لفي ونشري انتهائي مبدئي شغفي معهم لديهم إليهم منهم بهمِ
اللف والنشر هو أن تذكر متعددًا، أما تفصيلًا بالنص على كل واحد أو إجمالًا، بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، وهذا هو اللف. ثم تذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم من غير تعيين، أشياء بأن السامع يرد كل واحد إلى ما يليق به، وهذا هو النشر.
فالأول وهو ذكر المتعدد تفصيلًا ضربان:
[ ١ / ٦٨ ]
أحدهما: ما كان النشر فيه على ترتيب اللف، بأن يكون الأول من النشر للأول من اللف، والثاني للثاني، وهكذا على الترتيب، وهذا الضرب هو الأكثر في هذا النوع والأشهر فيه، ومثاله قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) ذكر الليل والنهار على التفصيل، ثم ذكر ما لليل وهو السكون فيه، وما للنهار وهو الابتغاء من فضل الله على الترتيب.
وقول الشاعر:
الست أنت الذي من ورد وجنته وورد نعمته أجني وأغترفُ
وقول البهاء زهير:
ولي فيك قلب بالغرام مقيد له خبر يرويه طرفي مطلقا
ومن فرط وجدي في لماه وثغره أعلل قلبي بالعذيب وبالنقا
وقول ابن نباتة:
سألته عن قومه فانثنى يعجب من إسراف دمعي السخي
وأبصر المسك وبدر الدجى فقال ذا خالي وهذا أخي
وقول السيد أحمد المغربي من شعراء العصر:
إذا طال قرن أو تعرض مارق فهذا له قد وهذا له قط
فالقد: الشق طولًا، والقط: القطع عرضًا.
وبديع قول ابن مكنسة:
والسكر في وجنته وطرفه يفتح وردًا ويغض نرجسا
وقول مؤلفه عفا الله عنه، وفي كل من الأبيات الثلاثة شاهد له نحن فيه:
أفديه من رشأ تبدى واختفى كالبدر عند طلوعه ومغيبهِ
يجفو ويعتب معرضًا متدللا ويصد معتذرًا بخوف رقيبه
نفسي الفداء له فقد حسن الهوى فيه وطاب بحسنه وبطيبه
ما شاء فليصنع فقلبي طوعه ودع العذول يلج في تأنيبه
وقوله أيضًا:
يا بريق الحياة ويا عذب البا ن لقد هجتما لقلبي وجدا
زدتماني شوقًا لظبي غرير حين أشبهتماه ثغرًا وقدا
وبعده:
هكذا كل مغرم إن شرى البر ق وهز النسيم بانًا ورندا
يستجد الأشواق وجدًا ويز داد بتذكاره على الوقد وقدا
لا أخص النسيم والبرق والبا ن وإن جددت لشوقي عهدا
كل ما في الوجود يصبي المعنى بهوى ذلك الجمال المفدى
ولابن حيوس بين ثلاثة وثلاثة:
ومقرطق يغني النديم بوجهه عن كاسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه
ومثله قول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم في الحادثات إذا دجون نجومْ
منها معالم للهدى ومصابح تجلو الدجى والأخريات رجوم
وقول الآخر:
ورد ومسك ودر خد وخال وثغرُ
لحظ وجفن وغنج سيف ونبل وسحر
شعر وقد ووجه ليل وغصن وبدر
وقول حمدة ويقال حمدونة بنت زياد المؤدب وهي خنساء المغرب، شاعرة الأندلس، وهو من عجيب شعرها:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا وليس لهم عند وعندك من ثارِ
وشنوا على أسماعنا كل غارة وقل حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي بالماء والسيف والنار
ومنهم من يزعم أن هذه الأبيات لمهجة بنت عبد الرحمن الغرناطية، وكونها لحمدة أشهر.
قال الرعيني بعد ذكر هذه الأبيات: كانت حمدة هذه من ذوي الألباب وفحول أهل الآداب، حتى أن بعض المنسلين تعلق بهذه الأهداب، وادعى نظم هذه الأبيات لما فيها من المعاني والألفاظ العذاب. وما غره في ذلك إلا بعد دارها، وخلو هذه الأبيات المشرقية من أخبارها، وقد تلبس بعضهم أيضًا بشعارها وادعى غير هذا من أشعارها.
