قال ابن حيان: كان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام الجماعة والفتنة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به العجب كل مذهب، وهون عنده كل مطلب، وكان علقه من عبد
[ ٢٠٧ ]
الله بن أحمد المكوي أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن، فألقى نفسه يومئذ على أبي الوليد ابن جهور في حياة والده أبي الحزم، فشفع له وانتشله من نكبته، وصيره في صنائعه.
وذكر غيره أنه خاطب ابن جهور من معتقله برسالة يقول فيها: إن سلبتني أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمياتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد باستنادي إليك، فلا غرو فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلي، والنكبة سحابة صيف عن قريب تقشع، وسيدي وإن أبطأ معذور:
وإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا فأفعاله اللائي سررن ألوف
وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو! ولا أخلو من أن أكون بريئًا فأين العدل؟ أو مسيئًا فأين الفضل؟ وما أراني إلا لو أُمرت
[ ٢٠٨ ]
بالسجود لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت الناقة، وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت، وقدت الفيل لأبرهة، وعاهدت قريشًا على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ببدر، وانخزلت بثلث الناس يوم أُحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة، وأنفت من إمارة أُسامة، وزعمت أن خلافة الصديق فلتة، ورويت رمحي من كتيبة خالد؛ وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به، لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يسمى نكالًا، ويدعى ولو على المجاز عقابًا:
وحسبك من حادثٍ بامرئٍ ترى حاسديه له راحمينا
فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق! ووالله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي، وأنى غلبني
[ ٢٠٩ ]
المغلب وفخر علي الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار! مالك لا تمنعني قبل أن أُفترس، وتدركني ولما أُمزق، وقد زانني اسم خدمتك، وأبليت الجميل في سماطك، وقمت المقام المحمود في بساطك:
ألست الموالي فيك نظم قصائدٍ هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ويشبه قوله ولا ذنب إلا نميمة ما كتب به بعضهم إلى أمير أحس منه تغيرًا: ما زال الحاسد لي عليك أيها السيد الأمير ينصب الحبائل، ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصة فأبلغك تشنيعًا زخرفه، وكذبًا زوره، وكيف الاحتراس ممن يحضر وأغيب، ويقول وأُمسك، مرتصد لا يغفل، وماكر لا يفتر، وربما استنصح الغاش، وصدق الكاذب، والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجري أكثرها على حسب السبب والوسيلة؟ فأجابه الأمير معتبًا: حضور الثقة بك أعزك الله يغني عن حضورك، وصدق حالك يحتج عنك، وما تقرر عندنا من نيتك وطويتك يغني عن اعتذارك.
[ ٢١٠ ]
وذكر الحصري في زهر الآداب أن ابن المعتز كتب إلى بعض الوزراء بذلك، وبينهما يسير خلاف.
ورسالة ابن زيدون طويلة جليلة، وفي نكبته هذه يقول:
يا للرزايا لقد شافهت منهلها غمرًا فما أشرب المكروه بالغمر!
لا يهنإ الشامت المرتاح خاطره أني معنّى الأماني ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجبٌ قد يودع الجفن حدّ الصارم الذّكر
وإن يثبّط أبا الحزم الرضا قدرٌ عن كشف ضرّي فلا عتبٌ على القدر
لا تله عني فلم أسألك معتسفًا ردّ الصّبا غبّ إيفاءٍ على الكبر
وفيها يقول أيضًا من قصيدة فريدة:
لعمر الليالي إن يكن طال نزعها لقد قرطست بالنّبل في مقتل النبل
تحلت بآدابي وإنّ مآربي لسانحةٌ في عرض أُمنيّةٍ عطل
اُخصّ لفهمي بالقلى وكأنما يبيت لذي الفهم الزمان على دخل
[ ٢١١ ]
وأُجفى على نظمي لكل قلادةٍ مفصّلة السّمطين بالمنطق الفصل
ولو أنني أسطيع كي أُرضي العدا شريت ببعض العلم حظًا من الجهل
أبا الحزم إني في عتابك مائل إلى جانبٍ تأوي إليه العلا سهل
حمائم شكري صبّحتك هوادلًا تناديك من أفنان آدابي الهدل
جوادٌ إذا استنّ الجياد إلى مدىً تمطّر فاستولى على أمد الخصل
ثوى صافنًا في مربط الهون يشتكي بتصهاله ما ناله من أذى الشّكل
أإن زعم الواشون ما ليس مزعمًا تعذّر في نصري وتعذر في خذلي!
ولم استثر حرب الفجار ولم أُطع مسيلمةً إذ قال: إني من الرسل
وإني لتنهاني نهاي عن الذي أشار به الواشي ويعقلني عقلي
هي النعل زلّت بي فهل أنت مكذبٌ لقيل الأعادي إنها زلّة الحسل
ألا إنّ ظني بين فعليك واقفٌ وقوف الهوى بين القطيعة والوصل!
ثم تهيأ له الفرار من السجن إلى أن شفع فيه كما تقدم فظهر! ولما ولي أمر قرطبة أبو الوليد بن جهور بعد أبيه أبي الحزم نوه به، وأسنى خطته وقدمه في الذين اصطنع لدولته، وأوسع راتبه، وعينه للنظر
[ ٢١٢ ]
على أهل الذمة في بعض الأمور المعترضة، وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء، فأحسن التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك.
واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن يحيى بن علي الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك، واقترب من إدريس خف على نفسه، وأحضره مجالس أُنسه، فعتب عليه ابن جهور، وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى حسن رأيه فيه.
واجتذبه المعتضد عباد بن محمد، فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه، يجالسه في خلواته، ويسفر له في مهم رسائله، لفضل ما اُوتيه من اللسن والعارضة؛ ثم كتب له بعد أبي محمد بن عبد البر فكانت الكتب تفد من إنشائه إلى شرق الأندلس، فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منها بالمنثور! وهلك المعتضد، فأقره ابنه المعمتد محمد بن عباد على حاله، وزاد في تكرمته، وأعرض عن الساعين به، واستعمل بعد وفاته ابنه أبا بكر محمد بن أبي الوليد.
[ ٢١٣ ]