وذيل الدم دمعي يوم فرقتهم وراح حبي بلبي لاحقًا بهم
من أنواع الجناس: المذيل واللاحق.
أما المذل فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفًا في آخره، فصار له كالذيل كقول أبي تمام:
يمدون من أيدٍ عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضبِ
عواص جمع عاصية من عصاه: ضربه بالعصا. وعواصم من عصمه: حفظه وحماه. وقواض من قضى عليه: حكم. وقواضب من قضبة: قطعه.
وقول الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان صلاح الدين يوسف:
أما آن للسعد الذي أنا طالب لإدراكه يومًا يرى وهو طالبي
ترى هل يريني الدهر أيد شيعتي تمكن يومًا من نواصي النواصب
وقول المعتمد بن عباد وقد كتب به إلى صاحب له يدعوه إلى مجلس أنس:
أيها الصاحب الذي فارقت عي ني ونفسي منه السنا والسناء
نحن في المجلس الذي يهب الرا حة والمسمع الغنى والغناء
تتعاطى التي تنسي من اللذ ة والرقة الهوى والهواء
فأته تلق راحة ومحيا قد أعدا لك الحياة والحياء
وقول ابن المشرف المارديني من قصيدة:
هلال في بروج السعد سار غزال في مروج العز سارح
وقول محمد بن أحمد اليوسفي:
فيا يومها كم من مناف منافق ويا ليلها كم من مواف موافق
وقول أبي الحسن محمد بن طلحة: وللمجد أعلام سوام سوابغ=إليه وأقدام رواس رواسب وقول المعري:
ورب مساتر بهواك عزت سرائره وكل هوى هوان
وقولي في مطلع قطعة خمرية:
[ ١ / ٢٢ ]
طلب نشر الصبا ووقت الصباح وزمان الصبا ووصل الصباح
فاسقني الراح يا نديمي ودعني أتلهى ما بين روح وراح
وقولي من أخرى وهو من أوائل نظمي:
قسمًا بخصرك وهو واهٍ واهن وبروض خدك وهو زاهٍ زاهر
إني لأهوى ما تحب وإنما أنا فيك بين الناس شاكٍ شاكر
وقول بهاء الدين محمد بن عبد الله المحب الطبري:
أراني اليوم للأحباب شاكٍ وقدما كنت للأحباب شاكر
وما لي منهم أصبحت باكٍ أباكر بالمدامع كل باكر
نهاري لا يزال القلب ساهٍ وليلي لا يزال الطرف ساهر
أذاقوني عنادًا طعم صاب وقالوا كن على الهجران صابر
وها قلبي إلى الأحباب صاغ يميل إلى رضاهم وهو صاغر
أحن إلى لقاهم كل عام وأرجو وصلهم في شعب عامر
أهيل الجود مقصد كل حاج وليس لهم عن الإحسان حاجر
سقى ربعًا حماهم كل غادٍ وصين جمالهم من كل غادر
وقد تكون الزيادة في آخر المذيل بحرفين، ويخصه بعضهم حينئذ باسم المرفل.
كقول حسان بن ثابت:
وكنا متى يغز النبي قبيلة نصل جانبيه بالقنا والقنابل
وقول النابغة: لها نار جنٍ بعد أنس تحولوا=وزال بهم صرف النوى والنوائب.
وقوله من الرثاء:
فيا لك من حزم وعزم طواهما جديد الردى تحت الصفا والصائح
وقول الشيخ حسين الطبيب في ختام قصيدة مدح بها الوالد:
تدوم دوام الفرقدين على المدى إذا لحقت بالمادحين المدائح
وجرى على لسان قلمي عند وصولي إلى هنا هذا البيت:
قد نال غايات المنى المنافق مذ آذتنا بالنوى النواعق
ومن أرق ما سمع من هذا النوع قول الخنساء:
إن البكاء هو الشفاء من الجوى بين الجوانح
ذكرت بمعنى هذا البيت ما حكاه أحمد بن سليمان بن وهب قال: بكيت يومًا لفرقة بعض الآلاف بين يدي الحسن بن وهب عمي، فنهاني بعض من حضر، فقال لي عمي:
ابكِ فما أنفع ما في البكا لأنه للحزن تسهيل
وهو إذا أنت تأملته نحزن على الخدين محلول
وأما الجناس اللاحق - فهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف بحرف آخر من غير مخرجه، ولا قريب منه. فإن كان من مخرجه أو قريبًا منه سمي مضارعًا. فمن أمثلة اللاحق، قوله تعالى: (إنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد الخمر لشديد) وقول الشاعر:
نظرت الكثيب الأجرع الفرد مرة فرد إلي الطرف يدمى ويدمع
وقول بعضهم:
أخوك على المعاش معين صدق وما لك لمعاش وللمعاد
وقول البديع الهمداني:
يا غلام الكأس فاليأ س من الناس مريح
وقول ابن جابر:
يكفي الأنام بسيبه وبسيفه عند المكارم والمكاره دائما
وقول الصفي الحلي:
بيض دعاهن الغبي كواعبا ولو استبان الرشد قال كواكبا
وقول أبي فراس بن حمدان:
غني النفس لم يعقل خير من غني المال
وفضل الناس في الأنفس ليس الفضل في الحال
وقول ابن الفياض كاتب سيف الدولة:
وما بقيت من اللذات إلا منادمة الكرام على الشراب
