هازلت بالجد عذالي فقلت لهم أكثرتم العذل فاخشوا كظة البشم.
هذا نوع من البديع لطيف المسلك رشيق المأخذ؛ وهو عبارة عن أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه، فيخرج مقصوده مخرج الهزل المعجب والمجون المطرب، هكذا قالوا. وأرى أنه لا يختص بالمدح والذم، بل كل مقصد أخرجه المتكلم هذا المخرج عد من هذا النوع، سواء كان مدحا، أو ذما، أو غزلا أو شكوى، أو اعتذارا أو سؤالا أو غير ذلك.
وشاهده في الهجو، قول أبي نواس من قصيدة يهجو بها تميما:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا فقل عد عن ذلك كيف أكلك للضب.
فقوله: (كيف أكلك للضب) هزل، والمراد هنا الجد، لأن المقصود التعيير بأكل الضب، فإن تميما يكثرون من أكله.
وكان الحيص بيص الشاعر تميما، واسمه سعد بن محمد، وكان فيه تيه وتعاظم، وكان لا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي، ولا يلبس إلا زي العرب، ويتقلد سيفا؛ فعمل فيه أبو القاسم الفضل.
وقيل الرئيس علي بن عيسى الأعرابي الموصلي:
كمك تبادى وكم تطول طرطو رك ما فيك شعرة من تميم.
فكل الضب واقرض الحنظل اليأ بس واشرب ما شئت بول الظليم.
ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ري ولا يدفع الأذى عن حريم.
فأجابه الحيص بيص بوقوله:
لا تدع من عظيم قدر وإن كن ت مشارا إليه بالتعاظم.
فالشريف الكريم ينقص قدرا بالتعدي على الشريف الكريم.
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ر بتنجيسها وبالتحريم.
قالوا: والفاتح لهذا الباب أعني نوع الهزل يراد به الجد، امرؤ القيس في قوله:
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها بان الفتى يهذي وليس بفعال.
قال ابن أبي الأصبع: ما رأيت أحسن من قوله ملتفتا: (وإن كان بعلها) .
[ ١ / ١١٦ ]
قال ابن الأثير: ومن مليحه قول أبي العتاهية:
أصابت علينا جودك العين يا عمر فنحن لها نبغي التمائم والنشر.
سنرقيك بالأشعار حتى تملها فإن لم تفق منه رقيناك بالسور.
وأنشد ابن المعتز لأبي العتاهية أيضًا في هذا النوع:
أرقيك أرقيك باسم الله أرقيكا من بخل نفسك عل الله يشفيك.
ما سلم كفك إلا من يناوئها=ولا عدوك إلا من يرجيك.
ومنه قول أبي عبد الله حسين بن أحمد بن الحجاج، وقد حصل في دعوة رجل، فأخر طعامه إلى المساء، وجعل يجيء ويذهب في داره:
يا ذاهبا في داره جائيا بغير ما معنى ولا فائدة.
قد جن أضيافك من جوعهم فقرأ عليهم سور المائدة.
ومن لطيفة قول اللحام في أبي طلحة قسورة بن محمد وكان كوسجا:
ويك يا أبا طلحة مل تستحي بلغت ستين ولم تلتح.
ومنه في غير الهجو قول الشريف أبي يعلي ابن الهبارية:
يقول أبو سعيد إذ رآني عفيفا منذ عام ما شربت.
على يد أي شيخ تبت قل لي فقلت على يد الإفلاس تبت.
فإن هذه ظاهره المجون والخلاعة، والمراد هنا الجد، لأن المقصود شكوى الإفلاس.
وفي معناه للهباء زهير:
قالوا فلان قد غدا تائبا واليوم قد صلى مع الناس.
قلت متى كان وأتى له وكيف ينسى لذة الكاس.
أمس بهذي العين أبصرته سكران بين الورد والآس.
ورحت عن توبته سائلا وجدتها توبة إفلاس.
وقول أبي نواس في النسيب:
الجار أبلاني لا الجاره بحسن وجه مستوى الداره.
أبيت من وجد به مدنفا كأنما السعت جراره.
كفى بلاء حب من لا أرى ونحن في حيه وفي حاره.
أنا الذي أصلى بنار الهوى وحدي والعشاق نظاره.
تلعب الحب بقلبي كما تلعب السنور بالفاره.
