ساوت شجاعته فيهم فصاحته فردهم معجزا بالكلم والكلم
هذا النوع لم يذكره أحد من علماء البديع، ولا نظمه أحد من أصحاب البديعيات. وهو من مستخرجات الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني.
قال: هو عبارة عن حذف شيء من لوازم الكلام وثوقا بمعرفة السامع به.
قال الشريف الرضي في كتاب المجازات: كان شيخنا أبو الفتح يسمي هذا الجنس شجاعة الفصاحة، لأن الفصيح لا يكاد يستعمله إلا وفصاحته جريئة الجنان غزيرة المواد.
ومثاله قوله تعالى "حتى توارت بالحجاب" أي الشمس ولم يجر لها ذكر. وقوله "ولو دخلت عليهم من أقطارها" أي المدينة، ولم يجر لها ذكر. وقوله "إذا بلغت التراقي" أي الروح، ولم يجر فها ذكر. وقوله "إننا أنزلناه في ليلة القدر" أي القرآن، ولم يجر له ذكر. وقول نبيه ﵇ وقد تذاكر الناس عنده الطاعون وانتشاره في الأمصار والأرياف (أرجو أن لا يطلع علينا نقابها) والنقاب جمع نقب، وهو الطريق في الجبل، يريد نقاب المدينة ولم يجر لها ذكر. لكنه أقام علم المخاطبين بها مقام تصريحه بذكرها.
وقول حاتم الطائي:
لعمرك يا يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
يريد النفس وقول العباس بن عبد المطلب يمدح النبي ﵌:
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق
أي في ظلال الجنة. أراد أنه كان طيبا في صلب آدم ﵇. وقوله: من قبلها، أي من قبل الأرض، ومثل ذلك في كلامهم كثير.
وأكثر الأمثلة المذكورة عند علماء المعاني من وضع المضمر موضع المظهر، إما لاشتهاره ووضوح أمره، أو لأن الذهن لا يلتفت إلى غيره، أو لغير ذلك من الاعتبارات. وليس من الحذف في شيء كما لا يخفى، لكن أبن جني مثل لهذا النوع بالحديث السابق، فكأنه لاحظ أن المتكلم حذف من الكلام مرجع الضمير لعلم السامع به.
إذا عرفت ذلك فالشاهد في بيت البديعية في قوله (ردهم) يريد العرب الذين لم يؤمنوا به، ولم يجر لهم ذكر، لكنه أقام معرفة السامع مقام التصريح بذكرهم والله أعلم.