وهو قولها:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ سقاه مضاعف الغيث العميمِ
حللنا دوحه فحنا علينا حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا الذ من المدامة للنديم
يصد الشمس أنى واجهتنا فيحجبها ويأذن للنسيم
تروع حصاة حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم
وإن هذه الأبيات نسبها أهل البلد المشرقية للمنازي من شعرائهم، وركبوا التعصب في جادة إدعائهم، وهي أبيات لم يحكها غير لسانها، ولا رقم بردتها غير إحسانها، ولقد رأيت المؤرخين من أهل بلادنا وهي الأندلس، أثبتوها لها قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود، ويتصف بلفظ الموجود.
[ ١ / ٦٩ ]
نقل الحافظ اليغموري: أن أبا نصر المنازي واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري في جماعة من أهل الأدب، فأنشد كل واحد من شعره ما تيسر.
فأنشد المنازي: (وقانا لفحة الرمضاء وادٍ) - الأبيات - فقال أبو العلاء: أنت أشعر من بالشام، ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد فدخل أبو نصر المنازي عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد، وأبو العلاء لا يعرف منهم أحدًا، فأنشد كل واحد ما حضره من شعره.
حتى جاءت نوبة المنازي فأنشد:
لقد عرض الحمام لنا بسجع إذا أصغى له ركب تلاحى
شجى قلبي الخلي فقيل غنى وبرح بالشجي فقيل ناحا
وكم للشوق في أحشاء صب إذا اندملت أجد لها جراحا
ضعيف الصبر عنك وإن تقادى وسكران الفؤاد وإن تصاحى
كذاك بنو الهوى سكرى صحاة كأحداق المها مرضى صحاحا
فقال أبو العلاء: ومن بالعراق، عطفًا على قوله: من بالشام، والله أعلم بصحة ذلك.
ومن اللف والنشر بين ثلاثة وثلاثة. قول الشيخ محمد باقشير من أهل العصر في بياع زيت جميل الصورة:
أفديه زياتًا رنا وانثنى كالبدر كالشادن كالسمهري
أحسن ما تبصر بدر الدجى يلعب بالميزان والمشتري
وفي البيت الثاني من البديع مراعاة النظير والتورية في محلين، ولله دره في هذين البيتين فلقد حاز بهما قصبات السبق في ميدان البلاغة، وأعجز صاغة القريض بحسن هذه الصياغة.
ومن غريب ما يحكى: أن الشيخ المذكور لم يكن يذوق من العربية شيئًا، وإنما نظمه من سليقة تفرغ في قوالب الكلام إبداعه وإحسانه، وتحمله على أن ينشد (ولست بنجوي يلوك لسانه) فيأتي من بديع النظم بما يشنف الآذان، ويهجم على القلوب من دون استئذان، فيبهر العقول بما يقول ويبهج النفوس بشعر المأنوس. ولا بأس بإثبات شيء منه هنا، ليكون شاهدًا على ما ذكرناه، فمنه قوله يهجو جارية له سوداء مداعبًا، وكتبها إلى السيد أحمد بن مسعود بن حسن الحسيني.
