إذا قيل: إن العربي لا يخطأ، فالمراد لا يخطأ في اللفظ للملكة اللسانية الراسخة فيه، وأما في المعاني فلم يقل أحد بعصمة جنانه، كما قالوا بعصمة لسانه، بل هو خلاف ما صرح به أئمة العربية، ألا تراهم كيف خطأوا أبا قيس بن رفاعة في قوله:
منا الذي هو ما إن طر شاربه والعانسون ومنا المرد والشيب
لأنه لم يحسن التقسيم في البيت.
وقد اعترض ابن هشام في المغنى على ذكره المرد بعد قوله: ما طر شاربه، إذ الذي لم ينبت شاربه أمرد، فكأنه قال: منا الأمرد، ومنا المرد، ثم قال: «والبيت عندي فاسد التقسيم بغير هذا، ألا ترى أن العانسين، وهم الذين لم يتزوجوا، لا يناسبون بقية الأقسام، وإنما العرب محميون عن الخطأ في الألفاظ دون المعاني» انتهى.
وقد حاول بعض شراحه تصويب ما في البيت بتقدير أن أصله: منا العانسون والمتزوجون ومنا المرد والشيب، وذكروا فيه أوجهًا أخرى لا تخلو من مثل هذا التكلف.
وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «وليس الأعرابي بقدوة إلا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء، وأما غير ذلك فقد يخطئ فيه ويصيب» . والنصوص على ذلك كثيرة لا تختلف إلا في المبنى فلا حاجة لذكرها، وقد بحثنا فيما وصل إلينا من هذه الأوهام، وتفحصنا أسبابها، فرأيناها ترجع إلى الأقسام الآتية: