بهجرهم كم وكم فل الهوى أمما ورد عجزا على صدر بهجرهم
هذا النوع سماه بعضهم بالتصدير، والأول أولى، لأنه مطابق لمسماه، وخير الأسماء ما طابق المسمى. وهو في النثر: أن يجعل أحد اللفظين المكررين، أعني المتفقين في اللفظ والمعنى أو المتجانسين وهما المتشابهان في اللفظ دون المعنى، أو الملحقين بالمتجانسين، وهما اللفظان اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبهه، في أول الفقرة، واللفظ الآخر في آخرها فيكون أربعة أقسام.
الأول: أن يكونا مكررين، كقوله تعالى: (تخشى الناس والله أحق أن تخشاه) .
والثاني: أن يكونا متجانسين، نحو قولهم: سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل.
والثالث: أن يجمع اللفظين الاشتقاق، نحو قوله تعالى: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) .
والرابع: أن يجمعهما شبه الاشتقاق، نحو قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين) .
وفي النظم: على أربعة أقسام وهو: أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو عجزه، أو صدر المصراع الثاني؛ فهذه أربعة أقسام.
وعلى كل تقدير، فاللفظان إما مكرران، أو متجانسان، أو ملحقان بهما، فتصير الأقسام اثني عشر، حاصلة من ضرب أربعة في ثلاثة، وباعتبار أن الملحقين قسمان، لأنه إما أن يجمعهما الاشتقاق، أو شبه الاشتقاق تصير الأقسام ستة عشر، حاصلة من ضرب أربعة في أربعة.
فالأول، وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان مكرران، مثاله قول الشاعر:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع
وقول أبي نواس:
وحياة رأسك لا أعود لمثلها وحياة رأسك
وقول البستي:
سحبان من غير مال باقل حصر وباقل في ثراء المال سحبان
وقول ابن جابر الأندلسي:
جمال هذا الغزال سحر يا حبذا ذلك الجمال
هلال خديه لم يغب عني وإن غيب الهلال
غزال أنس يصيد أسدا فأعجب لما يصنع الغزال
دلاله دلّ دل شوق علي إذ زانه الذلال
كماله لا يخاف نقصا دام له الحسن والكمال
نباله قد رمت فؤادي لا أخطأت تلكم النبال
حلال وصلي له حرام وحكم قتلي له حلال
زلال ذاك اللمى حلالي وأين لي ذلك الزلال
قتاله لا يطاق لكن يعجبني ذلك القتال
والثاني، وهو وقوع أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والثاني في حشو المصراع الأول، مثاله قول الشاعر:
تمتع من شميم عرار نجدٍ فما بعد العشية من عرار
وقول جرير:
سقى الرمل جون مستهل غمامه وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وقول زهير:
كذلك خيمهم ولكل قوم إذا مستهم الضراء خيم
وقول أبي تمام:
[ ١ / ١٨٨ ]
ولم يحفظ مضاع المجد شيء من الأشياء كالمال المضاع
وقول المعري:
فلو سمح الزمان بها لضنت ولو سمحت لضن بها الزمان
وقول الخليع الشامي:
خذ يا غلام عنان طرفك فاثنه عني فقد ملك الشمول عناني
وقول ابن جابر الأندلسي وأجاد:
بين تلك الخيام أكرم قوم ضربت للندى عليهم خيام
قد أقاموا بين العقيق وسلع فحياة النفوس حيث أقاموا
وقول أبي جعفر البحاث وقد حلم بخيال حبيب فنبهه ذلك الحبيب:
يا من ينبهني من رقدة جمعت بيني وبين خيال منه مأنوس
دعني فإنك محروس ومرتقب وخلني وخيالا غير محروس
والثالث، وهو وقوع أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول أبي تمام:
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما فما زلت بالبيض القواضب مغرما
وقوله أيضًا:
وجوه لوان الأرض فيها كواكب توقد للساري لكانت كواكبا
وقول أبي عبادة البحتري:
لقد غادرت في جسمي سقاما بما في مقلتيك من السقام
وقوله:
إذا أردت ملأت العين من بلد مستحسن وزمان يشبه البلدا
وقوله:
وحملت عندك ذنب المشي ب حتى كأني ابتدعت المشيبا
وقول أبي فراس بن حمدان:
فلست أرى إلا عدوا محاربا وآخر خير منه عندي المحارب
وقوله:
بنفسي وإن لم أرض نفسي لراكب يسائل عني كلما لاح راكب
وقوله:
هو الموت فاختر ما حلا لك ذكره فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر
وقول الكافي العماني:
عطل المروة خانه إمكانه إن المروة حليها الإمكان
وقوله:
فيا ليت شعري كيف أنت أشيق فؤادك كالمعمود أم غير شيق
وقول البهاء زهير:
وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا صدقتم سلوا عني الرباب وزينبا
والرابع، وهو وقوع أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في أول المصراع الآخر، مثال قول ذي الرمة:
وإن لم يكن إلا معرج ساعة قليلا فإني نافع لي قليلها
وقول البحتري:
عدمت الغواني كيف يعطين للصبا محاسن أسماء يخالفها الفعل
