
وقول أبي عبادة البحتري: والشاهد في البيت الثالث أيضًا:
ما لي وللأيام صرف صرفها حالي وأكثر في البلاد تقلبي
أمسي زميلا للظلام وأغتدي ردفا على كفل الصباح الأشهب
فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى وطورا مغربا للمغرب
فإن صدر البيت يدل دلالة بينة على أن القافية (مغرب) .
وما أحسن قوله بعده، وهو من أبياته السائرة:
وإذا الزمان كساك حلة معدم فالبس لها حلل النوى وتغرب
ولنكتف من شواهد هذا النوع بهذه النبذة ففيها للأديب مقنع والله أعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة فكيف يحسن منهم حال منفطم
فذكر الرضاع والثدي مع العلم أن القصيدة ميمية يعلم منها من له أدنى ذوق أن القافية ينبغي أن تكون (منفطم) .
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
نومي وعقلي بتوشيح الهوى سلبا فبت صبا بلا حلم ولا حلم
فذكر النوم في صدر البيت يعلم منه - وقد عرف أن القصيدة ميمية - إن قافيته تكون (حلم) . غير أن قوله: توشيح الهوى، استعارة غير مقبولة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
توشيحهم بملا تلك الشعور إذا لفوه طيا تعرفنا بنشرهم
ابن حجة سود وجه نصف صفحته في إطراء هذا البيت، وتعديد محاسنه، وهو من التكلف على جانب كما يشهد به الذوق السليم، وعلى أمر خال من مثال النوع، إذ ليس في صدر البيت ما يدل على انه ينبغي أن تكون القافية (نشرهم)، إذ النشر إنما يناسبه الطي أو الرائحة الطيبة، وذكر الطي والعرف في العجز لا يجدي، فإنه خروج عن شرط التوشيح لما تقدم من أنه ينبغي أن يكون في أول الكلام ما يدل على القافية لا في آخر الكلام، فتأمل.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
توشحوا الود وامتنوا علي به فكيف يحسن سعيي في فراقهم
هذا البيت أيضًا ليس فيه من التوشيح غير لفظ توشحوا، وأما معناه فلا. واستعارة التوشيح للود لا وجه لها ولا مناسبة أصلا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
هم وشحوني بمنثور الدموع كما توشحوا من لآليهم بمنتظم
فذكر منثور الدموع في صدر البيت بعد العلم بأن القافية ميمية يستلزم عند غير الأجنبي عن هذا العلم أن تكون قافية البيت (منتظم) . وفي قوله: وشحوني بمنثور الدموع استعارة تبعية، أضمر تشبيه انصباب الدموع على العاتق والكشح بتوشيح الوشاح، ثم استعار اسم المشبه به للمشبه واشتق منه صيغة الفعل على قانون الاستعارة التبعية، فاجتمع في هذا البيت من أنواع البديع: الاستعارة، والتشبيه، والطباق، والسهولة، والانسجام والتمكين، والتعطف في وشحوني وتوشحوا، والتوشيح الذي هو المقصود فيه والله أعلم.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
[ ١ / ١٧٥ ]
ألا يمين لكم يا لائمين لنا كم تركبون عظيم الحنث بالقسم
قال ناظمه في شرحه: بدئ وختم بالقسم.