من رام رشد أخي غي هدى واتى كلامه جامعا للصدق لا التهم
الكلام الجامع هو عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت يكون جملته حكمة، أو موعظة، أو نحو ذلك من الحقائق الجارية مجرى الأمثال. هكذا قال غير واحد من البديعيين. وقال الطيبي في التبيان: هو أن يحلي المتكلم كلامه بشيء من الحكمة والموعظة، وشكاية الزمان والإخوان، وهذا اعم من الأول
تعلم يا فتى والعود رطب وطينك لين والطبع قابل
فأن الجهل واضع كل عال وأن العلم رافع كل خامل
فحسبك يا فتى شرفا وعزا سكوت الحاضرين وأنت قائل
ومنها ما كتب به الصاحب بهاء الدين الجويني إلى ابنه شمس الدين:
بني اجتهد في اقتناء العلوم تفز باجتناء ثمار المنى
ألم تر في رقعة بيدقا إذا جد في سيره فززنا
فأجدادنا الغر قد أسسوا من المجد شم المباني لنا
فأن لم نشدها بمجهودنا سينهار والله ذاك البنا
وقول أبي تمام:
[ ١ / ١٥١ ]
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا ما كان يعرف طيب عرف العود
وقول الآخر:
من عاشر الشرفاء شرف قدره ومعاشر السفهاء غير مشرف
فانظر إلى الجلد الحقير مقبلا بالثغر لما صار جار المصحف
وقول ابن الرومي:
وما الشرف الموروث لادّر درّه بمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة من المثمرات اعتده الناس في الحطب
وقول التهامي:
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسنى لا بحسنهم وطولهم في المعالي لا بطولهم
وقول أبي فراس:
كانت مودة سلمان لهم نسبا ولم تكن بين نوح وابنه رحم
وقول الآخر:
سأنفق ريعان الشبيبة آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وقول الآخر:
على المرء أن تسعى لما فيه نفعه وليس عليه أن يساعده الدهر
فأن نال بالسعي المنى تم أمره وأن عرض المقدور كان له عذر
وقول الآخر:
غرست غروسا كنت أرجو لقاحها آمل يوما أن تطيب جناتها
فأن أثمرت لي غير ما كنت آملا فلا ذنب لي أن حنظلت نخلاتها
وقول الآخر:
حاول جسيمات الأمور ولا تقل أن المحامد والعلى أرزاق
فارغب بنفسك أن تكون مقصرا في غاية فيها الطلاب سباق
وقول العتابي يخاطب محبوبته:
تحبين أني نلت ما نال جعفر من الملك أو نال يحيى بن خالد
فقالت: نعم، فقال:
وأن أمير المؤمنين أحلني محلهما بالمرهفات البوارد
فقالت: لا، فقال:
دعيني ميتتي مطمئنة ولم أتجثم هول تلك الموارد
فأن جسيمات الأمور منوطة بمستودعات في بطون الأساود
هذه جملة ما أورده الطيبي من أمثال الحكمة، ونزيد نحن عليها فنقول: منها قول أبي الأسود الدؤلي لابنه، بعد أن قال له: يا بني إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستقثلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فأبسط، وإذا أمسك عليك فامسك ولا تجاود الله أجود منك. واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والعلماء حكام الملوك.
