ضياؤه الشمس في تفريق جمع دجى وقدره الشمس لم تدرك ولم ترم
هذا النوع عبارة عن أن يدخل المتكلم شيئين في معنى واحد، ثم يفرق جهتي الإدخال كقوله تعالى "يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى" أدخل النفسين في حكم التوفي، ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك والإرسال، أي الله يتوفى الأنفس التي تقبض، والنفس التي لا تقبض، فيمسك الأولى ويرسل الأخرى.
ومن أمثلته في الشعر قول مروان بن أبي حفصة:
تشابه يوماه علينا فأشكلا فما نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر أم يوم بأسه وما منهما إلا أغر محجل
فإنه أدخل يوميه في التشابه والإشكال، ثم فرق بينهما، فجعل أحدهما للبذل والسماحة، والثاني للنجدة والشجاعة.
وقول البحتري:
ولما التقيا والنقا موعد لنا تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
فجمع المرئي من الدر والملقوط منه في كونهما متعجبا منهما، ثم فرق بينهما، فجعل الأول مجلوا عند الابتسام وهو ثغره، وجعل الثاني مسقطا عند المحادثة وهو حديثه.
وقول الفخر عيسى:
تشابه دمعانا غداة فراقنا مشابهة في قصة دون قصة
[ ١ / ٣٩٢ ]
فوجنتها تكسو المدامع حمرة ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي
وما ألطف قول مهيار الديلمي في هذا الباب:
جاءت تثنى بين ريحانة تعبق مسكا وكثيب يهال
فلا وعينيها وأردافها وشقوة الدعص بها والغزال
ما قدها هز نسيم الصبا وإنما ميل غصنا فمال
حتى إذا الليل قضى ما قضى خفت مع الفجر خطاها الثقال
أبكي وتبكي غيران الأسى دموعه غير دموع الدلال
أخذه السيد أحمد الصفوي فقال:
صه يا حمام فلست المشوق ولا بات حالك فيها كحالي
فما من تباكي كما من بكى ودمع الأسى غير دمع الدلال
ومنه قول التهامي:
قالوا تأس بجفنها في سقمه شتان بين سقامه وسقامي
سقم الجفون وإن تزايد صحة أبدا وسقمي قد أذاب عظامي
وحدث يعقوب بن بشر، قال: كنت مع إسحاق الموصلي في نزهة، فمر بنا إعرابي فوجه إسحاق خلفه فوافانا، فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال:
بكرت تحن وما بها وجدي وأحن من وجد إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بها ودموع عيني قرحت خدي
وبساكني نجد كلفت وما يغني لهم كلفي ولا وجدي
لو قيس وجد العاشقين إلى وجدي لزاد عليه ما عندي
قال فما انصرف إسحاق إلا محمولا سكرا، وما شرب إلا على هذه الأبيات.
ومنه قول العفيف التلمساني:
بين فؤادي وخدها نسب كلاهما بالجحيم يلتهب
هما سواء والفرق بينهما أنهما ساكن ومضطرب
وقول الوطواط: فوجهك كالنار في ضوئها=وقلبي كالنار في حرها وقول الآخر: وسهيل كوجنة الحب في اللو_ن وقلب المحب في الخفقان وقولي في مطلع القصيدة:
ما بين قلبي وبرق المنحنى نسب كلاهما من سعير الوجد يلتب
قلبي لما فاته من وصل ساكنه والبرق إذ فاته من ثغره الشنب
وبيت بديعية الصفي قوله:
سناه كالنار يجلو كل مظلمة والبأس كالنار يفني كل مجترم
أدخل السناء والبأس في كونهما كالنار، ثم فرق بينهما، بأن وجه إدخال السنا فيه أنه يجلو الظلام، وإدخال البأس فيه أنه يفني المجرمين، كما تفني النار الحطب.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
فلذ بمن كفه والبحر ما افترقا إلا بكف وبحر في كلامهم
وبيت بديعية عز الدين الموصلي، شن فيه الغارة على بيت الشيخ صفي الدين فقال:
وعزمه النار في جمع يفرقه ووجهه النور يجلو ظلمة الغشم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
سناه كالبرق أن أبدوا ظلام وغى والعزم كالبرق في تفريق جمعهم
وبيت بديعية الطبري قوله:
كالشمس في الجمع والتفريق ملته وفي الضيا وجهه يا حسرة الظلم
وبيت بديعيتي هو:
ضياؤه الشمس في تفريق جمع دجى وقدره الشمس لم تدرك ولم ترم
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: إن أنكروا الشمس منه فهي مقل=تعشي وفي مقل تجلو دجى الظلم قال ناظمه في شرحه: جعل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كالشمس، ثم فرق ما جمع فقال: إنها في عيون جلاء، وفي عيون عشاء، انتهى بنصه.