بانوا فهان دمي عندي فها ندمي على ملفق صبري بعد بعدهم
من أنواع الجناس: الجناس الملفق وهو ألطفها موقعًا في القلوب وأحلاها ذوقًا في الأسماع وأصعبها مسلكًا. وحده أن يكون كل من ركنيه مركبًا من كلمتين فصاعدًا. وهذا هو الفرق بينه وبين المركب، وقل من أفراده عنه إلا المحققين كالحاتمي وابن رشيق وأمثالهما. ومن أمثلته في الشعر، قول الحاكم المطوعي:
أرى مجلس السلطان تفضى عفاته إلى روض مجد بالسماح مجود
وكم لجباه الراغبين لديه من مجال سجود في مجالس جود
وكان الصلاح الصفدي مولعا بهذا النمط منه، فنظم فيه شيئًا كثيرًا، وجاء بالغث أكثر من السمين. فمن ذلك قوله:
ولما نأيتم لم أزل مترقبا قدومكم في غدوة ومساء
وأين إذا كان الفراق معاندي مطالع ناءٍ من مطال عناء
وقوله:
وساق غدا يسقي بكأس وطرفه يجرد أسيافًا لغير كفاح
إذا جرح العشاق قالوا أقمت في مدارج راحٍ أم مدار جراح
وقوله:
بكيت على نفسي لنوح حمائم وجدت لها عندي هدية هاد
تنوب إذا ناحت على الأيك في الدجى مناب رشاد في منابر شاد
وقوله:
متى تصنع المعروف ترق إلى العلى وتلق سعودًا في ازدياد سعود
وإن تغرس الإحسان تجن الثمار من مغار سعود لا مغارس عود
وقوله:
ومجلس أقوام تطوف عليهم كؤوس الحميا في مدار سعود
تجادلت الأوتار في جنباته فأضحى الندامى في مدارس عود
وقوله:
ومن على غيري سقام وصحة ولم ير قان مثل ذي يرقان
قال ابن حجة: رأيت بخط الشيخ بدر الدين البشتكي تحت هذا البيت: وإن من ذلك مبلغه من النظم لجدير أن يقعد مع صغار المتأدبين. انتهى.
قلت: نعم من كان هذا مبلغه من النظم فهو جدير بما قال. وأما الشيخ صلاح الدين، فمحاسن نظمه لا تخفى؛ وشمعة أدبه كالصبح لا تقط ولا تطفي، وكم له من نثر وشعرهما من سحر البيان، أو بيان السحر، ولا يلزم من ركة هذا المقدار من نظمه انحطاط مقدار الناظم. وابن حجة لم يزل يتحامل عليه، ويشير بالنقص إليه. ولئن قال البدر البشتكي في الصفدي ما قال، فقد قال في ابن حجة أيضًا لما شاب وصبغ لحيته بالحناء أشنع مقال وهو قوله:
صقيع دعاويه لا تنتهي ويخطي الصواب ولا يشعر
تأملت فيه وفي ذقنه فلم أدر أيهما احمر
وأحسن ما نظمه الشيخ صلاح الدين في هذا الباب قوله:
رعى الله عهدًا مضى بالحمى بلغت الأماني به في أمان
وأيام أنسٍ تقضت بكم كأحلام عان بأحلى معان
ولعزة وقوع هذا النوع سومح فيه باختلاف الحركات. ومن أحسن ما وقع منه قول القاضي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولي القضاء بالمعرة وهو ابن عشرين، وأقام في مدة خمس سنين:
وليت الحكم خمسًا وهي خمسٌ لعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شاني ولا قالوا فلان قد رشاني
قلت: هكذا عزا ابن حجة هذين البيتين للقاضي عبد الباقي المذكور والله أعلم لمن هما. وقوله (وهي خمس) بضم الخاء، أي خمس عمره يشير إلى أن عمره في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة.
وأكثر أصحاب البديعيات عيال علي أبي الفتح البستي في قوله في هذا النوع:
إلى حتفي مشى قدمي أرى قدمي أراق دمي
فلم أنفك من ندمي وليس بنافع ندمي
ومنه قوله أيضًا:
أنت الأمير وإن لم تؤت منشورًا والملك بعدك أن لم تؤتمن شورى
وقوله أيضًا:
قد مر أمس ولم يعبأ به أحد من التواء ببؤس مر أم رغد
وعندي اليوم قوت استعف به وإن بقيت غدا أصلحت أمر غدِ
[ ١ / ٢١ ]
وقول بعضهم:
وهت عزماتك عند المشيب وما كان من حقها أن تهي
وأنكرت نفسك لما كبرت فلا هي أنت ولا أنت هي
وقول أبي الفضل الميكالي:
لنا صديق له حقوق راحتنا في أذى قفاه
ما ذاق من كسبه ولكن أذى قفاه أذاق فاه
ومن لطيفه قول ابن القيسراني في مدح خطيب:
شرح المنبر صدرا لتلقيك رحيبا
أترى ضمخ طيبا منك أم ضم خطيبا
وقول بعضهم في دوبيت:
هذا زمن الربيع والكاسب فيه من نادمه الحبيب والكأس بفيه
والغبن نصيب كل من نمس فيه والدهر يقول كل من نم سفيه
وقول الصفي الحلي فيه:
العيد أتى ومن تعشقت بعيد ما أصنع بعد منية القلب بعيد
ما العيش كذا لكن من عاش رغيد من غازل غزلانا ومن عاشر غيد
وأما بيت بديعيته فهو: فقد ضمنت وجود الدمع من عدم=لما جرى من عيوني إذ وشى ندمي قال ابن حجة: هذا البيت فيه الجناس الملفق على الصنعة، وتسميته على الشروط المذكورة، ولكن عجزت لعقادة تركيبه عن الطيران بأجنحة الفهم من أن أحوم له على معنى. ونظرت بعد ذلك في شرحه، فوجدته قد قال: إن لفظة (ملفق) صفة للجار والمجرور في قولي (فحي سلمى وسل ما ركبت بشذا)، يعني أن الشذا الذي أطلقته سلمى أمام الحي، كان ملفقًا، انتهى. قال بعضهم: وهذا الحل برسام حاد.
وبيت ابن حجة قوله:
ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي يسعى معي فسعى لكن أراق دمي
ولا يخفى أن معنى هذا البيت لا يرجع إلى طائل بل هو من السخافة على جانب، وقد استسمن منه ناظمه ذا ورم، ونفخ في غير ضرم على جاري عادته في نظمه ونثره، والمرء مفتون بولده وشعره.
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري:
لفقت عزمي للقيام أفوز به لكن أرى قدمي سعيًا أراق دمي
أقول: استعارة التلفيق للعزم للقيا الأحباب غير لائقة بالمحب الصادق وأين هو من قول الآخر:
وركبت للأهوال كل عظيمة شوقًا إليك لعلنا أن نلتقي
أو قول الآخر:
يا ليل ما جئتكم زائرًا إلا وخلت الأرض تطوي لي
ولا انثنى عزمي عن بابكم إلا تعثرت بأذيالي
وبيت بديعيتي قولي:
بانوا فهان دمي عندي فها ندمي على ملفق صبري بعد بعدهم
ألفاظ هذا البيت ومعناه من الوضوح بحيث لا يفتقر إلى التصدي لشرحه، وأما انسجامه وحسن معناه فموكول إلى ذوق الناظر وأنصافه، فلا حاجة إلى تعداد أوصافه.
وبيت شرف الدين المقري قوله:
قد كلمتني النوى وكل متني من وخدٍ هرى قدمي حتى هراق دمي
ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به.