ثم أنشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدت فان يسرف وتبذر لقيت الضر والعطبا
والعلم زين وتشريف لصاحبه فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدب حتى يكون على ما زانه حدبا
كم من حسيب أخي عي وطمطة فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
في بيت مكرمة آباؤه نجب كانوا رؤوسا فأمسى بعدهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أرب نال المعالي بالآداب والرتبا
أضحى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاذ له نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع ما لا ثم يسلبه عما قليل فيلقى الذل والحربا
وحامل العلم مغبوط به أبدا ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لا تعدلن به درا ولا ذهبا
وقول الآخر:
إذا قل ماء الوجه قل بهاؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياؤك فاحفظه عليك فإنما يدل على فضل الكريم حياؤه
وقول ابن دريد في مقصورته:
من لم يعظه الدهر لم ينفعه ما راح به الواعظ يوما أوغدا
من لم تفده عبرا أيامه كان العمى أولى به من الهدى
من قاس ما لم يره بما رأى أراه ما يدنوا إليه ما نأى
من ملك الحرص القياد لم يزل يكرع في ماء من الذل صرى
من عارض الأطماع باليأس رنت إليه عين العز من حيث رنا
من عطف النفس على مكروهها كان الغنى قرينه حيث انتوى
من لم يقف عند انتهاء قدره تقاصرت عنه فسيحات الخطا
من ضيع الحزم جنى لنفسه ندامة ألذع من سفع الذكا
[ ١ / ١٥٢ ]
من ناط بالعجب عرى أخلاقه نيطت عرى المقت إلى تلك العرى
من طال فوق منتهى بسطته أعجزه نيل الدنا بله القصل
من رام ما يعجز عنه طوقه ملعب يوما آض مخزول المطا
والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف أن أمر عنى
وقول الشنفرى في لاميته وهي المعروفة بلامية العرب:
من الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متحول
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
وقول مؤيد الدين الطغرائي في لامية العجم:
حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فأن جنحت إليه فاتخذ نفقا في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على ركوبها واقتنع منهن بالبلل
ومنها:
أعدى عدوك أدنى من وثقت به فحاذر الناس واصحبهم على دخل
غاص الوفاء وفاض الغدر وانفرجت مسافة الخلف بين القول والعمل
وحسن ظنك بالأيام معجزة فظن شرا وكن منها على وجل
وقال آخر:
بقدر الصعود يكون الهبوط فإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما سقط ت تقوم ورجلاك في عافية
وقول ابن الشبل البغدادي وأجاد:
غاية الحزن والسرور انقضاء ما لحي من بعد ميت بقاء
غير أن الأموات مروا فأبقوا غصصا لا يسيغها الأحياء
نتمنى وفي المنى يذهب العم ر فيغدو بما يسر يساء
إنما الناس قادم إثر ماض بدء قوم لآخرين انتهاء
موت ذا العالم المؤيد بالنط ق وذا السارح البهيم سواء
لا شقي بفقده تبسم الأر ض ولا للتقى تبكي السماء
صحة المرء للسقام طريق وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحيا أقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كانت ولا كان أخذها والعطاء
راجع جودها عليها فمهما يهب الصبح يسترد المساء
ليت شعري حلما تمر به الأي ام أم ليس تعقل الأشياء
من فساد يكون في عالم الكو ن فما للنفوس منه اتقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجس م ففيم الشقا وفيم العناء
قبح الله لذة لشقانا نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفق د فإيجادنا علينا بلاء
وقول أبي تمام:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها أهلاُ بأهل وجيرانا بجيران
ومن الموعظة قول الصعلوكي:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا أخضر منها جانب جف جانب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة على ذاهب منها فأنك ذاهب
وقال ابن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة وأيامنا تطوى وهن مراحل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام تعد قلائل
وقال الآخر:
وما الليل والأيام إلا منازل يسير بها سار إلى الموت قاصد
فيا عجبا منها وتلك عجيبة منازل تسري والمسافر قاعد
وقال ابن هاني
وما الناس إلا ظاعن ومودع وثاوٍ قريح الجفن يبكي لراحل
وما هذه الأيام إلا كما ترى وهل نحن إلا كالقرون الأوائل
نساق من الدنيا إلى غير دائم ونبكي من الدنيا على غير طائل
فما عاجل نرجوه إلا كآجل ولا آجل نخشاه إلا كعاجل
وقيل عاش عبيد الجرهمي ثلثمائة سنة، وأدرك زمن معاوية، فدخل عليه وقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا.
فاغرورقت عيناي وتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب أنك من أسماء مغرور فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
فلست تدري وما تدري أعاجلها أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
واستقدر الله خيرا وارضين به فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
[ ١ / ١٥٣ ]
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور
فقيل لي: أتعرف قائلها؟ قلت: لا، قيل: قائلها: هذا المدفون، وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس به رحما وأسرهم بموته، فقال معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قال: عثير بن لبيد العذري.
