كتب للحسن بن سهل، ثم وزر للمأمون، وكان أكولًا نهمًا ملتهب المعدة، لا يصبر على تأخير الغداء، فرفع إلى المأمون أن ابن أبي خالد يقتل المظلوم ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه ألف درهم كل يوم لمائدته، ثم كان إذا وجهه في حاجة، أمره بأن يتغدى قبل ويأكل.
قال الصولي: ولى المأمون دينار بن عبد الله الحبل، ثم صرفه ووجد عليه، فأرسل إليه أحمد بن أبي خالد، يعد ديونه ويطلب منه المال، وقال لياسر
[ ١٠٩ ]
الخادم: امض معه وانظر فإن تغدى أحمد عنده كان معه علينا، وإن لم يتغد كان معنا عليه! فلما أحس دينار بمجيئه، أعد له طعامًا ثم جاء ابن أبي خالد، فأدى رسالة المأمون حتى كملت، ثم حضر عشرون فروجًا فأكلها، ثم جيء بسمك فما ترك منه شيئًا، ولما توسط الأكل، قال له دينار: مالكم عندي إلا سبعة آلاف ألف، ما أعرف غيرها! فلما أكمل الأكل، قال له أحمد: احمل إلى أمير المؤمنين ما ضمنت! فقال: ما عندي إلا ستة آلاف ألف! فقال له ياسر: ما قلت إلا سبعة آلاف ألف، وقد سمع ذلك أبو العباس؛ فقال ابن أبي خالد: ما أحفظ ما كان، ولكن قل الآن أسمع! قال دينار: ما قلت إلا ستة آلاف ألف. وسبق ياسر فأخبر المأمون، وجاء أحمد فقال: إنه قد أقر بخمسة آلاف ألف. فضحك المأمون وقال: ما قام على أحد غداء بأغلى منا! قام علي غداء أحمد بن أبي خالد بألفي ألف درهم!
وكان المأمون قد استبطأ عمرو بن مسعدة، وفي مجلسه علي وأحمد والحسن بنو هشام، وأحمد بن أبي خالد، فقال: يحسب عمرو أني لا أعرف أخباره، وما يجري إليه، وما يعامل به الناس! بلى والله، ثم لعله لا يسقط عني منه شيء! فصار أحمد ابن أبي خالد إلى عمرو بن مسعدة، فخبره بما جرى وأُنسي أن يستكتمه، فراح عمرو إلى المأمون، وطرح سيفه وقال: أنا عائذ بالله من سخط أمير المؤمنين،
[ ١١٠ ]
أنا أقل من أن يشكوني إلى أحمد، وأن يسر علي ضغنًا، فقال له: ويحك وما ذاك؟ فخبره بما بلغه، ولم يسم له من خبره، فقال له: لم يكن الأمر كما بلغك، إنما ذكرت جملةً من تفصيل كنت على إخبارك به وموافقتك عليه، فجرى شيء من جنسه، فليحسن ظنك! ولم يزل يؤنسه حتى طابت نفسه، وتحلل ما كان دخل عليه، ثم ضمه وقبل عمرو يده وانصرف. قال أحمد بن أبي خالد: فغدوت على المأمون فقال: يا أحمد ما لمجلسي حرمة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين وهل الحرمات إلا لما فضل من مجلسك! فقال: ما أراكم ترضون بهذه المعاملة فيما بينكم! فقلت له: وأي معاملة؟ فقال: ذهب بعض بني هشام، فحكى لعمرو ما جرى أمس في المجلس، فجاءني متنصلًا مظهرًا ما وجب أن يظهره، فاعتذرت إليه وتبين الخجل في، كأني اعتذرت من شيء قلته، ولقد أعطيته ما يقنعه مني أقله، لما داخلني من الحياء منه.. فقلت: أُعيذك بالله من سوء الظن يا أمير المؤمنين، أنا أخبرته ببعض ما جرى، لا بعض بني هشام! قال: وما حملك على ذلك؟ قلت: الشكر لك والنصح والمحبة لأن تتم نعمتك على أوليائك وخدمك، ولعلمي بأن أمير المؤمنين يحب أن يصلح له الأعداء، فضلًا عن الأولياء والأوداء، لا سيما مثل عمرو في دنوه من الخدمة وموقعه من العمل، ومكانه من رأي أمير المؤمنين، فخبرته بما كان منه ليصلحه، ويقيم من نفسه أودها لسيده ومولاه، ويتلافى ما
[ ١١١ ]
فرط منه، ولا يفسد قلبه ويبطل الغناء الذي فيه، وإنما كنت أكون غبيًا لو أذعت سرًا على السلطان فيه ندم أو نقض تدبير، وأما هذا فما كان عندي إلا صوابًا! فقال لي: أحسنت والله يا أحمد!.. وأمر لي بمال كثير.
ولم يزل المأمون بسعة ذرعه وكرم طبعه يحتمله، على نهمه وحدته وسوء خلقه وعبوس وجهه المضروب به المثل في زمانه. حكى الجاحظ: أن بعض الكتاب سأل عبد الله بن طاهر حاجة، فوعده قضاءها، وطالت أيام مطاله الانجاز، فكتب إليه: أما بعد، فقد كان وعدك تلقاني مكتسيًا بشاشة عمرو بن مسعدة، وأرى إنجازه تأخر تأخر من خلع عليه عبوس أحمد بن أبي خالد! وكتب في آخره:
ولقد علمت وإن نصبت لي المنى أنّ الخصاصة لا تداوى بالمنى
فلئن وفيت لأنهضنّ بشكركم ولئن أبيت لأحملنّ على القضا
النذل يلحف في السؤال ولا ترى للحرّ إلحافًا ولو أكل الثرى
فأنجزها عبد الله بن طاهر.
وقال الصولي: ركب أحمد بن أبي خالد يومًا إلى المأمون، فكثر عليه الناس فنهرهم، فقال له رجل: عمري، أُشكر الله فقد أعطاك ما لم يعط نبيه! قال:
[ ١١٢ ]
وما هو؟ قال: إن الله يقول " ولو كُنتَ فظًّا غَليظَ القلبِ لأنْفَضُّوا من حَولك " وهأنت فظ غليظ القلب، ونحن نتكاثر عليك! فقال له: حاجتك؟ قال ترتبني في دار أمير المؤمنين المأمون. قال: قد فعلت! قال: وتقضي ديني وهو ثلاثون ألف درهم! قال: قد فعلت.
ثم إنه اعتل من فساد مزاج، فتخلف عن المأمون إلى أن مات، فحضر المأمون جنازته، وصلى عليه، ووقف على قبره، فلما دلي فيه قال: رحمك الله فلأنت كما قال الشاعر:
أخو الجدّ إن جدّ الرّجال وشمّروا وذو باطلٍ إن شئت ألهاك باطله