إذا فرائد جيش عنده اتسقت مشى العرضنة والشعواء في ضرم
هذا النوع يختص بالفصاحة دون البلاغة، لأنه عبارة عن الإتيان بلفظة فصيحة، تتنزل منزلة الفريدة من القصيدة، وهي الجوهرة التي لا نظير لها، تدل على عظم فصاحة المتكلم وقوة عارضته، وجزالة غريبته، بحيث لو أسقطت من الكلام عري من الفصاحة، كقوله تعالى "الآن حصحص الحق" فلفظة (حصحص) فريدة، يعسر على الفصحاء الإتيان بمثلها في مكانها. ومثلها لفظة (الرفث) في قوله تعالى "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم". ولفظة (فزع) في قوله تعالى "حتى إذا فزع عن قلوبهم". و"خائنة" في قوله تعالى "خائنة الأعين".
ومثاله في الشعر قول أبي بكر الهدلي:
ومبرء من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل
فقوله: غبر، بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعدها راء مهملة، بمعنى بقايا الحيض، أنصح لفظ لمثل هذا المكان، وقوله: مغيل، اسم فاعل من أغيلت المرأة ولدها، إذا أرضعته وهي حامل، ويقال: أغالته أيضًا فهي مغيل، كمفيد، والولد مغال ومغيل. وفي حديث (لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يضرهم) .
وقول حسان:
كم قد ولدنا من نجيب قسور دامي الأظافر أو ربيع ممطر
سدكت أنامله بمرهف باتر وتثير فائدة وذروة منبر
الشاهد، في قوله: سدكت أنامله، فإن لفظة (سدكت) فريدة لا يقوم مقامها غيرها. يقال: سدك به كف، أي لزمة.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
ومن له حاور الجذع اليبيس ومن بكفه أورقت عجراء من سلم
الشاهد في قوله: عجراء وهي العصا المعقدة. قال في شرحه: ولا يعبر عن صلابة العصا وتعقدها بمثلها.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
وشم وميض بروق من فرائده وانظم حنانيك عقدا غير منفصم
[ ١ / ٤١٦ ]
قال في شرحه الفرائد في هذا البيت ثلاثة، هي، شم وحنانيك ومنفصم.
وأنا أقول: أما قوله: شم، فمسلم على أنها لفظة فصيحة في نفسها، إلا أنها وقعت في غير موقعها، لأن معناها -على ما في القاموس- تحنن علي مرة بعد مرة، وهذا المعنى لا يناسب المقام كما لا يخفى. وأما قوله: منفصم، فليس بتلك المثابة من الفصاحة، والفصم -على ما في الصحاح- كسر الشيء من غير أن يبين، فجعله صفة للعقد إنما هو على طريق التوسع، فلو لم تكن القافية ميمية إذا أسقطت عري الكلام عن الفصاحة. والفرائد في بيت ابن حجة جرى على العكس من ذلك في اللفظين المذكورين والله أعلم.
وبيت بديعية المقري قوله:
لقد سما في تضاعيف السما رتبا حديثها كان قبل الكون في القدم
قال في شرحه: الفريدة فيه: تضاعيف.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فالقبض والبسط للأكوان قد جمعا في كفه ونمير مقنع لظمي
الفريدة فيه: نمير مقنع.
وبيت بديعيتي قولي:
إذا فرائد جيش عنده اتسقت مشى العرضنة والشعواء في ضرم
الفرائد فيه: اتسقت، والعرضنة، والشعواء. يقال: هو يمشي العرضنة: إذا مشى مشية في شق من نشاطه، وهي بكسر العين وفتح الراء المهملتين وبعدها ضاد معجمة ساكنة ثم نون مفتوحة، والشعواء: الغارة الغاشية المتفرقة.
ولم ينظم السيوطي، ولا الطبري، هذا النوع والله أعلم.