وقريب من هذا الاتفاق، ما حكاه القاضي ابن خلكان في تاريخه_وفيات الأعيان_قال: أخبرني بعض الفضلاء أنه رأى في مجموع: أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي ﵁ ببغداد وهو لا يعرفها وقد أخنى عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وخلقت ديباجتها؛ وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن الشارة؛ فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان.
وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور:
ولقد وقفت على ربوعهم وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضج من لغبٍ نضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت عني الديار تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الأبيات فقال له: هل تعرف هذه الدار لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق.
وانشد بديع الزمان في مقاماته، لزين العابدين بن الحسين ﵉:
هم في بطون الأرض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دوائر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم وساقتهم نحو المنايا المقادر
وأضحوا رميما في التراب وأقفرت مجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلو بدور لا تزاور بينهم وأنى لسكان القبور تزاور
يرى مغردا في لحده وتوازعت مواريثه أرحامه والأواصر
وأضحوا على أمواله يهضمونها ولا حامد منهم عليه وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها ويا آمنا من أن تدور الدوائر
على خطر تمسي وتصبح لاهيا أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
أتخرب ما يبقى وتعمر فانيا فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي ودينك منقوص ومالك وافر
وكيف يلذ العيش من هو موقن بموقف عدل يوم تبلى السرائر
وأن امرءًا يسعى لدنياه دائبا ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
وقال العلوي الكوفي:
مررت بدور بني مصعب بدور السرور ودور الفرح
فشبهت سرعة أيامهم بسعة قوس يسمى قزح
تلون معترضا في السما ء فلما تمكن منها نزح
هذا ما أورده الطيبي من أمثال الموعظة.
قلت: ومنها ما أنشده العلامة النيسابوري في كتاب خلق الإنسان، قال كان الحسين بن علي سيد الشهداء كثيرا ما ينشد هذه الأبيات، وتزعم الرواة أنها مما أملته نفسه الطاهرة على لسان مكارمها الوافرة:
لأن كانت الأفعال يوما لأهلها كما لا فحسن الخلق أبهى وأكمل
وإن كانت الأرزاق رزقا مقدرا فقلة جهد المرء في الكسب أجمل
وإن كانت الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت=فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأموال للترك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل
وأنشد لأحمد بن أبي طاهر في التوسط بين الدنيا والدين، وقضاء كل واحد منهما في حينه:
ركبت الصبا حتى إذا ما ونى الصبا نزلت من التقوى بأكرم منزل
ودين الفتى بين التماسك والنهى ودنيا الفتى بين الهوى والتغزل
وقال آخر:
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا وبنوا مساكنهم فما سكنوا
وكأنهم كانوا بها ظعنا لما استراحوا ساعة ظعنوا
وقال آخر:
وما الدهر إلا شره قبل خيره ولذات عيش غالبتها الفجائع
فثغر بأيام المسرة ضاحك طرف بأيام الحوادث دامع
وقال آخر:
غنى المرء ما يكفيه عن سد خلة فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
وقال آخر:
أيا جامع المال وفرته لغيرك إذ لم تكن خالدا
فإن قلت أخشى صروف الزما ن فكن من تصاريفه واحدا
وقال آخر:
ومن البلاء وللبلاء علامة أن يرى لك عن هواك رجوع
والعبد عبد النفس في شهواتها والعبد يشبع مرة ويجوع
[ ١ / ١٥٤ ]
ومن الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي ﵇:
وما الدهر والأيام إلا كما ترى رزية مال أو فراق حبيب
وإن امرءًا قد جرب الدهر لم يخف تقلب حاليه لغير لبيب
