ظنوا سلوي إذ ظنوا فما لفظوا بذكر أنس مضى للقلب في أضم
من أنواع الجناس: اللفظي والمقلوب. أما الجناس اللفظي فهو ما تماثل ركناه وتجانسا خطًا، وخلف أحدهما الآخر بإبدال حرف فيه مناسبة لفظية، كما يكتب بالضاد والظاء وشاهد من القرآن الكريم قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) فالأولى من النضارة وهي النعمة والحسن. والثاني من النظر.
ومثله قوله الصفي الحلي في مطلع قصيدة نبوية:
كفى البدر حسنًا أن يقال نظيرها فيزها ولكنا بذاك نضيرها
وحسب غصون البان أن قوامها يميس به ميادها ونضيرها
وقول بعض المغاربة:
عطف القضيب على النسيم تميلا والنهر موشى الخمائل والحلى
تركته أعطاف الغصون مظللا ولنا عن النهج القويم مضللا
وألحقوا بذلك ما يكتب بالهاء والتاء، أو بالتنوين والنون.
فالأول كقول البستي:
إذا جلست إلى قوم لتؤنسهم بما تحدث من ماض ومن آت
فلا تعيدن حديثًا أن طبعهم موكل بمعاداة المعادات
والثاني كقول الباخرزي:
أروح وفي الحلق مني شجى وأغدو وفي القلبي مني شجن
وقول الأرجاني:
وبيض الهند من وجدي هواز بإحدى البيض من عليا هوازن
وقول شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
أحسن خلق الله وجهًا وفما إن لم يكن أحق بالحسن فمن
حكى الغزال مقلة ولفتة من ذا رآه مقبلًا ولا افتتن
وعارض الشيخ صفي الدين بيت الأرجاني بقصيدة أولها:
لسيري في الفلا والليل داج وكري في الوغى والنقع داجن
وحملي مرهف الحدين ظام لحامله وجود النصر ضامن
في هذا البيت شاهد على ما نحن فيه من جهتين. وبعده:
وهزي ذابلًا للخيل مارٍ يلين بهزه صدرا ومارن
وركضي أدهم الجلباب صاف خفيف الجري يوم السلم صافن
وخطوي تحت راية ليث غاب بسطوته لصرف الدهر غابن
شديد البأس ذي أمر مطاع مضارب كل قوم أو مطاعن
أحب إلي من تغريد شاد وكأس مدامة من كف شادن
إلى آخر القصيدة. وعارض بيتي التلمساني بقصيدة أولها:
كم قد أفضنا من دموع ودما على رسوم للديار ودمن
وكم قضينا للبكاء منسكًا لما تذكرنا بهن من سكن
[ ١ / ٣٣ ]
معاهدًا تحدث للصبر فنًا إن ناحت الورق بها على فنن
تذكارها أورث في الحلق شجى وفي الحشا قرحًا وفي القلب شجن
لله أيام لنا على منى فكم لها عندي أياد ومنن
كم كان فيها من فتاة وفتى كل لقلب المستهام قد فتن
وتتمتها في ديوانه: وهذا النوع قليل جدًا، وأصعب مسالكه ما كان بالضاد والظاء، لأجل إبدال الحرف الذي في المناسبة اللفظية.
وأما الجناس المقلوب، ويسمى جناس العكس أيضًا، فهو ما تساوت حروف ركنيه عددًا، وتخالفت ترتيبًا، كقوله تعالى حكاية عن هارون: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) وقول النبي) ﵌ (: اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا.
