أفضاله ومعاليه ورفعته جمع من الفضل فيه غير منقسم
الجمع هو أن يجمع المتكلم بين نوعين فصاعدا في نوع واحد، بأن يعمد إلى شيئين مختلفين مثلا فيثبت لهما جهة جامعة يتحدان بها، كقوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) جمع المال والبنون وهما نوعان متباينان في نوع واحد وهو الزينة، وقوله ﵌: من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، أي بأسرها. وحذافير الشيء: نواحيه، جمع حذفار، ومعناه: أن من رزق الأمن من كل بلاء يتقيه، والعافية من كل داء يؤذيه؛ وأعطي بلغة يومه الذي هو فيه، فقد أحاط بما يهمه في الدنيا أطرافه ونواحيه. فجمع هذه الأمور الثلاثة في أنها أصل المقاصد الدنيوية.
ومن أمثلته في الشعر قول أبي العتاهية:
علمت يا مجاشع بن مسعده أن الشباب والفراغ والجده
مفسدة للمرء أي مفسده فجمع أمورا ثلاثة مختلفة تحت نوع واحد وهي المفسدة.
ومثله قولي:
إن المكارم والفضائل والندى طبع جبلت عليه غير تطبع
والمجد والشرف المؤمل والعلى وقف عليك وليس بالمستودع
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
آراؤه وعطاياه ونقمته وعفوه رحمة للناس كلهم
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
قد أحرز السبق والإحسان في نسق والعلم والحلم قبل الدرك للحلم
وبيت بديعية الموصلي قوله:
للفصل والفضل والألطاف منه يرى والحلم والعلم جمع غير منخرم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
آدابه وعطاياه ورأفته سجية ضمن جمع فيه ملتئم
وبيت بديعية الطبري:
كل من الأنس والأملاك مندرج والجن تحت لواه يوم جمعهم
وبيت بديعيتي هو قولي:
أفضاله ومعاليه ورفعته جمع من الفضل فيه غير منقسم
وبيت بديعية المقري هو قوله:
قضى وولى وفاضت نفسه وعفا عدلا وليس بعافي الحكم والحكم
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال في شرحه: قوله (قضى وولى وفاضت نفسه وعفا) أجاب عن الجميع بقوله (عدلا) هذا نصه. ولا أقبح من قوله: وفاضت نفسه فإن مثل هذه العبارة لا تليق في مرثية صديق فضلا عن المديح النبوي. وأغرب من ذلك تفسيره (عفا) بقوله: يجوز أن يكون بمعنى عفا عن المسيء، وإن يكون بمعنى ذهب. نعوذ بالله من آفة الغفلة والله أعلم.
انتهى الجزء الأول من شرح البديعة.
أنوار الربيع في أنواع البديع الجزء الرابع