ومنه:
فرض على الناس أن يتوبوا لكن ترك الذنوب أو جب
والدهر في صرفه عجيب وغفلة المرء فيه أعجب
والصبر في النائبات صعب لكن فوت الثواب أصعب
وكل ما يرتجى قريب والموت من كل ذاك أقرب
ومنه:
أرى الدنيا ستؤذن بانطلاق مشمرة على قدم وساق
فما الدنيا بباقية لحي ولا حي على الدنيا بباق
ومنه:
فمن يحمد الدنيا لعيش يسره فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أقبلت كانت على المرء حسرة وإن أدبرت كانت كثيرا همومها
وقال آخر:
تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى زوال
أخر:
ألا يا نفس أن ترضي بقوت فأنت عزيزة أبدا غنيه
دعي عنك المطامع والأماني فكم أمنية جلبت منية
آخر:
نهاية أهواء القلوب بعيدة ومن دونها للحدثات مصائد
فنحن كطير يبتغي الحب مسرعا ودون الذي يبغيه فخ وصائد
آخر:
يجد بنا الزمان ونحن نلهو ولا ندري متى يرد الحمام
ويخدعنا الهوى في ظل عيش يمر بنا كما مر الغمام
كركب سفينة في لج بحر تسير بهم وهم فيها نيام
(قال) أبو الفتح البستي:
يا من يؤمل في دنياه عافية أبعدت ما أنت في دار المعافاة
دنياك ثغر فكن منها على حذر فالثغر مأوى مخافات وآفات
(وقال) عبدة بن الطبيب:
المرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح وإشفاق وتأميل
آخر:
متى تنقضي حاجات من ليس بالغا إلى حاجة حتى تكون له أخرى
آخر:
تموت مع المرء حاجاته وحاجات من عاش لا تنتهي
وقال آخر:
دنياك دار غرور ومتعة مستعارة
ودار كسب ولبس ومغنم وتجارة
ورأس مالك نفس فاحذر عليها الخسارة
فلا تبعها بأكل وطيب عيش وشاره
فأن ملك سليما ن لا يقي يشراره
وقال محمد بن ظفي المكي صاحب سلوان المطاع:
يا متعبا كده الحر ص في الفضول وكاده
لو حزت ما حاز كسرى وما حوى وأفاده
ما كنت إلا معنى ومغرما بالزيادة
لم يصف في الأرض عيش إلا لأهل الزهاده
فرض على الزهد نفسا فإنما الخير عادة
وقلت أنا في نوع الموعظة:
لا تجزعن إذا نابتك نائبة ولا تضيقن من خطب إذا نابا
ما يغلق الله بابا دون قارعة إلا ويفتح بالتيسير أبوابا
ومن الكلام الجامع في شكاية الزمان قول أبو العلاء المعري:
منك الصدود ومني بالصدود رضى من ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
إذا الفتى ذم عيشا في شبيبته فما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت عن كل بمشبهه فما وجدت لأيام الصبا عوضا
الشاهد في البيت الثالث.
وقول الشريف الرضي ﵁:
واها على عهد الشباب وطيبه والغض من ورق الشباب الناضر
واها له ما كان غير دجنة قلصت صبابته كظل الطائر
وأرى المنايا إن رأت بك شبيه جعلتك مرمى نبلها المتواتر
كان السواد سواد عين حبيبه فغدا البياض بياض طرف الناظر
لو يفتدى ذاك السواد فديته بسواد عيني بل سواد ضمائري
أبياض رأس واسوداد مطالب صبرا على حكم الزمان الجائر
وقال آخر:
فسلام على المروة والدي ن وربعي ذراهما المأنوس
حيث فعل الأيام ليس بمذمو م ووجه الأيام غير عبوس
وقال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم وأتيناه على الهرم
وذيله السيد علي بن الأبزر من شعراء العصر فقال:
فهم على كل حال أدركوا هرما ونحن جئناه بعد الموت والعدم
[ ١ / ١٥٥ ]
وقال أبو العلاء المعري:
تمتع أبكار الزمان بأسره وجئنا بوهن بعد ما خرف الدهر
فليت الفتى كالبدر جدد عمره يعود هلالا كلما فني الشهر
وقال أيضًا:
كأنما الخير ماء كان وارده أهل العصور وما ابقوا سوى العكر
وقال ابن شماخ:
صفا للأولى قبلي أتوا در دهرهم فلم يصف لي مذ جئت بعدهم غير
فجاؤا إلى الدنيا وعصرهم ضحى وجئت وعصري من تأخره عصر
وقال ابن قاسم المحدث:
لقي الناس قبلنا غرة الده ر ولم نلق منه إلا الذنابى
وقال ابن الخياط المكفوف الأندلسي:
لم يخل من نوب الزمان أديب كلا فشأن النائبات تنوب
وغضارة الأيام تأبى أن يرى فيها لأبناء الذكاء نصيب
ولذاك من سأل الليالي طالبا جدا ًوفهما ًفاته المطلوب