ومن لطيف هذا النوع ما حكاه الثعالبي في اليتيمة عن أبي الحسين بن فارس قال: كنت عند الأستاذ، يعني أبا الفتح بن محمد بن العميد، في ويوم شديد الحر، فرمت الشمس بجمرات الهاجرة، فقال لي: ما قول الشيخ في قلبه؟ فلم أحر جوابًا، لأني لم أفطن لما أراد. ولما كان بعد هنيئة أقبل رسول الأستاذ الرئيس - يعني ابن العميد - يستدعيني إلى مجلسه. قمت إليه، فلما مثلت بين يديه تبسم ضاحكًا إلي وقال: ما قول الشيخ في قلبه؟ فبهت وسكت، وما زلت أفكر حتى انتهيت إلى أنه أراد الخيش. وكان من يشرف على أبي الفتح من جهة أبيه أتاه بتلك اللفظة في تلك الساعة، فدعاني ولفرط سروره بها أراد مجاراتي فيها. انتهى.
وأراد بالخيش، مروحة الخيش وهي شبيهة بشراع السفينة، تعلق بالسقف، ويتروح بها في الصيف، وترش بالماء أو الماء ورد لتكون أبرد. وتعلق بحبل يراد به حركتها، فإذا أراد الرجل النوم جذبها بحبلها، فتذهب بطول البيت وتجيء، فيهب على الإنسان منها نسيم بارد طيب الرائحة، فيذهب عنه أذى الحر ويستطيب النوم، وهي فوقه ذاهبة جائية، وتستعمل ببلاد العراق.
ويقال أن أول من أحدثها هارون الرشيد، وذلك أنه دخل يومًا على أخته علية بنت المهدي. في يوم قيظ. فألفاه قد صبغت ثيابها بزعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف، فجلس الرشيد قريبًا من الثياب المنشورة فصارت الريح تمر على الثياب فتحمل منها نشرًا طيبًا، فوجد لذلك راحة من الحر واستطابه، فأمر أن يصنع له مثل ذلك.
ومن شواهد هذا النوع من النظم قول العباس بن الأحنف:
حسامك فيه للأحباب فتح ورمحك منه للأعداء حتف
ومن غاباته قول عبد الله بن رواحة يمدح النبي) ﵌ (:
تحمل الناقة الادماء معتجرًا بالبرد كالبدر جلى نوره الظلما
ومنه قول أبي تمام:
بيض الصفائح لأسود الصحائف في متونهن جلاء الشك والربيع
وقول ابن حيوس:
تلقى بها الرواد روضًا زاهرًا وتصادف الوارد حوضًا مفعما
وقول القاضي أبي بكر عبد الله بن أحمد البستي:
حكاني بهار الروض لما ألفته وكل مشوق للبهار مصاحب
فقلت له ما بال لونك شاحبًا فقال لأني حين أقلب راهب
وزاد على هذا المعنى ابن رشيق فقال:
يا حسن ما سمي البهار به لو تركته قيافة القائف
قلبته راهبًا فأشعرني خوفًا وتأويل راهب خائف
وقول أبي عبد الله الغواص:
من عذيري من عذول في قمر قامر القلب هواه فقمر
قمر لم يبق مني حبه وهواه غير مقلبو قمر
ومثله قول قمر الدولة:
اجملي يا جمل إني رجل ما فيه قلبه
أو يكن ذاك فإني قمر ما فيه قلبه
وقول الآخر:
فقالت ترى ما بالذي أنت قانع به من هوانا معكوس قانع
وقول ابن العفيف مع زيادة التورية:
اسكرني باللحظ والمقلة ال كحلاء والوجنة والكاس
ساق يريني قلبه قسوة وكل ساق قلبه قاس
وأخذ بعضهم هذا المعنى وزاده قلبًا وطباقًا فقال:
قلت مستعطفًا لساق سقاني من طلا نيل مصر أطيب كاس
أنت أشهى إلي منه ولكن قلبه لين وقلبك قاس
ومثله قول الصلاح الصفدي:
قلب الدن من أحب فأضحت نفح الند من حمياه تهدى
قال لي أعجب فقلت غير عجيب كل دن قلبته صار ندا
وقوله أيضًا:
قلت وقد سرت في الظلام وقد أهمني منه فقد أيناسي
[ ١ / ٣٤ ]
كيف يطير الفؤاد من جزع وكل سار فقلبه راس
وقول أبي نصير أحمد بن الحسن الباخرزي:
من عاذري من عاذل قال لي ويحك كم تعشق يا مغرم
وآلم القلب ولا غرو إذ كل ملوم قلبه مولم
