عاتبت نفسي وقلت الشيب أنذرني وأنت يا نفس عنه اليوم في صمم
عتاب المرء نفسه، هو توبيخ النفس على حالة منها غير مرضية.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: هذا النوع أدخله ابن المعتز في البديع، وليس في شيء منه، بل هو حكاية واقعة، ولم يمكني أن أحل بذكره.
وهو كقول المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
انتهى. ومن أمثلته في القرآن العظيم، قوله تعالى: (يوم يعضُّ الظالم على يديه يقول يا ليتني - الآيات -) . وقوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله. الآيات) .
ولم يورد ابن المعتز في هذا النوع غير بيتين ذكر أن الأسدي أنشدهما عن الجاحظ وهما:
عصاني قومي في الرشاد الذي به أمرت ومن يعص المجرب يندم
فصبرا بني بكر على الموت أنني أرى عارضا ينهل بالموت والدم
قال ابن أبي الإصبع - ونعم ما قال -: لم أر في هذين البيتين ما يدل على عتاب المرء نفسه، إلا أن هذا الشاعر لما أمر بالرشاد وبذل النصح، لم يطع على بذل النصيحة لغير أهلها؛ ويلزم من ذلك عتابه لنفسه؛ فتكون دلالة البيتين على عتابه لنفسه دلالة التزامية؛ لا دلالة مطابقة.
فلا يصلح أن يكون شاهدا على هذا النوع إلا قول شاعر الحماسة:
أقول لنفسي في الخلاء ألومها لك الويل ما هذا التجلد والصبر
انتهى كلامه.
ومن بديع هذا النوع قول الشريف الرضي ﵁:
فوا عجبا مما يظن محمد وللظن في بعض المواطن غرار
يقدر أن الملك طوع يمينه ومن دون ما يرجو المقدر أقدار
له كل يوم منية وطماعة ونبذ قريض بالأماني سيار
لئن هو أعفى للخلافة لمةً لها طرر فوق الجبين وأطرار
وأبدى لها وجها نقيا كأنه وقد نقشت فيه العوارض دينار
ورام العلى بالشعر والشعر دائبا ففي الناس شعر خاملون وشعار
وأني أرى زندا تواتر قدحه ويوشك يوما أن تشب له نار
ومنه قول الحيص بيص يخاطب نفسه:
إلام يراك المجد في زي شاعر وقد تخلت شوقا فروع المنابر
كتمت بصيت الشعر علما وحكمة ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير أنك فارس ال مقال ومحي الدراسات الغوابر
وإنك أغنيت المسامع والنهى بقولك عما في بطون الدفاتر
ثم انتقل بعد هذا إلى التكلم بالياء التي هي ضمير المتكلم فقال:
تطاول ليلي فابغني ذا نباهة يجلي دجى ظلمائه عن خواطري
سهرت لبرق من ديار ربيعة ولم أك للبرق اللموع بساهر
[ ١ / ٢١٩ ]
والشاهد في البيتين الأولين.
وقول الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
أتعبت نفسك بين ذلة كادح طلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت عمرك لا خلاعة ماجن حصلت فيه ولا وقار مبجل
وتركت حظ النفس في الدنيا وفي الأخرى ورحت عن الجميع بمعزل
وقول الشريف الرضي ﵁:
قد قلت للنفس الشعاع أضمها كم ذا القراع لكل باب مصمت
قد آن أن أعصي المطامع طائعا لليأس جامع شملي المتشتت
وقلت أنا في أوائل نظمي:
أظننت أن الوجد مكتمن وخفي سرك في الهوى علن
أنى لقلبك أن يقال صحا وثني جموح ضلاله الرسن
قد طال مكثك حيث لا فرح يصفو به عيش ولا حزن
وأضر قلبك طول مغترب لا منية تدنو ولا وطن
فإلى مَ ترضى لا رضيت بأن ينهى إليك العجز والجبن
أحلى لنفسك أن يقال لها هذا علي حطه الزمن
حصل الجهول على مآربه ومضى بغير طلابه القمن
حتى متى قول ولا عمل وإلى متى قصد ولا سنن
ما شأن شأنك قط منتقص أنت العلي وذكرك الحسن
فاقطع برجلك حيث لا عتب واربأ بعرضك حيث لا درن
وافخر بسبقك لا بسبق أبٍ شرفا فأنت السابق الأرن
أن يبل ثوبك فالنهى جنن أو تود خيلك فالعلى حصن
لا تبتئس لملمة عرضت لا فرحة تبقى ولا حزن
ومثل هذا في كلام العرب كثير، وفي هذا المقدار كفاية.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
أنا المفرط اطلعت العدو على سري وأودعت نفسي كف مجترم
الشيخ صفي الدين نظم هذا العتاب على أسلوب قول المتنبي الذي استشهد به في شرحه على هذا النوع وهو قوله:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
ولو نظمه على أسلوب قول الحماسي الذي استشهد به ابن أبي الإصبع لكان أحلى. ولعمري إن لتمكن عتابه وتقريعه لنفسه حيث قال:
أقول لنفسي في الخلاء ألومها لك الويل ما هذا التجلد والصبر
حلاوة في السمع، ووقوعا في القلب، كادا أن يدخلاه في أنواع البديع.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
عتبت نفسي إذ أتعبتها بهوى مجهول سبل بلا هاد ولا علم
هذا البيت ساقط النظم والمعنى جدا، مع سهولة مأخذ هذا النوع.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
يا نفس ذوقي عتابي قد دنا أجلي مني ولم تقطعي آمال وصلهم
هذا البيت لا ترضى كل نفس بإنشاده، لما جبلت عليه من الطيرة من نحو هذا الكلام، فإن فيه من قبح الفأل ما تنبو عنه الأسماع.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
لم ترعو النفس عتبا ويحك أتته عن تصدير غيك كيما يكتفى بلم
قلق تركيب هذا البيت وتداعي نظمه ليس لهما نظير في هذا الباب.
وبيت بديعيتي هو قولي:
عاتبت نفسي وقلت الشيب أنذرني وأنت يا نفس عنه اليوم في صمم
أقول هنا كما قال محمد بن يعقوب الفيروز أبادي في ديباجة القاموس: لو لم أخش ما يلحق المزكي نفسه من المعرة والدمان، لتمثلت بقول أحمد بن سليمان أديب معرة النعمان.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
أطلعته فحكى سري علانيتي جهلا فيا نفس عضي الكف من ندم
هذا مأخوذ من بيت الشيخ صفي الدين الحلي. قال ناظمه: وفيه زيادة التورية، فإن قوله (علانيتي) يحتمل أنه يريد العلانية بقرينة السر، وإنما يريد: على نيتي من النية. انتهى.