[ ١ / ٤٠٣ ]
وهو ما يقصده المتكلم من إيراد التشبيه، وهو يعود في الأغلب إلى التشبيه، وقد يعود إلى المشبه به. فالأول على وجوه: أحدها، بيان حاله، كما في تشبيه ثوب بثوب آخر في السواد، إذا علم لون المشبه به دون المشبه. وهذا الوجه يقتضي كون المشبه أعرف بوجه الشبه.
الثاني: بيان مقدار حاله في القوة والضعف، والزيادة والنقصان.
كما إذا شبهت أسود بخافية الغراب، قال:
مداد مثل خافية الغراب وأقلام كمرهفة الحراب
وعليه قول الآخر:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع
أي بلغت في بوار سعيي في الوصول إليها، وأن أمنع عنها، أقصى الغايات، حتى لم أحظ بما قل ولا كثر، وهذا الوجه يقتضي كون المشبه به أخص من المشبه بوجه الشبه، مساويا له في المقدار حقيقة أو ادعاء.
الثالث: بيان وجوده، كما إذا شبه معقول في الذهن بأحد أفراده في الخارج، دلالة على وجوده، نحو الكلمة، كزيد، ويسمى مثلا.
الرابع: بيان إمكان وجوده، وذلك عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بينا، فيمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه، فيؤتى بالتشبيه لبيان إمكانه.
كقول ابن الرومي:
كم من أب قد علا بابن ذرى شرف كما علت برسول الله عدنان
وقول أبي الطيب:
فإن نفق الأنام وأنت منهم فان المسك بعض دم الغزال
فانه أراد أن يقول: إن الممدوح قد فاق الناس، بحيث لم يبق بينهم وبينه مشابهة، بل صار أصلا برأسه، وجنسا بنفسه. وهذا في الظاهر كالممتنع، لاستبعاد أن يتناهى بعض آحاد النوع في الفضائل الخاصة بذلك النوع، إلى أن يصير كأنه ليس منها، فاحتج لهذه الدعوى وبين إمكانها، بان شبه حاله بحال المسك الذي هو من الدماء، ثم أنه لا يعد من الدماء، لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم.
فان قلت: أين التشبيه في هذا البيت؟.
قلت: يدل البيت عليه ضمنا، لأن المعنى: إن نفق الأنام مع أنك واحد منهم، فلا استبعاد في ذلك، لأن المسك بعض دم الغزال وقد فاته حتى لا يعد منه، فحالك شبيه بحال المسك. وليسم مثل هذا تشبيها ضمنيا، أو تشبيها مكنيا عنه. قاله التفتازاني في شرح التلخيص. وهذا الوجه كالذي قبله يقتضي كون المشبه به مسلم الحكم، فيكون أعرف به لا محالة.
الخامس: تقدير حاله عند السامع، وتقوية شأنه، كما إذا شبهت من لا يحصل من سعيه على طائل، بمن يرقم على الماء، فانك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة، وتقوية شأنه ما لا تجد في غيره، وما ذلك إلا لان إلف النفس بالحسيات أتم من إلفها بالعقليات، لتقدم الحسيات على العقليات بالزمان.
ألا ترى انك إذا أردت الإشارة إلى تنافي شيئين فأشرت إلى ماء ونار، وقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثير ذلك زائدا على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك لو قلت في وصف طول يوم: يوم كأطول ما يتوهم، أو كأنه لا آخر له.
أو أنشدت قول الشاعر:
في ليل صول تناهى العرض والطول كأنما ليله بالليل موصول
لم يجد فيه السامع من الأنس ما يجده في قول الآخر:
ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطكاك المزاهر
وما ذاك إلا للتشبيه المحسوس، وإلا فالأول أبلغ، لأن طول الرمح متناه، وفي الأول حكمت بان الليل موصول. وكذلك إذا قلت في قصر اليوم: يوم أقصر ما يكون، وكأنه ساعة أو لمحة بصر.
لم تجد فيه ما تجده في قول القائل:
ظللنا عند دار أبي أنيس بيوم مثل سالفه الذباب
وقوله:
ويوم كإبهام القطاة مزين إلي صباه غالب لي باطله
وهذا الوجه يقتضي كون وجه الشبه في المشبه به أتم، وهو به أشهر.
السادس: تقرير تحقيقه كيلا يستبعد وقوعه كقوله تعالى "وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة" قرر ما لم تجربه العادة من نتق الجبل فوق رؤوسهم، بالتشبيه بما جرت به العادة من الظلة المحسوسة، وهي كل ما أظلك، وهذا الوجه يقتضي كون وجه الشبه في المشبه به أشهر.
والفرق بينه وبين قول المتنبي (وإن تفق الأنام) البيت، إن ذاك مستبعد عقلا، وهذا لا يستبعده العقل أصلا، لجزمه بان مثله سهل على الله جلت قدرته، لكنه خارق للعادة، وللنفس بالعادة إلف عظيم، فشبه بما هو معتاد.