وأخذ بعد المتأخرين المتقدمين على عصرنا بقليل هذا المصراع، وجعله صدرًا لعجز البيت الأخر من بيتي ابن العفيف، أما عمدًا أو اتفاقًا فقال:
كل ملوم قلبه مولم وكل ساق قلبه قاسِ
ومنه قول النيلي:
إذا رأيت الوداع فاصبر ولا يهمنك البعادُ
وانتظر العود عن قريب فإن قلب الوداع عادوا
وما ألطف قول الوداعي في مليح ينتف:
تعشقت ظبيًا ناعس الطرف ناعما إلى أن تبدا الشعر والشعر ألوان
فقالوا أفق من حبه فهو ناتف فقلت عكستم إنما هو فتان
وبديع يقول ابن نباتة في الأمير بهرام:
قيل كل القلوب من رهبة الحرب تضطرب
قلت هذا تخرص قلب بهرام ما رهب
وقول الآخر:
وألفيتهم يستعرضون حوائجًا إليهم ولو كانت عليهم جوائحا
وقول أبي القاسم الهرندي:
إن بين الضلوع مني نارًا تتلظى فكيف لي أن أطيقا
فبحقي عليك يا من سقاني ارحيقا سقيتني أم حريقا
وقول الآخر:
قلت لما لاح لي من ها شعاع وبريق
أشقيق أم عقيق أم حريق أم رحيق
ومن الغايات في هذا الباب قول القائل:
لبق أقبل فيه هيف كلما أملك إن غنى هبه
ومثله قول بعضهم نثرًا: أرض خضرا فيها أهيف وأعلى منه قول سيف الدين المشد:
ليل أضاء هلاله أنى يضيء بكوكبِ
وهذا مما لا يستحيل بالانعكاس. وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.
وما أحسن قول ابن جابر الأندلسي:
بين نعمان وسلع ملأ ليس منهم لمحبٍ ألمُ
كلفي منهم ببدر حل في فلك العلياء فاعرف من هم
وقوله أيضًا:
قد بان عذري في مليح له لحظ رشا يلحظ عن ذعرِ
إني على الهجر مطيع له ممتثل في السر والجهر
وقوله أيضًا:
أبدا أبسط خدي أدبا لكم يا أهل ذاك العلمِ
أملي أني أرى ربعكم فبه يذهب عني ألمي
وقتل أنا مع زيادة التورية:
ورب ساق قلبه قلبه أفديه من قاس ومن ساقِ
تحارب العشاق في حسنه فقامت الحرب على ساق
وأحسن ما في هذا الباب أن يكون أول البيت كلمة مقاويها قافيته كقول بعضهم:
رقت شمائل قاتلي فلذاك روحي لا تفر
رد الحبيب جوابه فكأنه في اللفظ در
ومثله قول الصلاح الصفدي:
رضت فؤادي غادة ما كنت أحسبها تضر
ردت سؤالي خائبًا فمدامعي أبدًا تدر
وقول آخر:
أهديت شيئًا يقول لولا أحدوثة الفال والتبر
كرسي تفاءل فيه لما رأيت مقلوبه يسرك
تنبيه - لم يعتبر أكثر علماء البديع في الجناس المقلوب، قلب الحروف من كل وجه، بل اكتفوا بقلب حرف واحد أو حرفين أو حرفين من أحد الركنين كما رأيت، فيسمون كلًا مما كان أحد ركنيه عكس الآخر كما في (كرسي) و(يسرك) وما كان أحد الركنين منه مخالفًا ترتيب الآخر ببعض حروفه مقلوبًا، ومنهم من فرق بين الأول والثاني، فخص الأول باسم المقلوب وجناس العكس، والثاني بجناس التصريف وقلب البعض.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين في الجناس اللفظي والمقلوب قوله:
بكل قد نضير لا نظير له ما ينقضي أملي منه ولا ألمي
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
لفظي حضي على حظي يمانعه مقلوب معنى ملا الأحشاء بالألمِ
قال ابن حجة: أما قوله: مقلوب معنى، فما دخل معناه إلى القلب؟.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قد فاض دمعي وفاظ القلب إذا سمعا لفظي عذل ملا الأسماع بالألم
قال في الشرح: شاهد الجناس اللفظي في البيت قولي (فاض) و(فاظ) فإن الأول من فيض الماء، والثاني من التلف. انتهى.