فنعم ولم تنعم بنيل نعده وجمل ولم تجمل بعارفه جمل
وقوله:
على الحي سرنا عنهم وأقاموا سلام وهل يدني البعيد سلام
وقول كثير عزة:
أصاب الردى من أن يبغي لها الردى وجن اللواتي قلن عزة جنت
وما أحسن قول ابن جابر فيه:
صفحوا عن محبهم وأقالوا من عثار الهوى ومنوا بوصل
لست أستوجب الوصال ولكن أهل تلك الخيام أكرم أهل
والخامس، وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان متجانسان، مثاله قول القاضي الأرجاني:
دعاني من ملامكما سفاها فداعي الشوق قبلكما دعاني
وقول الآخر:
سل سبيلا فيها إلى راحة النف س براح كأنها سلسبيل
وقول الآخر:
ذوائب سود كالعناقيد أرسلت فمن أجلها منا النفوس ذوائب
وقول الآخر:
يسار من سجيتها المناسا ويمنى من عطيتها اليسار
وقول الشيخ عبد الرحيم العباسي:
ناظراه إذا تنكر تيها في الذي أورث الحشا ناظراه
والسادس، وهو وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت، والآخر في حشو المصراع الأول، مثاله قول الثعالبي:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها فأنف البلابل باحتساء بلابل
وقول الآخر:
لا كان إنسان تيمم قاصدا صيد المها فاصطاده إنسانها
والسابع، وهو وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول البحتري:
العيش في ظل داريا إذا بردا والراح تمزجها بالماء من بردا
برد الأول: فعل ماض من البرد، والثاني: نهر كبير بدمشق.
وقول الحريري:
فمشغوف بآيات المثاني ومفتون برنات المثاني
المثاني الأولى: القرآن أو ما ثني منه مرة بعد مرة، وقيل غير ذلك. والمثاني الثاني: جمع مثنى، وهو من أوتار العود ما كان بعد الأول.
وقول ابن جابر الأندلسي:
[ ١ / ١٨٩ ]
زرت الديار عن الأحبة سائلا ورجعت ذا أسف ودمع سائل
ونزلت في ظل الأراكة قائلا والربع أخرس عن جواب القائل
والثامن، وهو وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع، ومثاله قول الأرجاني:
أملتهم ثم تأملتهم فلاح لي أن ليس فيهم فلاح
وقول الأمير أبي الفضل الميكالي:
إن لي في الهوى لسانا كتوما وفؤادا يخفي حريق جواه
غير أني أخاف دمعي عليه ستراه يبدي الذي ستراه
والتاسع، وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان ملحقان بالمتجانسين جمعهما الاشتقاق، مثاله قول السري الرفاء، ووهم من نسبه إلى أبي عبادة البحتري:
ضرائب أبدعتها في السماح فلسنا نرى لك فيها ضريبا
وقول البحتري:
ضرب الجبال بمثلها من عزمه غضبان يطعن بالحمام ويضرب
وقوله أيضًا:
وخيبت أسبابي النازعات إليك وما حقها أن تخيبا
يريبني الشيء تأتي به وأكبر قدرك أن أستريبا
العاشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين بالمتجانسين في آخر البيت، والآخر في حشو المصراع الأول، مثاله قول امرئ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
وقول أبي فراس:
يقول لي انتظر زمنا ومن لي بأن الموت ينتظر انتظاري
وقول الكافي العماني:
ما زال يسلب كل من حمل الظبا قلمي وأحداق الظباء سوالبي
والحادي عشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين بالمتجانسين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول الشاعر:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري أطنين أجنحة الذباب يضير
وقول أبي تمام:
أعاذلتا ما أخشن الليل مركبا وأخشن منه في الملمات راكبه
وقوله:
إنسية إن حصلت أنسابها جنية الأبوية ما لم تنسب
وقول البحتري:
وإني لأبَّاء على كل لائم عليك وعصَّاء لكل ملام
وقوله:
لطيف بطلق الوجه لا متجهم علينا ولا نزر العطاء جهام
وقوله:
وكنت أرجي في الشباب شفاعة فكيف لباغي حاجة بشفيعه
وقوله:
إذا وصلتنا لم تصل عن تعمد وإن هجرت أبدت لنا هجر عامد
والثاني عشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين بالمتجانسين في آخر البيت، والآخر في أول المصراع الثاني، مثاله قول أبي تمام:
ثوى في الثرى من كان يحيى به الورى ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
وقد كانت البيض القواضب في الوغى بواتر فهي الآن من بعده بتر
وقول أبي فراس:
كأن ابنة القيسي في أخواتها خذول تراعيها الظباء الخواذل
وقوله:
ولكنني في ذا الزمان وأهله غريب وأفعالي لديه غرائب
والثالث عشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين اللذين يجمعهما شبه الاشتقاق في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، مثاله قول الحريري:
ولاح يلحى على جري العنان إلى ملهى فسحقا له من لائح لاح
فالأول ماض يلوح، والآخر اسم فاعل من لحاه.