ومن طريف هذا النوع قول بديع الزمان المهذاني لمستميح عاوده مرارا وقال له: لما لا تجود بالذهب في الإحسان كمثل الأشجار في الثمار، سبيله إذا أتى بالحسنى، أن يرفه من سنة إلى سنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما الفؤاد فيعلق بالوفود، وأما اليد فتولع بالجود، ولكن هذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم، لا يحتمله الغريم؛ ولا قرابة بين الذهب والأدب فلم قرنت بينهما؟ والأدي لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة، جهدت في هذه الأيام بالطباخ أن يطبخ من رائية الشماخ فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت ألف ومائتي بيت فلم يغن، ولو دفعت أرجوزة العجاج في ثمن السكباج ما عدمتها عندي، ولكن ليست تنفع فما أصنع، فإن كنت تحسب إختلافك إلي إفضالا علي، فراحتي في أن لا تطرح ساحتي، وفرجي في أن لا تجيز ومنه أيضًا رقعة كتبها الوزير لسان الدين بن الخطيب، إلى أبي عبد الله بن محمد قاسم السديد، وقد فوض إليه النظر في أمور الحسبة ببلده وهي:
يا أيها المحتسب الجزل ومن لديه الجد والهزل.
تهنيك والشكر لمولى الورى ولاية ليس له عزل.
[ ١ / ١١٧ ]
كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنيك ببلوغ تمنيك فكأنني بك وقد طافت بركابك الباعة، ولزم أمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مصانعتك الطماعة، وأخذت أهل الريب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم؛ وسطوتك الريح العقيم، وبين يديك القسطاس المستقيم. ولا بد من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تعصب. فإن غضضت طرفك، أمنت عن الولاية صرفك، وإن كففن كفك، حفك العز فيمن حفك. فكن لقالي الجبينة قاليا، ولحوت السلة ساليا. وابد للدقيق الحواري زهد حواري، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري، وسر في اجتناب الحلوى على السبيل السوي. وارفض في الشوى دواعي الهوى، وكن على الهراس، وصاحب ثريد الرأس، صاحب مراس، شدي البأس، وثب على طبيخ الأعراس؛ ليثا مرهوب الافتراس. وأدب أطفال الفسوق في السوق، سيما من كان قبل البلوغ والبسوق، وصمم على استخراج الحقوق. والناس أصناف، فمنه خسيس يطمع منك في أكله، ومستعد عليك بوكزة أو ركلة. وحاسد في مطية تركب، وعطية تسكب. فاخفض للحاسد جناحك وسدد إلى حربه رماحك، أسبع الخسيس مرقة فأنه خنق، ودس له فيها عظما لعله يختنق. واحفر لشريرهم حفرة عميقة، فإن العدو حقيق. حتى إذا حصل، وأولياء الشيطان فانجح. والحق أقوى، وأن تعفوا أقرب إلى التقوى. سددك الله إلى غرض التوفيق، وأعلقك من الحق السبب الوثيق، وجعل قدومك مقررنا برخص اللحم والزيت والدقيق. انتهت.
وله أيضًا رسالة من هذا النوع، خاطب بها ابن خلدون صبيحة ابتنائه بسرية رومية، وقد اشتملت على مبدعات لطيفة، واحماضات ظريفة، وهي:
أوصيك بالشيخ أبي بكره لا تأمنن في حالة مكره.
واجتنب الشك إذا جئته جنبك الرحمن ما تكره.
سيدي لا زلت تتصف بالوالج، بين الخلاخل والدمالج، وتركض فوقها ركض الهمالج. أخبرني، كيف كانت الحال؟ وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال؟ واحكم بمردود المراودة والاكتحال؟ وارتفع بالسقيا الإمحال، وصح الاتنحال؟ وحصحص الحق وذهب المحال؟ وقد طولعت بكل بشرى وبشر وزفت هند منك إلى بشر؟ فلله من عشية تمتعت من الربع بفرش موشية، وابتذلت منها أي وسادة وحشية وق أقبل ظبي الكناس من الديماس، ومطوق الحمام من الحمام. وقد حسنت الوجه الجميل التطرية، وأزيلت من الفرع الأثيث الإبرية، وصقلت الخدود فكأنها الأمرية. وسلط الدلك على الجلود، وأغريت نورة بالشعر المولود. وعادت الأعضاء يزل عنها اللمس، ولا تنالها البنان الخمس. والسحنة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم، والمسواك يلبي من ثنية التنعيم، والقلب يرمى من الكف الرقيم، بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. وقد تفتح ورد الخفر؛ وحكم لزنجي الضفيرة بالضفر، واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر، ورش بماء الطيب، ثم أعلق ببناه دخان العود الرطيب. وأقبلت الغادة، يهديه اليمن وتزفها السعادة؛ وهي تمشي على استحيا وقد ضاع طيب الريا، وراق حسن المحيا. حتى إذا نزع الخف، وقبلت الأكف، وصخب المزمار؛ وتجاوب الدف والطار وذاع الأرج، وارتفع الحرج؛ وتجووز اللوى والمنعرج؛ ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزت الأرض وربت؛ وعوصيت الطباع البشرية فأبت، ولله در القائل:
ومرت فقالت متى نلتقي فهش اشتياقا إلى الخبيث.
وكاد يمزق سربال فقلت إليك يساق الحديث.
فلما انسدل جنح الظلام، وانتصف من غريم العشاء الأخيرة فريضة السلام، وخاطت خيوط المنام عيون المنام، تأتى دنو الجلسة، ومسارقة الخلسة. ثم عض النهد؛ وقبلة الفم والخد، وإرسال اليد من النجد غلى الوهد، وكانت الأمالة القليلة قبل المد. ثم الإفاضة فيما ينشط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوش ويشغب، ثم أعمال المسير إلى السرير.
وصرنا إلى الحسنى وروقنا كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال.
[ ١ / ١١٨ ]
هذا بعد منازعة للأطواق يسيره، يراها الغيد منم حسن السيرة. ثم شرع في حل التكة، ونزع الشكة، وتهيئة الأرض العزاز عمل السكة. ثم كان الوحى والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطبع العفيف، وتوتر التقبيل وكان الأخذ الوبيل؛ وامتاز الأنوك من النبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السبيل. فيالها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق. وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التراوغ والتزاور، وشكي التحاور، وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخس أو تربح الأموال. فمن عصا تنقلب ثعبانًا مبينًا، ونونة تصير تنينًا، وبطل لم يهله المعرك الهائل، والوهم الزائل؛ ولا حال بينه وبين قرنه الحائل، فتعدى فتكة السليك إلى فتكة البراض، وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض. ثم شق الصف، وقد خضب الكف، بعد أن كان يصيب البوسى بطعنته ويبوء بمقت الله ولعنته.
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر لها نفذ لولا الشعاع أضاءها.
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقع فاستراح البال وتشوف إلى مذهب الثنوية، من لم يكن للتوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال بما بال، وجعل الجريح يقول- وقد نظر إلى دمه يسيل على قدمه:
إني له عن دمي المسفوك معتذر أقول حملته في سفكه تعبا.
ومن سنان عاد عنانا، وشجاع صار جبانا. كلما شبته شائبة ريبه، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحية؛ وماتت الغريزة الحية. وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأمر ويغلب الحصر، ويجف اللعاب، ويظهر ألعاب، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق؛ ويشتد الكرب الأرق؛ وينشأ في محل الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق؛ ويقوى اللجاج ويعظم الخرق، فلا تزيد الحال الأشدة، ولا تعرف تلك الجانحة المؤمنة الأردة.
إذا لم يكن عون من لله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده.
فكم مغرى بطول اللبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرة؛ ليزيل المعمرة؛ ويستنصر الخيال؛ ويعمل باليد الاحتيال.
إنك لا تشكو إلى مصمت فاصبر على الحمل الثقيل أو مت.
ومعتذر بمرض أصابه، جرعه أوصابه، ووجع طرقه؛ جلب أرقه وخطيب ارتج عليه أحيانا؛ فقال سيحدث الله بعد عسرا يسرا، وبعد عي بيانا. اللهم إننا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغفلت أقفالها، ولم تتسم بالنجيع أغفالها، ومن معرات الأقدار، والنكول عن الإبكار، ومن النزول عن البطون والسرير، والجوانح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدرر. ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، وتلعم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت روية وارتجال.
فمن قائل:
أرفعه طورا على إصبعي ورأسه مضطرب أسفله.
كالحنش المقتول يلقى على عود لكي يطرح في مزبله.
وقائل:
أيحسدني إبليس دائن أصبحا برجلي وراسي دملا وزكاما.
فليتهما كانا به وزايده رخاوة أير لا يطيق قياما.
إذا نهضت للنيك أرباب معشر توسد إحدى خصيتيه فناما.
وقائل:
أقول لأيري وهو يرقب فتكة به خبت من أير وغالتك داهيه.
إذا لم يكن للأير بخت تعذرت عليه وجوه النيك من كل ناحية.
وقائل:
تعقف فوق الخصيتين كأنه رشاء إلى جنب الركية ملتف.
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه إلى أبويه ثم يدركه الضعف.
وقائل:
تكرش أيري بعد ما كان أملسا وكان غنيا من قواه فأفلسا.
وصار جوابي للمها إن مررن بي مضى الوصل الأمنية تبعث الأسى.
وقائل:
بنفسي من حييته فاستخف بي ولم يخطر الهجران يوما على بالي.
وقابلني بالبعد والنجه بعدما حطت به رحلي وجردت سربالي.
وما أرتجي من مؤثر فوق دكة عرضت له شيئا من الحشف البالي.