[ ١ / ٣٥ ]
أقول: قال في القاموس في مادة (ف اض) فاض الماء يفيض فيضًا وفيوضًا بالضم والكسر، وفيوضة وفيضانا: كثر حتى سال كالوادي: وصدر بالسر باح، والرجل فيضًا وفيوضا: مات ونفسه خرجت روحه. انتهى. وقال في مادة (فاظ) - فاظ فوظًا وفواظا: مات، كفاظ فيظا وفيوظة وفيظانا محركة وفيوظا، وأفاظه الله، وفاظ نفسه: قاءها. وإذا ذكروا نفسه، ففاضت بالضاد. انتهى. إذا علمت هذا، فقوله فاظ القلب لا يتعين كونه بالظاء المشالة حتى يتعين فيه الجناس اللفظي، بل لو كتب بالضاد أو نطق به كذلك جاز، فيكون حينئذ من الجناس التام، لا من اللفظي، فيحصل الاشتباه فهو محذور. فالأولى اجتناب مثل هذا خصوصًا في البديعية.
وعلى ذلك فما ألطف قول أبي الحسن الباخرزي:
رعى الله أحبابنا الظاعنين وإن ضيعوا فيَّ شرط الحفاظ
فأحشاء أحبابهم بعدهم من النار مملوءة بالشواظ
فدمع يفيض ونفس تفيض وصبر يغاض وصب يغاظِ
وفي المصراع الأخير شاهد لما نحن فيه.
والشيخ عبد القادر الطبري جمع بين اللفظي والمقلوب والمطرف فقال:
قد غاض لفظي وغاظ القلب نقهته عن ربح حبر يتطرف فلم يلم
أنواع الجناس الثلاثة في هذا البيت، وأما معناه فالعلم عند الله تعالى.
وبيت بديعيتي هو قولي:
ظنوا سلوي إذ ضنوا فما لفظوا بذكر أنس مضى للقلب في أضم
اللظفي في (ظنوا) و(ضنوا) فالأول بالظاء المشالة: من الظن الذي هو خلاف اليقين، والثاني بالضاد: من الضن وهو البخل، وقرئ قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين) بالوجهين.
فبالظاء المشالة، بمعنى متهم، وهو من الظنة بالكسر، أي التهمة، وهي راجعة إلى الظن، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. وبالضاد، بمعنى بخيل من الضن الذي هو البخل، أي لا يبخل بالوحي، فيزوي بعضه غير مبلغه، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه، وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر.
وشاهد الجناس المقلوب في البيت قولي: (مضى) و(أضم)، فإن أضم مقلوب مضى. قال في القاموس وإضم كعنب: جبل والوادي الذي فيه المدينة المنورة) ﷺ (على ساكنها وآله. عند المدينة يسمى القناة، ومن أعلى منها عند السد يسمى الشضاة، ثم ما كان أسفل ذلك يسمى أضما. انتهى.
والمعنى أنهم ظنوا سلوى عنهم حين بخلوا بوصلهم عليَّ، فلم يجروا على لسانهم زمان الوصل والأنس الذي مر لي معهم في ذلك المحل. ولم يزل الشعراء، يذكرون هذا الوضع في أشعارهم.
قال الشريف الرضي عليه من الله الرضا:
يشي بنا الطيب أحيانًا وآونة يضيئنا البرق مجتازًا على اضم
وقال صاحب البردة:
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من اضم
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
يا حاظر الوصل باد غير حاضره ما دائم سقمي إن كنت من قسمي