أبت صروب القضا المحتوم والقدر إلا أشابة صفو العيش بالكدرِ
وإن من نكد الأيام أن قربت دار الحبيب ولكن شط عن نظري
بي من سطا البين ما لو بالجبال غدت عهنا وبالسبعة الأفلاك لم تدر
نوى الأحبة والشوق الشديد وبي جوى تجدده مهما انقضى فكري
وزادني الدهر همًا لا يعادله هم بسمراء ألهتني عن السمر
زنجية من بنات الزنج تحسبها حظي تجسم جثمانًا من البشر
كأن قامتها ليلي ومنخرها ذيلي وحسبك من طول ومن قصر
لها يد ألفت خطف الكسار ولو أمست تحوط بالهندية البتر
تسطو على القرص سطوي غير ذي جبن لو أنه بين ناب الليث والظفر
كم غادرتني من جوع ومن سغب حزنًا أعض بنان النادم الحصر
ورب يوم غدا موتي يجر عني كاساته فيه حتى عيل مصطبري
أروضها تارة عتبًا وأزجرها طورًا فلم ينهها عتبي ومزدجري
وربما أفحمتني القول قائلة ما لو أدرت جوابًا عنه لم أحر
تخشى الردى وبنود المجد خافقة على ابن مسعود فرع الفرع من مضر
ليث القساطل جرار الجحافل محطا م الذوابل أمن الخائف ألحذر
وقوله في التشبيب:
ألآل ما أرى أم حبب أم أقاح لا ولكن شنبُ
حرمت وهي حلال قد جرى في خلال الطلع منها الضرب
ما درى بارق ذياك اللمى أن لي قلبًا به يلتهب
دع لما قد نقل الراوي لنا عن لماه ما روته الكتب
آه ما أعذبه من مبسم وهو لو جاد به لي أعذب
ليت لو أن منالًا منه لي غير أن البرق منه خلب
جؤذر يرنو بعيني أغيد من مها الرمل أغن أغلب
هز عطفيه فلم يدر النقا أقنا ما هزها أم قضب
ومحيا كلف الحسن به فغدا ينشد أين المذهب
رق فاستعبد ألباب الورى فله في كل قلب ملعب
يا لها من نعمة في ضمنها مهلك هان وعز المطلب
وقوله في مليح اسمه قاسم:
يا من أبى إلا الجفا قسمة للصب آهٍ إن قسا الراحمُ
ما الصد كالوصل ولكنها ظلامة جار بها قاسم
[ ١ / ٧٠ ]
ولنكتف منه بهذا المقدار وله كل معنى مليح، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين وألف بمكة المشرفة، وهي مولده ومنشؤه وموطنه.
رجع. ومنه بين أربعة وأربعة قول بعضهم:
ثغر وخد ونهد واحمرار يد كالطلع والورد والرمان والوهجِ
وقول ابن خفاجة وليس لها في الحسن نظير:
ومهفهف طاوي الحشا خنث المعاطف والنظرْ
ملأ العيون بصورة تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغما مة والحمامة والقمر
وهذه الأبيات عارض بها قول أبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة:
يا من يمر ولا تمر به القلوب من الفرق
بعمامة من خده أو خده منها استرقْ
فكأنه وكأنها قمر تعمم بالشفق
فإذا بدا وإذا انثنى وإذا شدا وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا رح والمسامع والحدق
ولا يخفى أن أبيات ابن خفاجة تفوق هذه بترتيب اللف والنشر وتزيد عليها زيادة العشرين على العشر.
ومنه بين خمسة وخمسة.
قول أبي جعفر الأندلسي رفيق بن جابر وشارح بديعيته:
ملك يجيء بخمسة من خمسة كفي الحسود بها فمات لما به
من وجهه ووقاره وجواده وحسامه بيديه يوم ضرا به
قمر على رضوى تسير به الصبا والبرق يلمع من خلال سحابه
وقول أبي محمد بن حزم الأندلسي:
خلوت بها والسراح ثالثة لنا وجنح الظلام الليل قد مد واعتلج
فتاة عدمت العيش إلا بقربها فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج
كأني وهي والكأس والخمر والدجى حيا وثرى كالبدر والتبر والسبج
ولابن جابر ناظم البديعية بن ستة وستة:
إن شئت ظبيًا أو هلالًا أو دمى أو زهر غصن في الكثيب الأملدِ
فللحظها ولوجهها ولشعرها ولخدها والقد والردف أقصد
وقلت أنا في ذلك:
الصبح والليل وشمس الضحى والدهر والدر ولين القضيبْ
في الفرق والطرة والوجه وال خدين والثغر وقد الحبيب
ولنجم الدين البارزي بين سبعة وسبعة:
يقطع بالسكين بطيخة ضحى على طبق في مجلس لا صاحبهْ
كبدر ببرق د شما أهلة لدى هالة في الأفق بين كواكبه
كل من ألفاظ النشر في البيت الثاني من هذين البيتين راجع إلى منصوص في البيت الأول، إلا الأهلة فإنه راجع إلى الأشطار المفهومة من قوله: يقطع.