وقول الكافي العماني:
ثنينا السوء عن ذاك التثني وأثنيناه عن تلك الثنايا
والرابع عشر، وهو وقوع أحد اللفظين المذكورين في آخر البيت، والآخر في حشو المصراع الأول، مثاله قول الشاعر:
لعمري لقد كان الثريا مكانه تراه فأضحى الآن مثواه في الثرى
فالثريا واوي: تصغير ثروي من الثروة، وهي كثرة العدد، وإنما سمي النجم بذلك لكثرة كواكبه مع ضيق المحل. والثرى يائي.
وقول أبي العلاء المعري:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر
والخامس عشر، وهو وقوع أحد اللفظين المذكورين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول الحريري:
ومضطلع بتلخيص المعاني ومطلع إلى تلخيص عاني
فالأول من عنى يعني، والثاني من عنا يعنو وقول البحتري:
صفت مثلما تصفو المدام خلاله ورقت كما رق النسيم شمائله
وقول الآخر:
يا سقى الله عقيقا باللوى ورعى ثم طريقا من لوى
[ ١ / ١٩٠ ]
والسادس عشر، وهو وقوع أحد اللفظين المذكورين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الثاني، مثاله قول التهامي:
طيف ألم فزاد في آلامي ألما ولم أعهده ذا إلمام
فالهمزة في (ألم) أصلية وفي (الإلمام) زائدة.
وقوله أيضًا:
تخمد الحرب حين تغمد بأسا وتسيل الدماء حين تسل
فالأول من السيلان، والثاني من السل.
فهذه جملة أمثلة الأقسام الستة عشر. وأرباب البديعيات بنوا أبياتهم على النوع الأول، وهو جعل أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول. وقد وقع الاتفاق على أنه أفضل الأنواع، وعندي إذا كان اللفظان متجانسين كان أحسن.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي:
فمي تحدث عن سري فما ظهرت سرائر القلب إلا من حديث فمي
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
وحقهم ما نسينا عهد حبهم ولا طلبنا سواهم لا وحقهم
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله مع زيادة التورية:
فهم بصدر جمال عجز عاشقه عن وصله ظاهر من باحث فهم
هذا البيت يمكن أن يكون من نوع مكرر اللفظين، ومن نوع المتجانسين والتورية فيه ظاهرة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ألم أصرح بتصدير المديح لهم ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم
إن فتحت الهمزة من لفظ (ألم) في عجز البيت كان من النوع الأول وإن ضمت كان من النوع الثالث عشر وهو ما كان اللفظان فيه ملحقين بالمتجانسين، يجمعهما شبه الاشتقاق، ولكن كثرة آلام هذا البيت لا يطيقها السمع.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري تقدم إنشاده في نوع الاكتفاء فإنه جمع فيه بينه وبين هذا النوع فلا حاجة لنا بإعادته هنا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
بهجرهم كم وكم فل الهوى أمما ورد عجزا على صدر بهجرهم
التورية باسم هذا النوع لم يتفق لأحد من أرباب البديعيات الذي التزموها كما اتفقت لي في هذا البيت. فإن العز الموصلي إنما ذكر العجز والصدر، ولم يذكر الرد الذي هو العمدة، وابن حجة فر إلى اسم التصدير وهذا الاسم كما علمت غير مطابق للمسمى، وكذا الشيخ عبد القادر الطبري تبع ابن حجة في التسمية بالتصدير.
وأما أنا فأتيت بالاسم الذي هو (رد العجز على الصدر) كما هو، ووريت عنه بمعنى لطيف غريب، وما ذاك إلا أن الجيش إذا فل رجع القهقرى، ولشدة زحامهم حينئذ يتساقطون، فتقع أعجاز بعضهم على صدور بعض. ولك أن تحمل العجز على معنى عدم المقدرة، والمعنى حينئذ ظاهر.
وبيت بديعية المقري قوله، مع زيادة التورية:
رم العزا من سوى قلبي فلي غرض رميت فيه وما غير العزاء رم (ي)
قال ناظمه: التورية في قولي (وما غير العزاء رم) فإنه يحتمل وجهين أحدهما (رم) بمعنى أطلب، فيكون رد العجز على الصدر، ويحتملا ن يريد (وما رمي شيء سوى العزا) .