ولثمك وجنتي قمر منير=يجول بخده ماء الشباب وقولي:
قد طلع البدر في كواكبه كالملك يختال في مواكبه
والليل يسعى به إلى أمدٍ كالطرف يستن تحت راكبه
وقولي من أبيات تقدم مطلعها في الجناس المذيل:
برح اليوم عن هواي خفاه ما لقلبي عن الهوى من براح
فاسقنيها وداوِ قرح فؤادي واجتنب مزجها بماء قراحِ
وقولي من قطعة خمرية مطلعها:
قم هاتها في جنح ليل دامس راح حكت في الراح شعلة قابس
زفت إلى ماء السماء فأصبحت تهزو بكل مهاة خدرٍ عانسِ
ماذا على من قابلته ببشرها أن لا يقابلها بوجهٍ عابس
ومنها وفيه أيضًا شاهد لما نحن فيه:
طابت مغارسها قبورك في يدي جانٍ حنى تلك الكروم وغارس
قف إن وقفت بحانها حينا ودع=عنك الوقوف بكل ربع دارس ومن محاسن هذه القطعة قولي فيها:
رقت فلولا الكاس لم تبصر لها جسما ولم تلمس براحة لامس
[ ١ / ٢٣ ]
فكأنها عند المزاج لطافة وهم يخيله توهم هاجس
ومن أحسن ما يستشهد به لهذا النوع قول الصفي الحلي من قصيدة:
وبارق كسقيط الزند مقتدحا له يد لزناد الشوق قد قدحت
بدا فأذكرني أرض الصراة وقد تكللت بالكلا والشيح واتشحت
والريح نافحة والسحب سافحة والغدر طافحة والورق قد صدحت
الشاهد في البيت الثالث فقط، وفي الأول الاشتقاق والجناس المذيل وفي الثاني الجناس المطلق.
وأما الجناس المضارع، فكقوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) وقوله) ﵌ (: الخيل معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم إلى يوم القيامة.
وقول الشريف الرضي) ﵁ (:
لولا تذكر أيامي بذي سلم وعند رامة أوطاري وأوطاني
لما قدحت بنار الوجد في كبدي ولا بللت بماء الدمع أجفاني
وقوله أيضًا من قصيدة طويلة:
لا يذكر الرمل الأحن مغترب له إلى الرمل أوطار وأوطان
وما أحسن قوله بعد هذا البيت:
تهفو إلى البان من قلبي نوازعه وما بي البان بل من داره البان
ومنه قول الكافي العمان:
وما خلقت عيون العين أما نظرن سوى بلايا للبراي
فاللام والراء والنون من مخرج واحد عند قطرب والجرمي وابن دريد والفراء.
وقول أبي جعفر الرامي من مقصورة له في وصف السيف: مهند كأنما صيقله=أشربه بالهند ماء الهندبا فالميم والباء من مخرج واحد.
وقول الشيخ حسين الطبيب من قصيدة يمدح بها الوالد:
سأكسوك من مكنون نظمي وشائعًا تناط بجيد الدهر منها وشائح
والصفي لم ينظم هذا النوع، وقل من فرق بينه وبين اللاحق. ومن الناس من يسمي كل ما اختلف بحرف، جناس التصريف، سواء كان من المخرج أو من غيره.
وبيت الصفي في الجناس المذيل واللاحق قوله:
أبيت والدمع هامٍ هامل سرب والجسم من أضم لحمٌ على وضم
وبيت العز الموصلي قوله:
يذيل العذل جار جارح بأذى كلاحقٍ ما حق الآثار في الأكم
قال بعضهم: لو عزا أحد هذا البيت والذي قبله - يعني بيته في الجناس الملفق - إلى الجان ما شككت في قوله.
وبيت ابن حجة قوله:
وذيل الهم همل الدمع لي فجرى كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم
عدم إطراء ابن حجة لهذا البيت، أبين حجة على ثقله وركنه.
والشيخ عبد القادر الطبري غير الترتيب الذي جرى عليه الشيخ صفي الدين، فقرن المذيل بالمعنوي، واللاحق بالتام. فقال في المذيل:
معنى ابن يتم أبي النعمان كنت لهم وذيل الصبر صبا بالغرام عمي
أقول: لم يظهر لي المذيل في هذا البيت. فإن أراد به لفظتي (الصبر) و(صبا) فهذا لاحق لا مذيل. وأم معنى البيت وارتباط شطريه. فقد عجزت عن أن أحوم حوله. وقال في الجناس اللاحق:
يا خير ما تم لي خير يلاحقني به ولم يرع شرع الحب كالعجم
الجناس اللاحق ظاهر في هذا البيت، ولكن انظر ما معنى قوله (ولم يرع شرع الحب كالعجم)؟ وبيت بديعتي هو قولي:
ويل الدم دمعي يوم فرقتهم وراح حبي يلبي لاحقًا بهم.
المذيل في قولي (الدم) و(الدمع) واللاحق في (حبي) و(لبي) ومعنى البيت أبين من أن يبين. ولا يخفى ما في تذييل الدمع من اللطف. فإنه كناية عن الدمع قد نزف يوم فراقهم من كثرة البكاء فبكى دما، فكأن الدم صار كالذيل للدمع. وبين شطري البيت أشد الارتباط لفظا ومعنى.
وبيت إسماعيل المقري قوله:
ملا الملام فؤادي ويحكم وكفى لا تكثروا تكفروا في لومه بهمِ.