السابع: إظهار التزيين للترغيب فيه، كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وعليه قول القائل:
رب سواد وهي بيضاء معنى يحسد المسك عندها الكافور
مثل حب العيون تحسبه النا س سوادا وإنما ونور
الثامن: إظهار التشويه للتنفير عنه، كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة، وهذا الوجه والذي قبله يقتضيان كون الاستحسان والاستقباح، في المشبه به أتم. قال بعضهم: والتشبيه في طرفي الترغيب والتنفير أبلغ من سائر الصفات.
كقول البحتري في الورد:
أما ترى الورد يحكي خجله ظهرت في صحن خد من المعشوق منعوت
كأنه فوق ساق من زبرجدة نثر من التبر في محمر ياقوت
حيث شبهه بصورة خد المعشوق، ومثله بالتبر والياقوت والزبرجد وبضده فعل ابن الرومي لا شكر سعيه فيه حيث قال:
وقائل لم هجوت الورد مقتبلا فقلت من شؤمه عندي ومن سخطه
كأنه سرم بغل حين أخرجه عند البراز وباقي الروث في وسطه
التاسع: قصد استطرافه، وذلك أن يكون المشبه به أمرا غريبا نادر الحضور في الذهن مطلقا، فيكتسي المشبه غرابة منه، فيستطرف كما في تشبيه فحم فيه جمر متوقد، ببحر من المسك موجه الذهب لإبرازه في صورة الممتنع عادة.
وقط نظمت ذلك فقلت:
انظر إلى الفحم فيه الجمر متقد كأنه بحر مسك موجه الذهب
أو يكون نادر الحضور عند ذكر المشبه، كما في قول ابن المعتز في البنفسج:
ولازوردية تزهو برزقتها بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها أوائل النار في أطراف كبريت
فان صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب، وإنما النادر حضورها عند حضور البنفسج، فإذا حضر مع صحة الشبه استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى ناراهما.
ووجه آخر: وهو أنه أثبت التماثل بين أوراق رطبة غضة ناضرة يجري فيها ماء الحسن، وجسم ذابل يابس استولى عليه لهب النار، مع أنهما لا يتعانقان في خيال أبدا، ولذلك بلغ من الاستطراف حدا يتنافس فيه.
يحكى أن جريرا قال لما أنشد عدي بن الرقاع قوله:
عرف الديار توهما فاعتادها من بعد ما لبس أبلادها
إلى قوله: (تزجي أغن كان إبرة روقه) رحمته، وقلت: قد وقع، ما عساه أن يقول وهو أعرابي جلف جاف.
فلما قال: (قلم أصاب من الدواة مدادها) استحالت الرحمة حسدا وما كنت رحمته أولًا، وحسده ثانيًا، إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه بذكر ما لا يحضر له في بدء الفكر شبه، وهو أعرابي جلف ليس ممن يتعمق في الفكر، ويمعن النظر، حتى يفوز بما هو مناسب، رحمه، وحين رآه ظفر بأقرب صفة لا يجتمع معه في أبدى ذهن حسده.
ومن النادر الحضور، لتباعد الطرفين وندرة اجتماع أحدهما مع الآخر ما يحكى أن أبا تمام لما انتهى في قصيدته البائية إلى قوله:
يرى أقبح الأشياء خيبة آمل كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور تفتحه الصبا
وقف يردده ويطلب مشبها به، فإذا سائل بالباب يقول: من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا، فقال (بياض العطايا في سواد المطالب) .
والثاني، وهو كون الغرض عائدا إلى مشبه به على نوعين.
أحدهما: إيهام أن المشبه به أتم في وجه التشبيه للمبالغة، لان المشابه حقه أن يكون أعرف بوجه التشبيه وأقوى، فإذا عكس كان مبالغة.
كقول محمد بن وهيب:
وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح
فانه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والإنارة، وفي قوله: حين يمتدح، دلالة على إنصاف الممدوح بمعرفة حق المادح، وتعظيم شأنه عند الحاضرين بالإصغاء إليه والارتياح له، وعلى كونه كاملا في الكرم، يتصف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح.
ويسمى هذا النوع: التشبيه المقلوب، وقد يسمى بالطرد والعكس، لأن عود الفائدة إلى ما هو مشبه حقيقة مطرد وإن عكس التشبيه. وتقرير ذلك أن الغرض العائد إلى المشبه لا يتفاوت إذا كان منعكسا إلا في بيان المبالغة، لأنك إذا قلت: الأسد كزيد، كان الغرض يعود إلى وصف زيد، لكن أبلغ من الأول، ففي كلا الحالتين الغرض عائد إلى المشبه، ومطرد في حقه.
[ ١ / ٤٠٥ ]