كتب للمهدي قبل الخلافة، وتجاوز حد الكتابة، لأنه رباه وكفله، واستقبل به الأمور فكان يكرمه ولا يخالفه في شيء يشير به عليه، إلى أن ولي الخلافة فاستوزره. وحكي أنه عزله بعد ذلك عن الدواوين، فكتب إليه: لم ينكر أمير المؤمنين حالي في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة من حالي عنده قبل، في قيامي بواجب خدمته التي أدنتني من نعمته، ووطدت لقدمي في مهاد كرامته، فلم أُبدل أعز الله أمير المؤمنين حال التبعيد، ويقرب لي محل الإقصاء، وما يعلم الله مني فيما قلته، إلا ما يعلم أمير المؤمنين! فإن رأى أكرمه الله أن يعارض قولي بعمله، بدءًا وعاقبةً، فعل إن شاء الله!. فلما قرأ الكتاب شهد بتصديقه قلبه، وقال: ظلمنا أبا عبيد الله فليرد إلى حاله.
[ ٧٢ ]
وذكر أبو الفرج الأصبهاني قال: دخل أبو عبيد الله على المهدي، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله ويتغيظ عليه، ثم أمر به فجروا برجله وحبس، ثم أطرق المهدي طويلًا، فلما سكن أنشده أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديه عذابًا كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغرٍ وتكرم كلّ من هانت عليه
إِذا استغنيت عن شيءٍ فدعه وخذ ما أنت محتاجٌ إِليه
فتبسم المهدي، وقال لأبي العتاهية: أحسنت! فقام أبو العتاهية ثم قال: والله يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدًا أشد إكرامًا للدنيا، ولا أصون لها، ولا أشح عليها، من هذا الذي جر برجله الساعة، ولقد دخلت على أمير المؤمنين، ودخل هو، وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه، لأستوت أحواله، ولم تتفاوت! فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضي عنه، فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية.
[ ٧٣ ]
ولما قتل المهدي ابنه عبيد الله بن أبي عبيد الله على الزندقة، قال له: لا يمنعك ما سبق به القضاء في ولدك، من ثلج صدرك، وتقديم نصحك، فإني لا أعرض لك رأيًا على تهمة، ولا أؤخر لك قدمًا عن مرتبة! فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان ابني حسنةً، من نبت إحسانك أرضه، وتفقدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك وعبد نهيك، وبقية رأيك لي أحسن الخلف عندي.. ويقال: إن المهدي قال له: إنه لو كان في صالح خدمتك، وما تعرفناه من طاعتك، ما يجب بمثله الصفح عن ولدك، ما تجاوز أمير المؤمنين ذلك إلى غيره، ولكنه نكص على عقبه، وكفر بربه! فقال أبو عبيد الله: رضانا عن أنفسنا، وسخطنا عليها يا أمير المؤمنين موصول برضاك وسخطك، ونحن خدم نعمتك، تثيبنا على الإحسان فنشكر، وتعاقبنا على الإساءة فنصر! فاحتال الربيع بن يونس حتى غير عليه المهدي، وزين له استعمال يعقوب بن داود، فجعلت حال أبي عبيد الله تتناقص، وحال يعقوب تتزايد، إلى أن سماه المهدي أخًا في الله ووزيرًا، وأخرج بذلك توقيعات ثبتت في الدواوين، فقال في ذلك سلم الخاسر:
[ ٧٤ ]
قل للإمام الذي جاءت خلافته تهدى إليه بحقٍ غير مردود
نعم المعين على الدنيا أُعنت به أخوك في الله يعقوب بن داود
وصرف أبا عبيد الله عن الوزارة، وقال أستحيي منه لقتلي ولده؛ واقتصر به على ديوان الرسائل، وكان يصل إليه على رسمه.