نفى بإيجابه عنا بسنته جهلا نضل به عن وأضح اللقم
لأهل البديع في تفسير هذا النوع عبارتان إحداهما ما فسره به ابن رشيق في العمدة، وهو أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء، وباطنه نفيه، بأني نفي ما هو من سببه كوصفه وهو المنفي في الباطن. والثانية ما فسره به غيره، وهو أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له. وسماه بعضهم: نفي الشيء بنفي لازمه.
ومنه قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) أي ليس لهم سؤال فيكونوا ملحفين، فإذن لا سؤال لهم أصلا، أو ليس لهم سؤال في حالة الاضطرار، بناء على أن المضطر من شأنه الإلحاف في السؤال، فانتفاؤه في غيرها بالطريق الأولى، أي لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير فأفاد أنهم يشرفون على الهلاك ولا يسألون.
وقوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) الغرض نفي الشفيع رأسا، وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر لا نزاع فيه، وبالغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة.
ومثله قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم
ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ في صفة مجلس رسول الله ﵌: لا تنثني فلتانه، أي لا فلتات ولا انثناء.
وقول الشاعر:
لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر
أي لا أرنب يفزعها هول، ولا ضب ولا انجحار.
وقول امرئ القيس (على لاحب لا يهتدي بمناره) أي لا منار ولا اهتداء.
وقول سويد بن أبي كاهل:
من أناس ليس في أخلاقهم عاجل الفحش ولا سوء الجزع
أي لا فحش ولا جزع أصلا.
وقول مسلم بن الوليد بن يزيد بن مزيد:
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ولا يسمح عينيه من الكحل
وقصده نفي الطيب والكحل مطلقا، ولذلك قال الممدوح لما أنشده الشاعر هذا البيت لقد حرمتني الطيب والكحل ما بقيت.
حكى مسلم المذكور قال: خلت على الأمير يزيد بن مزيد وهو جالس على كرسي، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة وبيده هو مرآة ومشط يسرح لحيته، فقال لي: يا مسلم ما الذي أبطأك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد أيها الأمير، قال: فأنشدني.
فأنشدته قصيدتي التي أولها:
أجررت حبل خليع في الصبا غزل وشمرت همم العذال في عذلي
رد البكاء على العين الطموح هوى مفرق بين توديع ومرتحل
أما كفى البين أن أرمى بأسهمه حتى رماني بسهم الأعين النجل
فلما صرت إلى قولي منها في مدحه:
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ولا يمسح عينيه من الكحل
وضع المرآة في غلافها وقال للجارية: انصرفي، فقد حرم علينا مسلم الطيب والكحل.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلة أوراكهن صقيلات العراقيب
مراده أنهن لا يدخلن الحمام مطلقا، لأنهن بدويات لا يعرفن الحمام، وإن كان ظاهر الكلام أنهن لا يبرزن من الحمام على تلك الهيئات، والغرض أن حسنهن مستغن عن التصنع والتطرية.
كما قال قبله:
ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه البدويات الرعابيب
[ ١ / ٣٥٥ ]
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لا يهدم المن منه عمر مكرمة ولا يسوء أذاه نفس متهم
فمراده نفي المن والإساءة، وإن قديهما بالمكرمة والمتهم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
لم ينف ذما بإيجاب المديح فتى إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم
هذا البيت ليس فيه من نفي الشيء بإيجابه إلا لفظا النفي والإيجاب، وأما المعنى الذي تقرر في تفسير هذا النوع فليس فيه بوجه. وقال ناظمه في شرحه: معناه أنه ما نفى الذم بإيجاب المديح كريم إلا وكان النبي ﵌ قد عاقد الدهر بالسلم على ذلك المعنى، قبل الذي فعل هذا الفعل المحمود، فإنه هو الأصل في الأسباب الخيرية. هذا كلامه بنصه، فلم يزد إلا بعدا عن الغرض من هذا النوع.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا ولا يشين العطا بالمن والسأم
ظاهره نفي انتفاء الخير في إيجابه ﵌، والمن والسأم في العطاء، والمراد نفي ذلك مطلقا.
وبيت بديعية الطبري قوله:
لم ينف إيجاب ما أعطاه آمله بالمن مستكثرا حاشاه من وصم
مراده عدم نفي إيجاب ما أعطاه مطلقا، وإن قيده بالمن والاستكثار.
وبيت بديعيتي هو:
نفى بإيجابه عنا بسنته جهلا نضل به عن وأضح اللقم
ظاهره نفي الجهل الموصوف بالضلال به عن واضح سواء الصراط، والغرض نفي الجهل مطلقا. واللقم بالتحريك: وسط الطريق.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
ما راع جارا رعاه وجه حادثة ولا انثنى مازجا دمعا جرى بدم
قال ناظمه في شرحه: إنه نفى ارتياع جاره من وجود الحادثات فقط، فكأنها تطرقه ولا تروعه. ومراده نفي الحوادث من أصلها، والزيادة قوله: رعاه، فكأنه نفى ارتياع جار رعاه فقط، والمراد نفيه عنه مطلقا. وكذلك قوله: ولا انثنى مازجا، ظاهره نفي مزج الدمع بالدم، والمراد نفي البكاء من أصله.