(وقال) ابن لنكك البصري:
عجبت للدهر في تصرفه وكل أفعال دهرنا عجب
يعاند الدهر كل ذي أدب كأنما ناك أمه الأدب
(وقال) ابن نباتة السعدي:
سقام لا يصاب له طبيب وأيام محاسنها عيوب
ودهر ليس يقبل من أديب كما لا يقبل التأديب ذيب
يحب على المصائب والرزايا فلا كان المحب ولا الحبيب
فائدة_قال زكريا بن محمد القزويني في عجائب المخلوقات: اعتقد الحكماء أن الحوادث أسبابها أوضاع الفلك، فلذلك يشكون من الزمان ومن الدهر.
كما قال قائلهم:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمي وليس برام
ولو أنها نبل إذن لا تقيتها ولكنني أرمى بغير سهام
فلما ورد الشرع نبه على أن الأمر ليس كما اعتقدوا بل الحوادث بقضاء الله تعالى، وقال ﵌: لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله. انتهى كلام صاحب العجائب.
وقد خطر لي هنا سؤال وجواب ذكرتهما في رسالتي التي سميتها (نفثة المصدور) ولا بأس بذكرهما هنا لما (فيهما من) الغرابة.
أما السؤال- فهو أنه إذا كان شكوى الزمان وذمه هو رأي الحكماء وقد ورد الشرع بالنهي عن هذا الرأي والاعتقاد، فكيف يستجيز متشرع ذم الزمان وشكواه؟ وقد وقع ذلك في كلام كثير من علماء المسلمين نظما ونثرا.
والجواب: أنا لا ندم الزمان من حيث أنه سبب للحوادث كما هو اعتقاد الحكماء، بل من حيث أنه ظرف للحوادث المكروهة، وهذا كما يذم الإنسان السنة المجدية، واليوم الشديد الحر، والبلدة الوخمة ألهواء الكريهة الماء، ونحو ذلك، وعلى هذا ورد ذم الدنيا في الأحاديث الشريفة، فلا يرد علينا ما ذكره من هذه الجهة، فافهم وبالله التوفيق.
وأما شكاية الإخوان فمنها قول أبي العلاء المعري:
وليس صبا يفاد وراء شيب بأعوز من أخي ثقة يفاد
وقول أبي فراس بن حمدان:
أراني وقومي فرقتنا مذاهب وإن جمعتنا في الأصول المناسب
فأقصاهم أقصاهم من مساءتي وأقربهم مما كرهت الأقارب
غريب وأهلي حيث ماكر ناظري وحيد وحولي من رجالي عصائب
وأعظم أعداء الرجال ثقاتها وأهون من عاديته من تحارب
وما أحسن قول أحمد بن نظام الملك:
ولما بلوت الناس أطلب منهم أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطعنت من حالي رخاء وشدة وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ولم أر فيما سرني غير حاسد
وكتب المعتصم إلى ابن عمار:
وزهدني في الناس معرفتي بهم وطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلا تسرني مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة من الدهر إلا كان إحدى النوائب
فأجابه بقطعة طويلة أولها:
فديتك لا تزهد فثم بقية سيرغب فيها عند وقع التجارب
وقال آخر:
أناس أمناهم فنموا حديثنا فلما كتمنا السر عنهم تقولوا
ولم يحفظوا الود الذي كان بيننا ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا
وقال آخر:
أحذر عدوك مرة وأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصدي ق فكان أعرف بالمضرة
وقال آخر:
وما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
(وقال) آخر:
[ ١ / ١٥٦ ]
دعوى الإخاء على الرخاء كثيرة بل في الشدائد تعرف الإخوان
(وقال) آخر:
أخلاء الرخاء هم كثير ولكن في البلاء هم قليل
فلا تغررك خلة من تواخي فمالك عند نائبة خليل
(وقال) أبو العلاء المعري:
جربت دهري وأهليه فما تركت لي التجارب في ود امرئ غرضا
(وقال) أبو فراس:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ومن أين للحر الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ذئابا على أجسادهن ثياب
وقد أنصف من قال:
خليلي جربت الزمان وأهله فما نالني منهم سوى الهم والعنا
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد خليلا يوافي بالعهود ولا أنا
ولنكتف في هذا المعنى بهذا المقدار. وقد عقدت لكل من ذم الزمان وذم أبناء فصلا في (نفثة المصدور) وذكرت فيهما من النثر والنظم ما يشفي الصدور، فمن أراد بذلك فعليه بها.