وسبق إلى هذا المعنى ابن قلاقس حيث قال:
أتانا الغلام ببطيخة وسكينة أحكموها صقالا
فقسم بالبرق شمس الضحى وأعطى لكل هلال هلال
وقال آخر:
ولما بدا ما بيننا منية النفس يحزز بالسكين صفراء كالورسِ
توهمت بدر التم قد أهلة على أنجم بالبرق من كرة الشمس
ولابن مقاتل الحموي بين ثمانية وثمانية:
خدود وأصداغ وقد ومقلة وثغر وأرياق ولحن ومعربِ
كورد وسوسان وبان ونرجس وكأس وجريال وجنك ومضرب
وللصفي الحلي:
وظبي بقفر فوق طرف مفوق بقوس رمى في النقع وحشا بأسهمِ
كبدر بأفق فوق برق بكفه هلال رمى في الليل جنا بأنجم
ولبعضهم بين عشرة وعشرة:
شعر جبين محيا معطف كفل صدغ فم وجنات ناظر ثغرُ
ليل صباح هلال بانة ونقا آس أقاح شقيق نرجس در
ولابن جابر بين اثني عشرة واثني عشرة:
فروع سنى قد كلام فم لمى حلى عنق ثغر شذى مقلة خدُّ
دجى قمر غصن جنى خاتم طلا نجوم رشا در كبى نرجس ورد
وجل القصد هنا أن يكون اللف والنشر في بيت واحد خاليا من الحشو وعقادة التركيب جامعًا بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة، وهنا انقضى الكلام على اللف والنشر المرتب.
والضرب الثاني مما ذكر فيه المتعدد تفصيلًا، هو ما كان فيه النشر على غير ترتيب اللف، وهو إما أن يكون الأول من النشر للآخر من اللف، والثاني لما قبله، وهكذا على الترتيب، ويسمى معكوس الترتيب.
كقول ابن حيوس:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن وغزال لحظًا وقدًا وردفا
[ ١ / ٧١ ]
فاللحظ للغزال والقد للغصن والردف للحقف، وهو النقا من الرمل، أو لا يكون كذلك، وليسم مختلط الترتيب، واللف والنشر المشوش، ولم يذكروا له من النظم مثالًا.
فقلت ممثلًا له:
حكيت الدجى والصبح والغصن والنقا قوامًا وأردافًا وفرعًا ورونقا
وأخجلت حسنا طلعة البدر والرشا وورق الحمى لحظًا ووجهًا ومنطقا
والثاني - وهو ذكر المتعدد إجمالًا، قسم واحد، لا يتبين فيه ترتيب ولا عكس، مثاله قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى. فلف بين الفريقين إجمالًا في قوله: وقالوا، فإن الضمير فيه لليهود والنصارى، وإنما سوغه ثبوت العناد بين اليهود والنصارى، أو التضليل كل فريق صاحبه فلا يمكن أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة، فوثق بالعقل في أنه يرد كل قول إلى فريقه لأمن اللبس.
ومنه قول طرفة بن العبد وهو بالطاء والراء المهملتين المفتوحتين. ومنهم من يقول: طرفة بضم الطاء المهملة. وهو تحريف بحت فاحذره:
فلولا ثلاث هن من لذة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنبًا كسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة نحت الخباء المعمد
الجد: السعد. وقوله: لم أحفل، أي لم أبال، والعود جمع عائد وهو الزائر في المرض، يعني لم أبال متى قام عودي من عندي آيسين من حياتي. والشربة هنا: الخمر، وكميت: فيها حمرة وبياض. وتعل: تمزج. وتزبد: تصير عليها رغوة، يريد أن يباكر شرب الخمر قبل انتباه العواذل. والكر: العطف. والمضاف - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة -: ألذي أحيط به في الحرب. ومجنبا - بالجيم -: فرسًا في رجله تجنيب، وهو انحناء وتوتير مستحب في أرجل الخيل. والشيد: الذئب. والغضا: شجر. والمتورد: الذي صار لونه أحمر من دم الفرائس. والدجن: الباس الغيم آفاق السماء. والبهكنة: المرأة السمينة الناعمة. والمعمد: المرفوع بالعمد.
ولأبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي، ومولده بالمدائن يوم السبت سنة ست وثمانين وخمسمائة:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي ليست كما قال فتى العبدِ
أن أنصر التوحيد والعدل في كل مكان باذلًا جهدي
وأن أناجي الله مستمتعا بخلوة أحلى من الشهد
وإن أتيه الدهر كبرا على كل لئيم أصغر الخد
لذاك أهوى لا فتاةٍ ولا خمر ولا ذي ميعة نهد
ولضياء الدين أبي جعفر أحمد بن صابر القيسي الطاهري:
لولا ثلاث هن والله من أكبر آمالي في الدنيا
حج لبيت الله أرجو به أن يقبل التوبة والسعيا
والعلم تحصيلًا ونشرًا إذا رويت أوسعت الورى ريا
وأهل ود أسأل الله أن يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أنى أتى بل لم أكن ألتذ بالمحيا
وللشيخ أثير الدين أبي حيان النحوي:
أما أنه لولا ثلاث أحبها تمنيت أني لا أعد من الأحيا
فمنها رجائي أن أفوز بتوبة تكفر لي ذنبًا وتنجح لي سعيا
ومنهن صوتي النفس عن كل جاهل لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنهن أخذي للحديث إذا الورى نسوا سنة المختار واتبعوا ألرأيا
أتترك نصًا للرسول وتقتدي بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا
وللشيخ صلاح الدين الصفدي على وزن أبيات ابن أبي الحديد ورويه:
لولا ثلاث هن أقصى المنى لم أهب الموت الذي يردي
تكميل ذاتي بالعوم التي تنفعني إن صرت في لحدي
والسعي في رد الحقوق التي لصاحب نلت به قصدي
وأن أرى الأعداء في صرعة لقيتها في جمعهم وحدي
فبعدها اليوم الذي حم لي عندي استوى في القرب والبعد
[ ١ / ٧٢ ]
تنبيه - قال الحافظ السيوطي في الإتقان: قد يكون الإجمال في النشر لا في اللف، بأن يؤتى بمتعدد، ثم يلفظ يشتمل على متعدد يصلح لها كقوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) على قول أبي عبيدة: إن الخيط الأسود أريد به الفجر الكاذب لا الليل. انتهى. فعلى هذا يكون ذكر المتعدد إجمالًا قسمين، أحدهما ما كان فيه الإجمال في اللف والثاني ما كأن فيه الإجمال في النشر، وإذا ثبت ذلك كانت الفذلكة أيضًا من القسم الإجمالي الذي وقع فيه الإجمال في النشر، لأنها عكس ما تقدم من الأمثلة لذكر المتعدد إجمالًا في اللف فأعلم.
وأرباب البديعيات لم ينظموا إلا اللف والنشر المرتب، لأنه هو أشهر أقسامه وأعلاها رتبة عند علماء البديع.
وبيت الشيخ صفي الدين قوله:
وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي منهم إليهم عليهم فيهم بهمِ
هذا البيت غاية في بابه لما اشتمل عليه من السهولة والرقة وعدم الحشو.
وابن جابر لم ينظم هذا النوع إلا في بيتين مع عقادة التركيب وهما:
حيث الذي إن بدا في قومه وحبا عفاته ورمى الأعداء بالنقمِ
والبدر في شبهه والغيث جاد الذي محل وليث الشرى قد جال في الغنم
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
نشر ويسر وبشر من شذا وندى وأوجه فتعرف طي نشرهمِ
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
فالطي والنشر والتغيير مع قصر للظهر والعظم والأحوال والهممِ
لا يخفى ما في هذا البيت من الثقل الذي يخف عنده رضوى، ومعناه من الركاكة في الغاية القصوى، ولا أعظم من نشر العظم في هذا النظم، فإن الأسماع لا تسيغه، والعز الموصلي وإن لم يكن لقوله: فتعرف طي نشرهم نص في اللف، بل هو فضلة أتى به لتسمية النوع، لكنه على كل حال أخف على السمع من هذا البيت لفظًا ومعنى، وأحسن منه تشييدًا ومبنى.
وبيت الطبري قوله:
لفي ونشري اعتمادي لوعتي ولهي فيهم إليهم عليهم منهم بهمِ
وبيت بديعيتي هو قولي:
لفي ونشري انتهائي مبدئي شغفي معهم لديهم إليه منهم بهمِ
في هذين البيتين وهما فرسًا رهان في هذا الميدان، رد على ابن حجة حيث قال: لو التزم الشيخ صفي الدين إن يسمى هذا النوع لتجافت عليه تلك الرقة، وهذان مع التزام التسمية ملكًا من حسن الانسجام والسهولة رقه، فلو أدركهما ابن حجة لقامت عليه الحجة.
وبيت المقري قوله:
سقمي دموعي نحولي خمرتي معه في اللحظ والعقد والأحشا وريق فمِ