[ ١ / ١١٩ ]
هموم لا تزال تبكى، وعلل الدهر تشكى؛ وأحاديث تقص وتحكى. فإن كنت أعزك الله من النمط الأول ولم تق: (وهل عند رسم دارس من معول) . فقد جنيت الثمر، واستطبت السمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة؛ واخرج على قومك في ثياب الزينة، واستبشر بالوفود، وعرف المسمع عارفة الجود، وتبجح بصلابة العود، وإنجاز الوعود؛ واجن رمان النهود من أغصان القدود، واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود. وإن كانت الأخرى فاخف الكمد، وأرض الثمد، وانتظر الأمد؛ واكذب التبسم، واستكتم النسوة، وأفض فيهم الرشوة؛ وتقلد المغالطة وارتكب؛ وجيء على قميصه بدم كذب؛ واستنجد الرحمن؛ واستعن على أمرك بالكتمان.
لا تظهرن لعاذل أو عاذر حاليك في السراء والضراء.
فلرحمة المتوجعين حزازة في القلب مثل شماتة الأعداء.
وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طبق وما همى وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى. واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكنك الفرصة؛ وترفع إليك القصة. ولا تسرع إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن غمام، واللبانات تلين وتجمح؛ والمآرب تدنو وتنزح وتحزن ثم تسمح. وكم من شجاع خام، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضل الفريق؛ والله ﷿ يجعلها خلة موصولة وشملا أكنافه بالخير مشمولة، وبينة أركانها بركائب اليمن مأهولة، حتى تكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه؛ وتضفو عليه نعم باريه؛ ما طورد قنيص واقتحم عيص، وأدرك مرام عويص، وأعطي زاهد وحرم حريص والسلام.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
أشبعت نفسك من ذمي فهاضك ما تلقى وأكثر موت الناس بالتخم.
فقوله: (أكثر موت الناس بالتخم) كناية يهزؤون بها على من يفرط في المآكل اللذيذة ويخص بها نفسه.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلس قوله:
قل للصباح إذا ما لاح نورهم إن كان عندك هذا النور فابتسم.
قال ابن حجة: لم أر في هذا البيت هزلا يراد به الجد.
قلت: ومثل هذا ما أنشده رفيقه له في شرح بديعيته المذكورة، وادعى فيه أنه من هذا النوع: تزعم يا بدر مساوتها=ولست أبدي لك تفنيدا.
إن كان ما تزعم عارض لنا مقلتها واحك لنا الجيدا.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
هزل أريد به جد عتابك لي كما كتمت بياض الشيب بالكتم.
هذا أيضًا لا يظهر فيه شاهد البيت المذكور.
وبيت ابن حجة في بديعيته قوله:
والبين هازلني بالجد حين أرى دمعي وقال تبرد أنت بالديم.
أقول: الهزل في هذا البيت ظاهر، ولكن لا حقيقة له، وقد علمت أنه لا بد فيه من الجد؛ وإلا لم يكن من هذا النوع أصلا.
وبيت بديعية الطبري قوله:
أكثرت هزلك جدا لي فحسبك لا تكن كهيلة ذات العار في الغنم.
قال في القاموس: هيلة عنزة لامرأة؛ كان من أساء إليها درت له؛ ومن أحسن إليها نطحته؛ ومنه المثل: هيل خير حالبيك تنطحين.
وبيت بديعيتي قولي:
هازلت بالجد عزالي فقلت لهم أكثرتم العذل فاخشوا كظة البشم.
الهزل في هذا البيت على حده في بيت الصفي، فإن الكظة بالكسر شيء يعتري من امتلاء الطعام؛ والبشم، هو التخمة، والمراد هنا الجد؛ لأن المقصود منعهم عن كثرة العذل.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
ما أنت يا عاذلي والحب تنكره فخص بنا في حدود القول والكلم.
قال ناظمه في شرحه: يقول: ما أنت من رجال الحب، غنما أنت ممن يعرف حدود القول والكلم، فخض بنا فيما أنت من أهله، ودع الحب فله رجال لست منهم. انتهى.
قلت: لم يظهر لي من البيت ولا من شرحه شاهد النوع؛ فإنه لم يزد على أن جعل عاذله عارفا بالعربية، جاهلا بالحب؛ فتأمله.
وبيت بديعية العلوي قوله:
أخاف لومك إن شاهدت نورهم يجني عليك فإن السم في الدسم.
قال ناظمه: الشاهد في قولنا: إن السم في الدسم؛ وهي كلمة تخرج مخرج الهزل وهو جد؛ لأن أكثر ما يكون السم في الدسم. انتهى.
قلت قد تقدم أن السم في الدسم من الأمثال؛ وليست من الهزل في شيء؛ على أن إيراده هنا لا معنى له؛ بل هو موهم لذم أحبابه؛ والله أعلم.