فاسمع تناسب أطراف المديح له وأفهم معانيه إن كنت ذا فهم
تناسب الأطراف - عبارة عن أن يبتدئ المتكلم كلامه بمعنى، ثم يختمه بما يتناسب ذلك المعنى الذي ابتدأ به، وهذا النوع جعله الخطيب في التلخيص والإيضاح من مراعاة النظير. قال: ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف، وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى. انتهى.
وقد علمت أن الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع نقل هذا الاسم وهو تشابه الأطراف إلى نوع التسبيغ الذي هو عبارة عن أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول البيت الذي يليها، فتكون الأطراف متشابهة، وهي تسمية مطابقة للمسمى. وسمى بعضهم هذا النوع تشابه الأطراف المعنوي، وهو تطويل في العبارة، فرأينا نحن تسميته بتناسب الأطراف أولى لمطابقته لمسماه وهو نوعان، ظاهر وخفي
[ ١ / ٣٠٦ ]
فالأول - نحو قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) فإن اللطيف يناسبه كونه غير مدرك بالأبصار، والخبير يناسب كونه مدركًا للأشياء، لأن المدرك للشيء يكون خبيرا. وقوله تعالى (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون. أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) فقوله (أفلا يسمعون) في ختام الآية الأولى يناسب قوله سبحانه في أولها (أو لم يهد لهم) لأن الموعظة سمعية، وقوله سبحانه في ختام الثانية (أفلا يبصرون) يناسب قوله في أولها (أو لم يروا) لأن الموعظة بصرية.
ومنه ما روي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ (فغن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله - غفور رحيم بدل - عزيزي حكيم) ولم يكن الإعرابي يقرأ القرآن فقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، إنه إغراء عليه. فظهر أن المناسب ما عليه التلاوة.
والثاني - كقوله تعالى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) . فإن قوله ﷾ (وإن تغفر لهم) يوهم أن الفاصلة، الغفور الرحيم، ولكن إذا أمعن وأنعم النظر علم أنه يجب أن تكون على ما عليه التلاوة، لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، فهو العزيز الحكيم.
وفي صفاته تعالى، وهو الغالب، من قولهم: عزه يعزه: إذا غلبه، ومنه المثل (من عزَّ بزَّ) أي من غلب سلب، ووجب أن يوصف بالحكيم أيضًا لأن الحكيم من يضع الشيء في محله، والله تعالى كذلك، فكان في الإتيان به احتراس لئلا يتوهم أن الغفران لهم مع استحقاق العذاب خارج عن الحكمة، أي أن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا اعتراض لأحد عليك في ذلك والحكمة فيما فعلته.
إذا عرفت ذلك فبيت بديعتي المذكور من النوع الأول من تناسب الأطراف، وهو الظاهر. فإن قولنا في صدر البيت (فاسمع تناسب أطراف المديح له) يناسب قولنا في عجزه (وأفهم معانيه إن كنت ذا فهم) . لأن من سمع شيئًا يلزمه فهمه، فالمناسبة ظاهرة. والفهم بتحريك الهاء أفصح من الفهم بسكونها، كما نص عليه في القاموس، والله ﷾ أعلم.