تنبيه- قد بينا لك أن تعريف صاحب التبيان للكلام الجامع أعم من تعريف سائر البديعيين له، وعلى تعريفه جرى كثير من هذه الأمثلة التي ذكرها وذكرناها، وفيها ما هو جار على طريقتهم أيضًا، وإني لأستحسن تعميمه هذا تبعا للعلامة الكرماني شارح التبيان.
وأما أصحاب البديعيات فلم يبنوا أبياتهم إلا على ذلك فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
من كان يعلم أن الشهد مطلبه فلا يخاف للدغ النحل من ألم
هذا المعنى مطروق جدا لكنه أحسن الأتباع، وجاء فيه من الكلام الجامع والرقة والانسجام ما شنف الأسماع وأبهج الطباع.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
كلامه جامع وصف الكمال كما يهيج الشوق أنواعا من الرتم
قال ابن حجة: قد تقرر أن الكلام الجامع، أن تأتي الناظم ببيت حلته حكمة أو موعظة أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال، وليس بين الشطر الأول من البيت وبين الشطر الثاني مناسبة، ولم أر لجريان المثل دخولا في باب هذا البيت. انتهى، وهو انتقاد في محله.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمته وجوده عند أهل الذوق كالعدم
قال ناظمه: حكمة هذا البيت، ما أجريت مثلها على هذا النمط، إلا ليعلم المتيقظ أن فيه إشارة لطيفة إلى بيت عز الدين، فإني قررت أن ليس في كلامه الجمع ما يشعر بحكمة تجري مجرى الأمثال، فوجوده كالعدم. انتهى.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
من حام حول الحمى يا ذاك يوشك أن يرعى به أن ذا من جامع الكلم
هذا اقتباس من الحديث المشهور، وهو: من رتع حول الحمى يوشك أن يخالطه. ولا يخفى تداعي بناء هذا البيت.
وبيت بديعيتي قولي:
من رام رشد أخي غي هدى واتى كلامه جامعا للصدق لا التهم
إني خاطبت العاذل ببيت التفويف وقلت له:
أحسن أسيء ظن حقق ادن أقص أطل حك وش فوف أبن اخف ارتحل أقم
والمعنى: أن كل ما تفعله من هذه الأفعال غير مقبول، ولا ملتفت إليه.
حسن إيراد هذا البيت وهو بيت الكلام الجامع بعده، وقام مقام التعليل لعدم الالتفات إليه، وصح إجراؤه مجرى المثل، لأن معناه، أن من يروم إرشاد الغاوي ينبغي أن يهديه، وان يكون كلامه جامعا للصدق لا للتهم فكلام العاذل لما كان متهما فيه لم يلتفت إليه. وهذا البيت يصح أن يتمثل به لكل من أظهر النصيحة والإرشاد وهو منطو على خلاف ذلك.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
لا يدرك الرتبة العلياء ذو دعة لا بد من تعب فيها ومن سأم.